بيان
الأحد الثالث من الصوم المقدس الكبير يُعرَف بأحد الابن الضال.
خسائر الابن الضال:
في ضلال الابن الأصغر وابتعاده عن أبيه خسر وفقد كلَّ شيء، وهو في هذا يمثّل الخاطئ المبتعد عن الله في خسائره الكثيرة:
١- فقد اللياقة والأدب:
إذ طلب نصيبه من مال أبيه مع أن هذا لا يحق له إلا بالميراث بعد موت أبيه، فكأنه اعتبر أباه ميتًا وهو لا يزال حيًا.
وهكذا الخاطئ إنسان يفقد اللياقة والأدب في معاملته لأبيه السماوي.
٢- فقد وعيه وقدرته على التمييز:
إذ يقول الكتاب إنه أخيرًا «فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ» (لو ١٥: ١٧)، مما يدل على أنه كان فاقد الوعي والتمييز حين ظن أن سعادته في التحرر من الرقابة والقيود في بيت أبيه. ونحن كثيرًا ما نظن خطأ أن سعادتنا في التحرر من وصايا أبينا السماوي.
٣- خسر وطنه وأهله:
ترك أسرته وبلده وذهب إلى الكورة البعيدة.
والخاطئ المبتعد عن الله إنسان خسر وطنه على الأرض (الكنيسة)، وخسر إخوته في المعمودية (المؤمنين)، وخسر وطنه الروحي في السماء (الملكوت).
٤- فقد كرامته ومركزه:
أصبح حافي القدمين، بدليل قول أبيه عند عودته: «وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ» (لو ١٥: ٢٢).
وفقد مركزه كابن، ونزل إلى مستوى الأجير، بدليل قوله: «أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ» (لو ١٥: ١٨ و١٩).
بل نزل إلى مستوى أقل من مستوى الحيوانات، إذ «كَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخَرُّوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ» (لو ١٥: ١٦).
هكذا الإنسان في خطيته معرَّض أن يفقد كرامته ومركزه كابن لله.
٥- خسر خدمات عبيد أبيه:
إذ قال: «كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُمُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا» (لو ١٥: ١٧).
والخاطئ الذي يبتعد عن كنيسته وإلهه يفقد خدمات الآباء الكهنة، خدام أبيه السماوي، كما يخسر أيضًا خدمات الملائكة الذين هم «أَلَيْسُوا جَمِيعًا أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ؟» (عب ١: ١٤).
٦- فقد عمله:
خسر عمله في الفلاحة ورعاية الغنم في حقل أبيه مع أخيه الأكبر، الذي قيل عنه إنه كان «فِي الْحَقْلِ» (لو ١٥: ٢٥)، والذي قال لأبيه: «هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذِهِ عَدَدُهَا» (لو ١٥: ٢٩).
والخاطئ الذي ابتعد عن الله يفقد عمله كمؤمن عامل في تمجيد الله والشهادة له وخدمته.
٧- فقد ماله:
إذ «بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ» (لو ١٥: ١٣).
وقد أعطانا أبونا السماوي وزنات عديدة، كثيرًا ما نبذرها في الشهوات.
٨- فقد طعامه:
إذ كان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب، فلم يعطه أحد، حتى قال: «أَنَا أَهْلِكُ جُوعًا» (لو ١٥: ١٧).
وهكذا الخاطئ يحرم نفسه من مسيحه خبز الحياة، ومن كلمة الله الأحلى من العسل، ومن جسد الرب ودمه الأقدسين، المأكل الحق والمشرب الحق.
٩- فقد ثيابه:
بدليل أن أباه أمر عبيده قائلًا: «أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ» (لو ١٥: ٢٢).
وهكذا نحن بالخطية نفقد الثياب البيض، لباس العرس وثياب القداسة.
١٠- فقد طهارته:
وذلك بخطية الزنا، إذ قال أخوه الأكبر لأبيه: «هذَا ابْنُكَ الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي» (لو ١٥: ٣٠).
كما رعى الخنازير، وهي حيوانات نجسة في الشريعة اليهودية، إذ «الْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ» (لو ١٥: ١٥).
والخطية بوجه عام نجاسة ودنس.
١١- فقد أصدقاءه:
وهذا يظهر من أنه «ابْتَدَأَ يَحْتَاجُ… فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ» (لو ١٥: ١٤- ١٦).
فأصدقاء السوء يعرفون الإنسان وجيوبه ممتلئة، ولكن حين تفرغ جيوبه ينفضّون من حوله.
١٢- فقد حياته:
لذلك قال أبوه عند عودته: «لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ» (لو ١٥: ٢٤).
ويصف سفر الرؤيا الخاطئ بقوله: «أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيِّتٌ» (رؤ ٣: ١).
ورغم كل ما فقده وخسره الابن الأصغر، إلا أنه بقي له شيء واحد عظيم القيمة، وهو الرجاء في قبول أبيه له إذا طلب الصفح. لذلك، مهما أفقدتنا الخطية، ينبغي ألا نيأس، بل يكون لنا رجاء في أن يقبلنا أبونا السماوي ثانية إذا ما عدنا إليه تائبين.
ونصلي أن يجعل الله هذا الصوم صومًا مباركًا وفرصة لتقديم توبة حقيقية.
وكل عام وأنتم بخير.
…………………………………………………………………………….
كاتب المقال: كاهن كنيسة الشهيد مارجرجس، المطرية – القاهرة
القس بولا فؤاد رياض يكتب: فلما أنفق كلَّ شيء
