تقرير خاص: «إخوان السودان» واستراتيجية «التلون التنظيمي»
.. تحولات الواجهات من العقيدة إلى البندقية (الجزء الأول)
موقع بيان الإخبارى
تُشكل الحركة الإسلاموية السودانية (إخوان السودان) نموذجاً استثنائياً في «التلون السياسي» والقدرة على إعادة إنتاج الذات عبر واجهات متلاحقة تتكيف مع كل مرحلة تاريخية.
ولم يكن هذا التحول التنظيمي مجرد مناورة شكلية لتبديل المسميات، بل أُدير كاستراتيجية واعية لإدارة الصراع، والالتفاف على الأزمات الوجودية، واستقطاب الشارع أو النخبة وفق متطلبات اللحظة، مما جعل الجماعة المكون الأكثر مراوغة في المعادلة السياسية السودانية على مدى عقود.
استراتيجية «الحرباء»
وتعتمد الحركة في محطاتها المختلفة قاعدة «المرونة التنظيمية مقابل الجمود الأيديولوجي»؛ حيث تبدي براعة في تغيير القالب السياسي دون التخلي عن هدفها المحوري المتمثل في السيطرة على السلطة.
وتتبع مسارات هذا التحول التاريخي المحطات التالية:
أولا: القالب الطلابي والنخبوي:
بدأت الحركة تحت اسم «حركة تحرير إسلامي» لمواجهة المد الشيوعي في الجامعات عبر بناء كادر متعلم وموجه، قبل أن تعلن هويتها الصريحة كـ «إخوان مسلمين» عقب إعدام قادة الجماعة في مصر.
ثانيا: السودنة والتحالف العريض:
انتقلت الحركة عقب ثورة أكتوبر 1964 إلى واجهة «جبهة الميثاق الإسلامي»، متبعة سياسة «سودنة» التنظيم عبر التحالف مع الطرق الصوفية والجماعات السلفية، لكسب مشروعية شعبية ودستورية داخل البرلمان استناداً للبيئة الدينية للمجتمع.
ثالثا: اختراق أجهزة الدولة:
استغلت الحركة مرحلة «المصالحة الوطنية» مع نظام جعفر نميري تحت شعار «الشراكة الوطنية»، لبناء إمبراطورية اقتصادية ومؤسسات تعليمية وخيرية، واختراق المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهو ما وضع اللبنات الأولى لما عُرف لاحقاً بـ «الدولة العميقة».
رابعا: التمويه العسكري والمفاصلة:
عبر «الجبهة الإسلامية القومية»، قدمت الحركة نفسها كبديل للأحزاب التقليدية، حتى تنفيذ انقلاب 1989 تحت شعار «ثورة الإنقاذ الوطني»، حيث خُبئت الهوية الحزبية خلف البزة العسكرية.
وعقب «المفاصلة» الشهيرة بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، أدارت الحركة المشهد بمنطق «التواجد في السلطة والمعارضة معا»، واستبدلت المنظمات المصنفة إرهابياً بتحالفات مع التيار السروري وجماعات متطرفة مثل تلك التي يقودها عبد الحي يوسف.
هندسة العودة عبر البوابة العسكرية
عقب ثورة ديسمبر 2019، انحنت الحركة للعاصفة دون أن تتلاشى، لتعيد تنظيم صفوفها في أبريل 2022 تحت مظلة «التيار الإسلامي العريض»، وهو تحالف يضم 11 تنظيماً إسلامياً يتصدره «المؤتمر الوطني» المحلول، إلى جانب «منبر السلام العادل»، و«حركة الإصلاح الآن»، وفصيلين من الإخوان، فضلاً عن كيانات راديكالية مثل «حزب دولة القانون والتنمية» بقيادة محمد علي الجزولي.
ومع اندلاع حرب أبريل 2023، تحولت الحركة من الواجهة السياسية إلى «المظلة العسكرية والجهادية» عبر تشكيلات مثل «كتيبة البراء بن مالك»، محاولة استعادة الشرعية تحت شعار «إسناد القوات المسلحة».
طالع المزيد: سقوط الأقنعة وتجارة الجنسيات.. وقائع تحوّل قيادات «الإخوان» بالخارج إلى شبكة احتيال
ويعكس إسناد قيادة التيار لعلي كرتي -أمين الحركة الإسلامية ورجل الدولة العميقة ومؤسس الدفاع الشعبي- رغبة حاسمة في توحيد الشتات التنظيمي تحت قيادة تملك مفاتيح النفوذ داخل الجيش، رغم العقوبات الدولية التي تلاحقه.
كما تسيطر المجموعة الداعية للاستمرار في القتال على مفاصل التيار؛ باعتبار الحرب الخيار الوحيد لقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية (كالاتفاق الإطاري) قد تفكك نفوذهم الاقتصادي والعسكري، ولتوفير غطاء حماية لقيادات الصف الأول المطلوبين محلياً ودولياً.
الصراعات الداخلية
كشف صعود كرتي عن انقسامات مكتومة داخل «بيت الإسلاميين» بين جبهة (كرتي – أحمد هارون) ومجموعات منافسة يقودها (إبراهيم محمود – نافع علي نافع) حول السيطرة والموارد، مما جعل «التيار العريض» منصة لفرض الشرعية الداخلية وتصفية الحسابات التنظيمية.
حركة المستقبل
وتُمثل «حركة المستقبل للإصلاح والتنمية» الحلقة الأكثر تطوراً في استراتيجية التجديد المظهري للحركة الإسلامية، حيث تسعى لضخ دماء شابة لتجاوز حمولة الماضي السياسي لعهد «الإنقاذ».
وتتجلى هذه الاستراتيجية في تقديم محمد الأمين أحمد للأمانة العامة خلفاً للقيادي السابق عبد الواحد يوسف (والي شمال دارفور الأسبق)، لتقديم الحركة ككيان «مستقبلي» قادر على استقطاب الشباب وتجنب الوصمة السياسية للنظام السابق.
وفي الوقت نفسه، تنشط الحركة كجسر رابط بين التنظيم والكيانات القبلية؛ حيث ظهر ذلك في التنسيق مع الناظر محمد الأمين ترك (رئيس الجبهة الوطنية السودانية) والمشاركة في «مؤتمر أركويت الثاني»، لانتزاع مشروعية مجتمعية جديدة تحت غطاء الاصطفاف خلف الجيش، مما يصعب مساعي عزل التنظيم سياسياً.





