كتب: على طه
تواصل الحركة الإسلامية السودانية (إخوان السودان) توظيف أدوات «التكيف التنظيمي» لاستغلال الواقع المعقد المتولد عن حرب أبريل 2023؛ حيث تحولت ساحة المواجهة الميدانية إلى منصة لإعادة فرض الذات على المشهد السياسي، عبر شبكة معقدة من الواجهات المدنية، والكتائب العقائدية الموازية، والتحركات الدبلوماسية الالتفافية. غير أن هذه الاستراتيجية باتت تصطدم بواقع دولي وقانوني جديد يعيد رسم حدود المناورة ومآلاتها.
«حركة المستقبل».. الهندسة المظهرية وإعادة إنتاج «التكنوقراط»
تُشكل «حركة المستقبل للإصلاح والتنمية» رأس الرمح في طرح الرؤى الرامية لتجاوز استحقاقات ثورة ديسمبر والاتفاق الإطاري، عبر التسويق لـ «مشروع وطني لإدارة الفترة الانتقالية» يطالب بانتخابات حرة تستغل حالة التشتت التي تعاني منها القوى المدنية والمنافسة.
التمويه التعددي: يكشف الهيكل التنظيمي للحركة -عبر اختيار شخصيات مثل «مارثا جوزيف» في منصب نائب رئيس مجلس الشورى- عن استراتيجية واعية لكسر الصورة الذهنية النمطية للحزب الديني المغلق. ويهدف هذا «التنوع الموجه» إلى تقديم خطاب معاصر للمجتمع الدولي يركز على التعددية وتمكين المرأة والشباب، في حين تظل مطابخ القرار الحقيقي مرتبطة بالقيادات التاريخية للتنظيم.
التغطية الأكاديمية: يعتمد هذا المسار على استقطاب الأكاديميين ومراكز البحوث لإضفاء صبغة «تكنوقراطية» وعلمية على الأنشطة الحزبية، بما يتيح للتنظيم التغلغل الناعم في الفضاء المدني والخدمي.
انصهار الفصائل و«بيان الكرامة».. الاندماج الوظيفي وتسييس الهامش
يعكس الصعود الفكري والسياسي لـ «مجموعة د. محمد المجذوب» (المحسوبة تاريخياً على المؤتمر الشعبي) حالة من الانصهار والتلاشي للخصومات الفكرية التي أعقبت «المفاصلة» الشهيرة، لصالح الاندماج الوظيفي داخل «التيار الإسلامي العريض» وتحت مظلة «بقـاء الدولة».
الشرعية عبر المؤسسة العسكرية: يُظهر تحليل الأدبيات السياسية للحزب (مثل «بيان الكرامة») تبنياً كاملاً لسردية القوات المسلحة، ومحاولة للتموضع كـ «ظهير مدني وسند سياسي» للجيش، مما يمنح التنظيم مشروعية الوجود في مرحلة ما بعد الحرب.
اختراق الهامش وكسب القواعد: يسعى الخطاب السياسي للتركيز على الأزمات الإنسانية والعسكرية في كردفان ودارفور، في محاولة لكسر صورة «نخبة الخرطوم المركزية» والتقرب من مجتمعات الهامش المتضررة.
ملء الفراغ الإداري: تتضمن التحركات المطالبة بتفعيل أجهزة الدولة ومؤسساتها الإدارية، وهي مساحة يمتلك فيها كادر النظام السابق خبرات تراكمية تسمح له باستعادة مفاصل الوظيفة العامة.
خريطة إعادة التموضع: في الوقت الذي انحازت فيه قيادات من المؤتمر الشعبي (مثل د. الأمين محمود وإبراهيم السنوسي) وحركة «الإصلاح الآن» (قيادة د. غازي صلاح الدين وحسن رزق) لخيار التعبئة والالتحاق بالتيار العريض، تظل مجموعة د. علي الحاج متمسكة برفض الانقلابات والدعوة للمسار التفاوضي.
الكتائب الموازية وخيار «التجييش العقائدي»
تُعد الواجهات العسكرية الموازية العقدة الأكثر خطورة في تعقيد الملف الأمني السوداني؛ إذ تعود جذورها إلى سياسة التغلغل الممنهج داخل المؤسسة العسكرية منذ منتصف الثمانينات عبر زرع الضباط العقائديين وتأسيس أذرع كـ «الدفاع الشعبي» و«الشرطة الشعبية».
إعادة التجميع والخلايا السرية: عقب حل الكيانات الرسمية للنظام السابق في 2019، أعاد التنظيم بناء صفوفه عبر شبكات «الربط الخيطي» وتفعيل أجهزة «العمل الخاص»، وهو ما تجسد ميدانياً في ظاهرة «فيلق البراء بن مالك» كقوة ضاربة تحمل أبعاداً سياسية وعقائدية حادة.
غرف العمليات الموازية: تشير الترتيبات الميدانية وإصدار أوامر التسليح لهذه الكتائب إلى وجود غرفة إدارة موازية تسبق في بعض الأحيان القرارات الرسمية للاستنفار، مما يربك وحدوية القرار العسكري ويحول المواجهة إلى صراع وجودي.
الوساطة الإيرانية وجبريل إبراهيم: استغل المؤتمر الوطني حركة «العدل والمساواة» بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم للاندماج في بنيتها العسكرية، وتوظيفها كجسور تواصل دبلوماسي وأمني مع إيران، وهو المسار الذي أدى إلى فرض عقوبات أمريكية مباشرة على جبريل إبراهيم.
مناورات «كوالالمبور» (أغسطس 2025).. استراتيجية توزيع الأدوار
أظهرت المشاورات السياسية غير الرسمية التي شهدتها كوالالمبور في أغسطس 2025 (برعاية منظمة «بروميديشن» الفرنسية) قدرة عالية على توزيع الأدوار الدولية بين مكونات التيار الإسلامي:
تفكيك العزلة الخارجية: شاركت أحزاب مثل «حركة الإصلاح الآن» و«الحركة الوطنية للبناء والتنمية» إلى جانب المؤتمر الوطني (جناح نافع علي نافع) لطرح رؤية التنظيم تحت أغطية مدنية تتسم بـ «الاعتدال المظهري».
استعارة المبادئ الدولية: تعتمد هذه المنصات على توظيف مصطلحات جاذبة للوسطاء الغربيين مثل «العدالة الانتقالية»، «حرية التعبير»، و«إعادة الإعمار»، لانتزاع مقعد أصيل في أي خارطة طريق مستقبلية تضمن عدم مساواتهم بالأطراف الأخرى.
زلزال التصنيف الدولي (مارس 2026).. الجدار القانوني ونهاية المناورة
شكل القرار الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2026 بتصنيف «جماعة الإخوان المسلمين في السودان» كياناً إرهابياً عالمياً منظماً (SDGT) تحولاً هيكلياً أجهض محاولات الالتفاف التنظيمي.
الملاحقة والمحاصرة المالية: شمل التصنيف صراحة «الحركة الإسلامية» و«فيلق البراء بن مالك»، مما يضع كافة الواجهات الموازية والشركاء السياسيين تحت طائلة العقوبات الثانوية وتجميد الأصول.
تقويض استراتيجية «الواجهات المدنية»: تسبب هذا القرار في نسعى شرعية التحركات الخارجية (لقاءات كوالالمبور وما يماثلها)، وأحرج القوى الدولية والإقليمية التي كانت تتعاطى مع هذه الكيانات كأطراف سياسية مجردة.
الضغط على المؤسسة العسكرية: فرض التحول الدولي واقعاً جديداً على قيادة القوات المسلحة؛ حيث بات الاصطفاف الميداني مع كتائب التنظيم يشكل تهديداً مباشراً للاعتراف الدولي بالدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية.
الدولة وخطر التفكيك
استنفاد استراتيجية الحرباء.. وفخ «الحسم العسكري»:.. وانسداد أفق التجديد المظهري.. 3 عناوين تلخص ما سبق فى هذا التقرير، ويمكننا أن نوضحها بشىء من التفصيل فى التالى:
أولا: نجحت الحركة تاريخياً في العبور من الأزمات عبر الانتقال السلس بين السلطة والمعارضة والعمل المسلح، إلا أن وصول هذا التكيف إلى مرحلة «التجييش المباشر» يضع هيكل الدولة السودانية ككل أمام خطر التفكك.
ثانيا: بات رهان جناح الحرب في التنظيم على الحسم الميداني الخيار الوحيد للفرار من المحاسبة القانونية وتثبيت النفوذ، غير أنه ينقل الأزمة من نطاق الصراع السياسي إلى خانة التهديد المباشر للأمن السلمي والإقليمي.
ثالثا: في ظل فرض العقوبات وتصنيف مارس 2026 الإرهابي، تراجعت الفاعلية السياسية لشبكات «التشبيب» و«الواجهات الأهلية»، ليجد التنظيم نفسه محاصراً بين التآكل التنظيمي الداخلي والعزلة الدولية الحاسمة.
