ألم التهميش والانْسحاق في الأدب الروسي
«أليوشا الإناء» لتولستوي نموذجًا

سردية يكتبها: محمد سليمان
القصص المؤلمة في الأدب الروسي
يزخر الأدب الروسي بكثير من القصص التي تغوص في أعماق النفس البشرية وآلامها. تلك القصص، في حقيقتها، صرخة؛ صرخة مدوية في ضمير البشرية، لعلها يومًا ما تستيقظ من سباتها، وتنظر بعين الرأفة والعطف إلى المهمشين والكادحين والمقهورين، وهم في الحقيقة الأغلبية الساحقة من البشر.
كثير من القصص المؤلمة صاغها كبار الكتاب الروس؛ على رأسهم جوجول في رائعته «المعطف»، وأنطون تشيخوف في قصته «المغفلة»، وليو تولستوي في قصته «أليوشا الإناء»، وغيرها.
وتتميز تلك القصص بأنها تتشابه، في كثير من الأحيان، في خطوطها العريضة؛ فالتهميش، والقهر، والفقر، والبؤس، والألم، والتعاسة، والواقعية، وفي بعض الأحيان الغفلة، هي أبرز ما يميزها.
«أليوشا الإناء».. معاناة القهر والكدح
للكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي قصة قصيرة بعنوان «أليوشا الإناء»، وقد تعددت مسميات هذه القصة بين: «أليوشا القدر»، و«أليوشا الكوز»، و«أليوشا الجراء»، و«أليوشا الإناء»، و«أليوشا الوعاء»، وغيرها.
كتب تولستوي هذه القصة عام 1905، وأنجزها في يوم واحد، ثم تركها واصفًا إياها بأنها سيئة، لكن الحقيقة أنها من أجمل القصص القصيرة في الأدب الروسي. وقد نُشرت القصة عام 1911، بعد وفاة تولستوي، وتصنف ضمن القصص المؤلمة للغاية في الأدب الروسي.
تتحدث قصة «أليوشا الإناء» في مجملها عن ظاهرة الكدح والمشقة، وعن القهر والتهميش والانْسحاق الذي يتعرض له بعض البشر، من خلال التحكم في كل ما يخصهم منذ طفولتهم وحتى مماتهم، بحيث يتجاهل هؤلاء المتحكمون حقهم في الاختيار، أو التمرد، أو حتى مجرد السماح لهم بالتلفظ يومًا بكلمة «لا».
إن مصادرة أهم حقوق الإنسان، حق الاختيار، وحق الاعتراض، وحق المقاومة، والحق في أن يحب ويُحب، هي في حقيقتها مصادرة لكيان الإنسان، ومظهر من مظاهر العبودية الحديثة.
فمن يظن أن عصر الرقيق قد انتهى فهو مخطئ؛ فالحقيقة أننا نعيش أشكالًا جديدة من العبودية، تتشابه أحيانًا، إن لم يكن في أكثرها، مع نظام العبودية القديم، وإن اختلفت الأساليب والأدوات.
يقول الكاتب الأمريكي جورج سوندرز، في الفصل الخاص بقصة «أليوشا الجراء» في كتابه الشيق «سياحة في بركة تحت المطر»:
«تبدو القصة وكأنها تقول: في هذا العالم أناس حياتهم كلها، من البداية إلى النهاية، كدح لا يتوقف.. كيف يعيش الواحد منهم؟»
بل يقرر سوندرز أن أليوشا الإناء هو «أحد أكثر العاملين اجتهادًا في الأدب كله».
وأشعر أن القارئ بدأ يتساءل الآن عن قصة أليوشا الإناء، وعن سبب مأساته. وهل مجرد الكدح والمشقة هما سبب شقائه؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى؟
هذا ما ستجيب عنه القصة.
ملخص القصة
في قرية من القرى النائية بريف روسيا، يعيش الصغير أليوشا، طفل عادي يعيش مع أسرته، إلى أن وقع حدث بسيط غيّر مصير حياته.
ذات يوم، أرسلته أمه إلى زوجة الشماس بإناء من اللبن. وأثناء ذهابه بالإناء، تعثر الطفل، فانكسر الإناء وانسكب اللبن. أوسعته أمه حينها ضربًا وتوبيخًا، وفي تلك اللحظة المصيرية من حياة الطفل أصبح الصبية يلقبونه بـ «أليوشا الإناء» .
وكأن التجربة الأولى الفاشلة للطفل أصبحت علامة دالة على الفشل وعدم الاقتدار وعدم الاستحقاق، فألصق الصبية به لقبًا مقيتًا بسبب تجربة مريرة، هي في الأوضاع العادية مجرد تجربة فاشلة قد تكون سببًا للتعلم من الخطأ.
كان أليوشا صبيًا نحيفًا، طويل الأذنين، ضخم الأنف، اعتاد الصبية السخرية منه بقولهم: «أنف أليوشا مثل كلب على حبل»، أو «أنف أليوشا مثل قرع عسلي على سارية»، وفق ترجمة أخرى، كما يورد جورج سوندرز في كتابه.
وكانت ردة فعل أليوشا حين يسخر منه الصبية إما أن يصمت، وفي بعض الحالات كان يبتسم معهم.
منذ صغره، كان يساعد والديه في كل شيء: أعمال الزراعة وأعمال البيت، ولم يتذمر مرة، أو يرفض ولو لمرة واحدة.
وفوجئ في يوم من الأيام بأن أباه أعطاه قبعته، وحذاء شقيقه، ومعطفًا قديمًا لم يكن على مقاسه. ولك أن تتخيل هيئته وهو يأخذ بيد والده إلى المدينة، من دون أن يخبره أبوه إلى أين يذهب، وماذا ينتظره.
توجه الأب بابنه إلى بيت التاجر الذي كان يعمل فيه شقيقه الأكبر، الذي ترك العمل بسبب التجنيد. وعندما تفحصه التاجر، قال لأبيه:
ما هذا الطفل الأحمق؟ وما فائدته؟
فأجابه الأب:
إنه يستطيع فعل أي شيء. إنه يعمل كالحمير؛ قد يبدو ضعيفًا، لكنه لا يتعب ولا يجادل.
هكذا كانت إجابة الأب، دون مراعاة لمشاعر ولده.
كانت أسرة التاجر مكونة من زوجته، وأمه، وثلاثة أبناء؛ اثنين من الذكور وفتاة، بالإضافة إلى كبير الخدم والطباخة أوستنيا.
وبالفعل، كان أليوشا يعمل كالحمار. كل أهل البيت يأمرونه فيطيع، ويقوم بكل الأعمال، ويساعد الجميع دون أن يتذمر، ويعمل بنشاط بلا كلل أو ملل.
أشفقت عليه أوستنيا، وكانت تربت على كتفيه. أحس أليوشا أن هناك من يحنو عليه دون انتظار لمقابل، وأحس للمرة الأولى أن أحدًا غيره يحتاج إليه؛ يحتاج إليه هو نفسه، لا إلى أعماله.
سمع أليوشا ذات مرة أن الفلاحين الذين يعملون مثله في المدينة غالبًا ما يتزوجون الطباخات.
وفي مرة سألته أوستنيا:
هل يبحث لك أبواك عن زوجة؟
أجابها:
أنا أريد أن أتزوجك أنت.. هل توافقين؟
ارتسمت علامات السعادة على وجه أوستنيا، وأشاعت الخبر:
أليوشا يريد أن يتزوجني.. لماذا لا أوافق؟
لكن زوجة التاجر عرفت أن أليوشا يرغب في الزواج من أوستنيا، ولم يعجبها ذلك، فقالت لزوجها:
ما نفع الطباخة ذات الأطفال؟
وفي ذلك الوقت جاء والد أليوشا إلى المدينة ليقبض راتبه، فأعطاه التاجر أجرة ابنه، ثم قال للفلاح:
كيف هو أليوشا معكم؟
فأجاب الأب:
تمام؟ قلت لكم إنه لن يجادلكم أبدًا.
قال التاجر:
فيما يخص المجادلة فهو لا يجادل فعلًا، لكن هذا لا يمنعه من بعض الحماقات. لا أعرف من أين خطرت له فكرة الزواج بالطباخة.. هذا لا يناسبنا.
قال الأب:
هذا الأحمق! لا تقلق أبدًا.. هذا لن يكون.
ذهب أبوه إلى المطبخ، وكان أليوشا غائبًا يقضي بعض الأمور. وعندما عاد في النهاية لاهثًا، قال له الأب:
ما هذا الذي تفكر فيه؟ حسبتك عاقلًا!
قال أليوشا:
لا شيء.
قال له والده:
ماذا تعني بلا شيء؟ أنت تفكر في الزواج. سأزوجك بنفسي عندما يحين الوقت، وسأزوجك بامرأة مناسبة، لا بعاهرة من عاهرات المدن. حسنًا، لننسَ الأمر.
وكان هذا هو رد أليوشا المستسلم لذلك القهر والسحق لمشاعره.
ذهب الأب وتركه وحيدًا مع أوستنيا، التي كانت تقف خلف الباب وسمعت كل ما قاله والد أليوشا.
قال لها:
يبدو أن خطتنا لن تنجح، لن يتركني أتزوج.
أخذت أوستنيا تبكي دون صوت.
قال لها أليوشا:
علينا أن نطيعه.. نحن مضطرون إلى نسيان الموضوع.
وفي تلك الليلة، عندما نادته زوجة التاجر ليغلق النوافذ، قالت له:
هل تسمع كلام أبيك وتنسى تلك الحماقة؟
قال أليوشا ضاحكًا:
يبدو أني مضطر إلى ذلك.
ثم بكى.
السقوط الأخير
ذات يوم، طلب منه كبير الخدم أن ينظف سطح المنزل من الثلج المتراكم. تسلق أليوشا السطح ونظفه جيدًا، وبينما كان ينظف الثلج المتجمد في المزراب، تعثرت قدماه وسقط.
ولسوء حظه، سقط على السطح المعدني لأحد الأبواب.
هرعت إليه أوستنيا وابنة التاجر.
أليوشا.. هل أنت مصاب؟
قال:
قليلًا.. كل شيء تمام.
حاول أن ينهض فأخفق. حملتاه إلى كوخ، وجاء الطبيب وفحصه، وسأله:
أين تشعر بالألم؟
فأجاب:
في كل مكان.. لكن أهم شيء ألا يتأذى صاحب البيت!
تمدد في السرير لمدة يومين، وفي اليوم الثالث، وبعد تدهور صحته، استدعوا القس.
صلى أليوشا مع القس، وكانت يداه مضمومتين وقلبه يفكر:
إن كنت طيبًا هنا بالأسفل، وفعلت ما تؤمر به، ولم تؤذ أحدًا، فسيكون كل شيء طيبًا بالأعلى أيضًا.
لم يتحدث كثيرًا، بل ظل يطلب الماء، وبدا مذهولًا من أمر ما. ثم بدا أنه جفل من شيء ما، ومد رجليه.. ومات.
ماذا أراد تولستوي أن يقول؟
هذا ملخص لمأساة أليوشا الإناء، وليس ترجمة حرفية للقصة، وأنصح القارئ بقراءة فصل «أليوشا الجراء» في كتاب جورج سوندرز، لقراءة القصة كاملة، والاطلاع على المقارنة الجيدة التي أجراها سوندرز بين أكثر من ترجمة لها.
لكن السؤال الأهم: ما الرسالة التي أراد تولستوي إرسالها من خلال هذه القصة؟
يتساءل جورج سوندرز:
«هل يحتمل أن تولستوي قصد أن يجعلنا نقرأ القصة على أنها مديح لأليوشا، الذي كان على مدار عمره كله، وحتى في وجه الموت، نموذجًا متطرفًا للتواضع المسيحي؟ قصة حزينة على الصعيد الإنساني، لكنها في النهاية قصة انتصار للبساطة والإيمان».
لكن سوندرز يعيدنا إلى الحيرة بعد عدة صفحات، حين يخبرنا أنه من الممكن أن يكون تولستوي يسخر من إذعان أليوشا.
وفي النهاية، يقرر سوندرز أننا «بوسعنا قراءة القصة بطريقتين متناقضتين»:
القصة دفاع بديع عن الإذعان المبتهج.
القصة دفاع بديع عن الحجة القائلة إن الإذعان المبتهج هدية الطغاة.
فأيهما صحيح؟
هكذا يوقعنا سوندرز، كما أوقعنا تولستوي، في حيرة التساؤلات والمقاصد.
أكان تولستوي يقصد إيقاعنا في تلك الحيرة؟ أكان يريد أن يضع قراءه في دوامة من النهايات الملغزة، المفتوحة على كل التأويلات المتناقضة؟
في النهاية، يقرر سوندرز أن:
«جمال القصة ينبع من إخفاقها في الإجابة عن هذا السؤال».
وهذا صحيح إلى حد كبير.
الدلالات الرمزية لقصة «أليوشا الإناء»
إذا كان البعض ما زال يتساءل حتى الآن: ما الرسالة التي أراد تولستوي إرسالها من خلال هذه القصة؟
فإن القصة، في رأيي، تحمل كثيرًا من الدلالات الرمزية.
قد تكون صرخة ضد النظام البطريركي (الأبوي) الذي يرى فيه الأب نفسه متحكمًا في كل شيء يتعلق بمصير أبنائه وحياتهم، والذي يرى فيه الحاكم الديكتاتور نفسه أبًا للجميع، أو «كبير العائلة»، الذي يجب أن يُطاع دون مناقشة.
وهي أيضًا صرخة ضد الاستغلال؛ فما تعرض له أليوشا على يد التاجر يحمل دلالة رمزية على استغلال البرجوازية للعامل وسحقه، باعتباره مجرد ترس في ماكينة، وأداة لا غير، تنفذ المطلوب منها، ولا سبيل لها إلى الاعتراض أو حتى المناقشة.
فهل من الممكن أن يكون أليوشا رمزًا للشعب المقهور المغلوب على أمره؟
وهل يمكن أن يكون الأب رمزًا للحاكم المستبد، الذي لا يراعي حتى أبسط الحقوق لشعبه؟
وهل يمكن أن يكون التاجر رمزًا لأصحاب رؤوس الأموال الذين يستنزفون الشعوب من أجل ملء خزائنهم، أو إشباع نهم لا يشبع، وظمأ لا يروى؟
أليوشا.. هل هو الغافل أم المقهور؟
إياك أيها القارئ أن تسخر من أليوشا بعد معرفة قصته، أو أن تنعته بالغفلة أو البله.
لأن الحقيقة المؤلمة، وخاصة في مجتمعات العالم الثالث، أن كثيرين يتشابهون مع أليوشا في صفاته.
وإن أردت أن تصفه بالغفلة، وقد تكون تلك هي الحقيقة المؤلمة، فإنك والكثيرين مثله، في كثير من الأحيان، لا تستطيع أن تنتقد أو ترفض أو حتى أن تتلفظ بكلمة «لا».
أنت مجرد لا شيء في منظومة يحكمها «الأخ الأكبر»؛ الديكتاتور في البلاد الشمولية، الذي حتمًا يراقبك.
وهنا تتحول قصة أليوشا من حكاية روسية قديمة إلى مرآة نرى فيها أنفسنا.
فالإنسان الذي يفقد حقه في الاختيار، ويعتاد الطاعة، ويخشى الاعتراض، ويصبح وجوده مرتبطًا بقدرته على تنفيذ أوامر الآخرين، لا يفقد فقط حريته؛ بل يفقد شيئًا أعمق: إحساسه بذاته وبحقه في أن يكون إنسانًا كامل الإرادة.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبقى قصة أليوشا مؤلمة حتى اليوم.
فالمأساة ليست في أن أليوشا مات بعد سقوطه من فوق السطح، وإنما في أنه عاش حياته كلها دون أن يمتلك حق السقوط في اختيار آخر.
لقد كان يعمل، ويطيع، ويصمت، ويبتسم حين يُسخر منه، ويتنازل عن حبه حين يُطلب منه ذلك، وحتى في لحظة الموت ظل يفكر في ألا يتأذى صاحب البيت.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
هل كان أليوشا إنسانًا صالحًا بلغ أقصى درجات التواضع؟
أم كان إنسانًا مسحوقًا نجح القهر في أن ينتزع منه حتى القدرة على الرفض؟
ربما لم يُرد تولستوي أن يمنحنا إجابة جاهزة.
وربما كانت عبقرية القصة في أن تتركنا أمام هذا السؤال مفتوحًا.
لكن المؤكد أن أليوشا، سواء قرأناه قديسًا بسيطًا، أو عاملًا مسحوقًا، أو إنسانًا استسلم لقوة أكبر منه، يظل واحدًا من أكثر الشخصيات إيلامًا في الأدب الروسي؛ لأنه لا يمثل فردًا بعينه، بقدر ما يمثل الإنسان حين يُسلب منه حقه في أن يقول: لا.
وهنا، ربما، تكمن المأساة الحقيقية.





