موقع بيان الإخبارى
البشرية في عوز دائم إلى أصحاب الأرواح الكبيرة والرؤى المحلقة، فالكاتب الذي تعود أن يحمل قلمه كلما بدا له، لا كلما أبدى له أن يكتب، يعرف ما للكلمة من جلال وقداسة وخطر، ويقف من حرمانها وشعائرها موقف الخاشع المخبت، إن الكلمة التي يخطها الكاتب، لا تقل خطرا عن الكلمة او المعادلة التى يضعها الرياضى.
ففي كراسة بيضاء تسطيع أن نشتريها بجنيهات معدودة كتب روسو العقد الاجتماعي فأجج به الثورة الفرنسية..!!
وكتب تولستوي الحرب والسلام؛ فأجج به ثورة الضمير الإنساني في كل العصور..!!
وكتب توم بين الفهم؛ فأجج به ثورة الاستقلال الأمريكية..!!
وكتب ماركس رأس المال؛ فأجج به الثورة الشيوعية..!!
الحياة في شتى مجالاتها تنطوى على أولئك الذين يتناولون مسئولياتهم في أمانة وجد واهتمام، كما تنطوى على الذين يتناولونها في استهتار وعدم اكتراث.
إن واجب الكاتب يستقيم بأن الكتابة ليست لهو نفس فارغة ولا فراغ أو تسول شهرة ولا حرفة واقتناء، إنما هى فكر ورسالة، مسئولية وتضحية مهمة جليلة، والكلمة المسطورة هى عقل الحياة في حالة التعبير عن نفسه.
هناك قرارات سياسية ضخمة هزت الأرض هزا ذات يوم، واتخذها أباطرة ضخام وقادة كالأعاصير ومع هذا أين هى اليوم؟
إنها إذا كان لها بقاء، راقدة في الخزائن الحديدية، في حجرات مظلمة، أو في متحف من متاحف الذكريات.
أما الكلمات التي خطها المفكرون والعلماء والفلاسفة، فهى كالشمس بقاء وضياء، تتلوها الأجيال ويقرؤها الناس في كل مكان، في كل عصر، في كل لغة..!!
لقد رأينا كيف سطر ثورو كلمات في كتاب مختصر لم يطلب عليها أجرا ولا شكرا، وتاهت كلماته في زحام الحياة حتى عثر عليها غاندى فكانت الضوء الذي أضاء له الطريق، والأداة التي حقق بها أبهى وأعظم تجارب عصرنا الحديث في مجال السياسة والوطنية.
إنه لحق ما قيل أكثر الناس جهلا بقيمة الخير، اعلاهم صوتا في طلب المثوبة عليه.
ذات يوم أرسل الاسكندر من مقدونيا رسولا إلى الفيلسوف ديوجينز في أثينا يرجوه أن يذهب للقاء الامبراطور.
أجاب ديوجينز الرسول قائلا: ولماذا لم يأت الامبراطور إلى هنا؟ إن أثينا فيما أعلم لا تبعد عن مقدونيا إلا بقدر ما تبعد مقدونيا عن أثينا..!!
عندما تكون لى عند الامبراطور حاجه سأذهب إليه، وعندما يكون له في لقائى رغبة، فعليه أن يأتي هو إلى.
كان مع ديوجينز كل شيء، حين لم يكن معه من الدنيا شئ، كان معه فكره الحر لاغير، وإرادته الحرة لاغير ونفسه القنوع المستغنية لا غير.
إن الكاتب الأمين رائد، والرواد يعطون كثيرا، ويأخذون قليلا، ويقدم لنا الحياة من خلال تجاربه وثقافته، ومن أجل هذا وجب عليه أن ينوع ثقافته، وبعمق تجربته، ونبوغ الكاتب يتحول ويؤتى أكله عن طريق قراءته وثقافته.
وإذا كانت الحياة تنتظر الكاتب المفكر ليقدم المعرفة، فهى لا تريد المعرفة المجردة.. بل المعرفة التى تمنح القوة العادلة وتساعد على النمو، وتكشف طريق الحق والخير، وتواضع الكاتب ضروري لكى تبقى المنافذ مفتوحة بينه وبين المعرفة والخير، والكاتب المتفتح لا يعيش في تيه ولا عماء، إنما يحيا بفكره دوما وسط ضياء ساطع يجعل اهدافه واضحة، وطرق تفكيره مستقيمة، ويهيئ الناس لحمل رسالة عالمهم، وتبعات وجودهم، وأن يزدهم من ثراء الروح الفكرى.
