عاطف عبد الغنى يكتب: سد النهضة.. معركة قواعد النيل

موقع بيان الإخبارى

لم تعد مصر تتعامل مع أزمة سد النهضة الإثيوبي باعتبارها مجرد خلاف حول سد يمكن حله بتعديلات فنية، وإنما باعتبارها قضية تتعلق بمستقبل الأمن المائي المصري، وبمن يملك حق اتخاذ القرار بشأن تدفقات نهر دولي، وذلك بعد نحو 15 عامًا تغير خلالها الموقف الإثيوبي تجاه مصر ونهر النيل والسد بصورة جوهرية.

فلم يعد حكام إثيوبيا يتعاملون مع سد النهضة باعتباره مشروعًا يحتاج إلى موافقة القاهرة، بل باعتباره حقًا سياديًا ومشروعًا قوميًّا ومنطلقًا لإعادة صياغة نظام استخدام مياه النيل، تصعيدًا إلى توظيف الأزمة سياسيًا لصالح أطراف أخرى وقضايا أخرى تتعلق بترتيبات الأمن والسيادة في البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

والتطور الأخطر والأحدث في الأزمة هو ما يتم تداوله خلال هذه الأيام، وقد انتقل النقاش مع إثيوبيا من «سد النهضة» إلى «منظومة سدود جديدة» تنوي الأخيرة إقامتها على النيل الأزرق، أحد أهم روافد نهر النيل.

وتكمن خطورة الأمر في أنه إذا نفذت إثيوبيا ذلك، بمعنى إذا أقامت مشروعات جديدة على النيل الأزرق من دون قواعد تشغيل مشتركة وملزمة، فإن مركز الثقل المائي في حوض النيل الشرقي سيتغير تدريجيًا لصالح دولة المنبع.

وفي المقابل، فإن استمرار مصر في رفض أي ترتيبات لا توفر ضمانات قانونية واضحة سيبقي الأزمة مفتوحة.

لذلك فإن جوهر الصراع في المرحلة المقبلة لن يكون: من يملك النيل؟

وإنما سيكون السؤال الأدق: من يملك حق وضع قواعد تشغيله، ومن يضمن ألا تتحول القدرة على تنظيم المياه إلى قدرة سياسية على استخدامها كورقة ضغط؟ وما يترتب على ذلك من تحديد مستقبل العلاقة المصرية الإثيوبية، ليس فقط في ملف المياه، وإنما في ميزان القوى في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي كله.

والحقيقة أن الأزمة دخلت بالفعل هذه المرحلة، ولم تعد تقتصر على النهر والسد، ولكن أصبح فيها ملف المياه مرتبطًا بأمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر وتوازنات القوة الإقليمية.

لكن ما زال الموقف المصري الرسمي يعتمد سياسة الصبر الاستراتيجي، متمسكًا بثلاثة ثوابت هي: عدم الإضرار، وإبرام اتفاق قانوني ملزم، وحماية الأمن المائي المصري.

والآن، وبعد اكتمال سد النهضة، لم يعد السؤال هو إمكانية منع المشروع، وإنما أصبح: ما إمكانية تحويل السد من مصدر للصراع إلى جزء من نظام إقليمي لإدارة مياه النيل، دون أن يتحول الأمر الواقع الإثيوبي إلى سابقة تسمح بالإدارة المنفردة للنهر الدولي؟ وهذه بالفعل هي المعركة الدبلوماسية والقانونية الرئيسية التي تخوضها القاهرة، وما زالت، لتصل إلى تسوية عادلة للطرفين لن تحدث إلا من خلال التفاوض، وهذا أفضل السيناريوهات، حتى لو اضطرت الأطراف (السودان طرف ثالث) إلى تقديم بعض التنازلات للوصول إلى اتفاق لا يمنع إثيوبيا من التنمية، لكنه يضع قواعد ملزمة للجفاف والتشغيل وتبادل البيانات وآليات حل النزاعات.

ويبقى في الجعبة سيناريوهان آخران لا بد من ذكرهما: الأول، أن تستمر إثيوبيا في سياساتها الحالية وفي المراوغة، مع تشغيل السد منفردة، وربما دراسة أو تنفيذ مشروعات جديدة، بينما تواصل مصر الضغط الدبلوماسي والقانوني، مع استمرار غياب الاتفاق الملزم.

والسيناريو الأخير والأخطر والأقل مصلحة للجميع، ويحدث في حال تزامنت سنوات جفاف حادة مع تشغيل عدة سدود إثيوبية من دون قواعد متفق عليها، أو إذا تحولت الأزمة من خلاف مائي إلى مواجهة أمنية مرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

طالع المزيد: وزير الخارجية: إثيوبيا تدير سد النهضة بشكل أحادي

↑
Exit mobile version