«التاريخ اليهودي الدين اليهودي».. كتاب إسرائيل شاحاك فكك «الهالاخا» والسياسة الإسرائيلية

كتب: على طه

يعتبر كتاب «التاريخ اليهودي، الدين اليهودي: ثقل ثلاثة آلاف سنة» (Jewish History, Jewish Religion: The Weight of Three Thousand Years) أحد أهم وأجرأ الإنجازات الفكرية والتفكيكية التي كشفت الجذور الفقهية والعقائدية للممارسات والسياسات الاستيطانية التمييزية التي تطبقها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد غير اليهود (الأغيار / الـ “غويم”).

جرس إنذار ومشرط جراحة

وتأتى أهمية كتاب إسرائيل شاحاك من أنه يقدم جرس إنذار ومشرط جراحة فكري يفكك “الازدواجية الإسرائيلية” التي تطرح نفسها كدولة ديمقراطية بالمعايير الغربية أمام العالم، بينما تستند في بنيتها التشريعية والسياسية الداخلية إلى شريعة حاخامية تقليدية تحض على الاستعلاء والتمييز ضد الآخر.

العمل وثيقة تاريخية وإنسانية شجاعة من داخل المجتمع الإسرائيلي لكشف خبايا الفكر الاستيطاني وأصوله العقائدية، حيث لا يكتفي مؤلفه بتقديم رؤية سياسية نقدية، بل يعود إلى النواة الصلبة للفقه الحاخامي التقليدي (الهالاخا – Halakha)، مستعرضاً كيف تحولت الفتاوى والموروثات التلمودية القديمة إلى مرجعية موجهة للتشريعات والممارسات السياسية والعسكرية الحديثة داخل إسرائيل.

من هو إسرائيل شاحاك؟

نشأته ومسيرته:

وُلد إسرائيل شاحاك (Israel Shahak) عام 1933 في بولندا، ونجا وهو طفل من محارق النازية (الهولوكوست) في معسكر “بيرغن بيلسن”. هاجر إلى فلسطين عام 1945، واستقر في القدس.

المسار الأكاديمي والنشاط الحقوقي: عمل أستاذاً للكيمياء العضوية في الجامعة العبرية بالقدس، لكنه اشتهر دولياً بنشاطه الحقوقي الجريء، حيث ترأس “الرابطة الإسرائيلية لحقوق الإنسان والمواطن”.

موقفه الفكري:

عُرف شاحاك بأنه أحد أبرز المفكرين والناشطين الإسرائيليين المناهضين للصهيونية وللطابع الديني للدولة؛ إذ كرس حياته لتعرية ما أسماه “العنصرية البنيوية” في التشريع الديني والحاخامي، ومحاربة التأثير التلمودي على النظام السياسي والمجتمعي الإسرائيلي حتى وفاته عام 2001.

النظرة الفقهية إلى «الأغيار»

ينطلق شاحاك في كتابه من أطروحة مفادها أن الفقه الحاخامي الأرثوذكسي لا ينظر إلى البشر خارج الديانة اليهودية كـ “مساوين في الإنسانية”، بل يتدرج في وضع أحكام وممارسات تفضيلية تقسم الحقوق والواجبات بناءً على العرق والدين. وفى التالى نقدم عدد من أبرز الأمثلة والنصوص الفقهية التي يستعرضها الكتاب:

مسألة إنقاذ الحياة وتقديس السبت

يستشهد شاحاك بالقوانين الهالاخية التقليدية التي تحظر على اليهودي الانتهاك المباشر لحرمة يوم السبت المقدس من أجل إنقاذ حياة شخص غير يهودي.

يذكر المؤلف الواقعة الشهيرة التي دفعت به لكتابة هذا الكتاب؛ عندما شهد حادثة في القدس رفض فيها رجل يهودي أرثوذكسي السماح باستعمال هاتفه يوم السبت لطلب الإسعاف لشخص غير يهودي مصاب، وحينما احتج شاحاك لدى المحكمة الحاخامية، أيدت المحكمة تصرف الرجل وفقاً لصريح الأحكام الهالاخية المعتمدة في كتب الفقه التقليدي (مثل كتاب “مشناه توراه” لموسى بن ميمون).

أحكام الممتلكات والسرقة والأجور

ينقل الكتاب عن المصادر الفقهية الحاخامية تمايزاً صريحاً في الأحكام المتعلقة بالمال؛ إذ تعتبر الهالاخا أن سرقة مال اليهودي حُرمة مطلقة وجريمة كبرى، بينما يتساهل الفقه التلمودي التقليدي في شأن الاستيلاء على أموال أو أراضي غير اليهود أو خداعهم في التجارة، بل إن بعض الأحكام تعفي اليهودي من إعادة اللقطة أو المفقودات إذا كانت مملوكة لغير يهودي.

مفهوم القتل والقصاص

يوضح شاحاك أن الفقه الحاخامي يعتبر قتل اليهودي لـ “يهودي آخر” جريمة عقوبتها الموت أو الإعدام بأمر السماء، بينما يتدرج الحكم إذا كان المجني عليه غير يهودي؛ فلا تُطبق عقوبة القصاص الإنسانية المباشرة على القاتل، بل أوجدت الشريعة الشفاهية ثغرات ومصطلحات فقهية تقلل من شأن هذه الجريمة أو تعتبرها لا تستوجب القصاص الدنيوي المماثل.

ربط الشريعة بالسياسة الاستيطانية الاستعلائية

يرى إسرائيل شاحاك أن هذه المنظومة الفقهية القديمة لم تندثر مع قيام الدولة الحديثة عام 1948، بل تم إحياؤها وإعادة إنتاجها لتشكل الفلسفة الحاكمة للسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

ويوضح شاحاك تأثير ما سبق على الممارسات السياسية، ونظرة السلطات الإسرائيلية كالتالى:

الدولة اليهودية ومبدأ التفوق العرقي

يرى المؤلف أن تعريف إسرائيل لنفسها كـ “دولة يهودية” وليس “دولة لكل مواطنيها” يخلق بنيوية تمييزية تلقائية؛ حيث يُنظر إلى الفلسطينيين وأصحاب الأرض الأصليين كعناصر طارئة أو غريبة لا تتمتع بنفس الحقوق الوطنية والدينية.

السياسات الاستيطانية وتجريد الملكية

يربط شاحاك بين الأحكام الهالاخية التي تبيح الاستيلاء على أراضي غير اليهود، وبين سلوك المؤسسات الاستيطانية وسلطات الاحتلال في مصادرة الأراضي الفلسطينية وهدم المنازل وتهجير السكان، معتبراً أن غلاة المستوطنين والحاخامات يستندون مباشرة إلى هذه النصوص لتبرير شرعنة الاستيطان وشرعنة العنف ضد الفلسطينيين.

المؤسسة العسكرية والتعليمية

يستعرض الكتاب كيف تسللت هذه المفاهيم الاستعلائية إلى الجيش الإسرائيلي عبر الحاخامية العسكرية التي تصدر كراسات وفتاوى للجنود أثناء الحرب تؤصل لعدم الرحمة بالأعداء غير اليهود، واحتساب الأرض ملكاً حصرياً لليهود بوعد ديني.

التأثير على سياسات الاحتلال

يتجلى التأثير المباشر للأطروحات الفقهية الحاخامية التي فككها إسرائيل شاحاك في تفاصيل الممارسات اليومية والسياسات الميدانية التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية.
إن ما استعرضه شاحاك حول تنصيص الشريعة الحاخامية («الهالاخا») على التمايز البشري بين اليهودي و«الأغيار» لم يعد مجرد نصوص مغلقة في بطون أمهات الكتب التلمودية، بل تحوَّل إلى عقيدة عملياتية موجهة لسلوك الجندي في الميدان والمستوطن في الشارع والسياسي في منصة التشريع.

فى غزة

ففي قطاع غزة، والضفة الغربية، تترجم الفتاوى الهالاخية المأخوذة عن الاستثناءات العرقية بشأن مفهوم “إنقاذ الحياة” و”القتل” إلى سلوكيات عسكرية تتساهل كلياً مع استهداف المدنيين والنساء والأطفال، وتبرر استبدال قواعد الاشتباك المعيارية بتكتيكات الأرض المحروقة.
وتظهر الحاخامية العسكرية في جيش الاحتلال كفاعل أساسي في توزيع أدبيات وكراسات عقائدية على القوات المقاتلة، تعيد استدعاء المفاهيم التلمودية القائمة على تجريد السكّان من الإنسانية، واعتبار الحصار المطبق والحرمان من الغذاء والدواء والماء وسائل شرعية تجد سندها الفقهي في تغليب «الواجب الديني» المتمثل في حماية وأمن الدولة اليهودية على أرواح غير اليهود.

.. والضفة الغربية

أما في الضفة الغربية، فإن ما ذكره شاحاك بشأن أحكام الممتلكات وإباحة الاستيلاء على أراضي الأغيار ينعكس صراحة في تفشي الحركة الاستيطانية وتمددها. يستند غلاة المستوطنين وقياداتهم في الأحزاب الدينية المتطرفة إلى المبدأ الهالاخي المتمثل في «تطهير الأرض» وإعادة استملاكها بوعد إلهي، مما يسبغ الشرعية الفقهية على سلوكيات مصادرة الأراضي الفلسطينية، وهدم المنازل، وتدمير المحاصيل الزراعية، ورشوة المزارعين أو تهجيرهم قسراً.
ولا تقتصر هذه السياسة على المبادرات الفردية للمستوطنين، بل تتكامل مع المنظومة التشريعية والقضائية للاحتلال التي توفر الغطاء القانوني والدعم اللوجيستي والأمني للسيطرة على الحوض المائي والأراضي المشاع، معتبرة أن ملكية الفلسطيني لأرضه ملكية طارئة ومجردة من الحقوق الحاخامية الاصيلة.

وفي نهاية المطاف، يكشف الواقع التكتيكي في غزة والضفة أن المنظومة السياسية والعسكرية للإسرائيل الحديثة تعتمد البنية الفكرية الاستعلائية نفسها التي حذر منها شاحاك؛ حيث أصبحت الفتاوى الحاخامية هي “العقيدة الخفية” التي تُدار بها العمليات العسكرية وسياسات الضم والتوسع، مما يحول الممارسات التمييزية من مجرد انتهاكات سياسية أو أمنية إلى تطبيقات عملاتية ومطابقة لأحكام فقهية تعيد صياغة الواقع الديمغرافي والجغرافي على أساس التفوق العرقي والديني.

طالع المزيد:

 

زر الذهاب إلى الأعلى