د. حمدي حسن: «خيارات مصر بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير»

موقع بيان الإخبارى

مقدمة:

دخل ملف سد النهضة الإثيوبي مرحلة جديدة بعد اكتمال السد وافتتاحه رسميًا في سبتمبر 2025، لتنتقل الأزمة بين مصر وإثيوبيا والسودان من مرحلة محاولة منع بناء المشروع إلى التعامل مع واقع جديد فرضه تشغيل سد تبلغ قدرته المركبة نحو 5,150 ميجاوات.

ويرى الدكتور حمدي حسن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة زايد، أن اكتمال السد يفرض على مصر إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية، بحيث لا تقتصر المواجهة على محاولة تغيير الواقع القائم، وإنما تركز على وضع قواعد وآليات تضمن إدارة تشغيل السد بما يحمي المصالح المائية للدول الثلاث.

جاء ذلك في تحليل نشره حسن على موقع E-International Relations بعنوان “Egypt’s Choices on the Grand Ethiopian Renaissance Dam” في 23 أغسطس 2026، تناول فيه الخيارات المصرية أمام التطورات الجديدة في ملف سد النهضة، بدءًا من التحرك الدبلوماسي والقانوني، مرورًا بخيارات الردع والاحتواء، وصولًا إلى التسوية التفاوضية.

التقرير:

مرحلة جديدة في أزمة السد

ويشير التحليل إلى أن افتتاح سد النهضة يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار الأزمة، بعدما انتقل النزاع من محاولة منع اكتمال المشروع إلى البحث عن كيفية التعامل مع الأمر الواقع الجديد.

ويستشهد الكاتب بتصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السد، والتي أكد فيها أن إثيوبيا بنت المشروع بهدف التنمية وتوليد الكهرباء وإفادة المنطقة، وأنه لم يُبنَ للإضرار بمصر والسودان.

في المقابل، ترى القاهرة أن تشغيل السد بصورة منفردة ومن دون اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل يمثل مصدر قلق بالغ على أمنها المائي والغذائي.

وبحسب التحليل، فإن هذا الواقع الجديد يستدعي تطوير مقاربة مصرية مختلفة، تقوم على تقليل الأضرار المحتملة وتعظيم فرص تحقيق المكاسب، بدلًا من التركيز على سيناريوهات لم تعد تتناسب مع واقع اكتمال المشروع.

تدويل الأزمة.. خيار دبلوماسي وقانوني

ويطرح الكاتب استمرار التحرك المصري على المستوى الدولي باعتباره أحد الخيارات الرئيسية، من خلال المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، إلى جانب إمكانية اللجوء إلى الأطر القانونية الدولية.

ويشير إلى أن مصر سبق أن تعاملت مع الأزمة باعتبارها قضية يمكن أن تمس السلم والأمن الدوليين، وأن اللجوء إلى مجلس الأمن كان جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على التفاوض والوساطة والضغط الدولي.

كما يناقش إمكانية الاستفادة من المحافل القانونية الدولية، ومنها محكمة العدل الدولية، في ظل الخلافات المتعلقة بقواعد استخدام الأنهار الدولية والاتفاقيات الحاكمة لحوض النيل.

لكن التحليل يلفت في الوقت نفسه إلى أن اللجوء إلى المحاكم الدولية يواجه عقبات، أبرزها ضرورة توافر الاختصاص القضائي وقبول الأطراف المعنية به، ما يجعل المسار القانوني أداة ضغط ومساندة للدبلوماسية أكثر من كونه حلًا سريعًا للأزمة.

مأزق المفاوضات.. «لعبة الدجاج»

ويعتبر حسن أن واحدة من أهم مشكلات أزمة سد النهضة تتمثل في الجمود الذي أصاب المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان، نتيجة تمسك كل طرف بمواقفه ورفض تقديم تنازلات جوهرية.

ويربط الكاتب هذا الوضع بما يعرف في نظرية الألعاب بـ «معضلة الدجاج»، حيث يتمسك طرفان بمواقف متشددة اعتقادًا منهما بأن التراجع سيعني الخسارة، بينما يؤدي استمرار المواجهة إلى زيادة مخاطر التصعيد.

ويرى أن استمرار هذا الوضع يطرح سؤالًا مهمًا: هل وصلت أزمة سد النهضة إلى أسوأ سيناريو ممكن، أم أن هناك مجالًا لإعادة صياغة قواعد اللعبة والوصول إلى تسوية تحول دون الانزلاق إلى مواجهة خطيرة؟

الخيار العسكري.. احتمال قائم أم سيناريو غير مرجح؟

ويتناول التحليل السيناريو العسكري باعتباره أحد الخيارات التي لا يمكن تجاهلها في ظل اعتبار قضية المياه مسألة أمن قومي بالنسبة إلى مصر.

ويشير الكاتب إلى تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث فيها عن إمكانية استهداف السد، كما يستعرض أهمية نهر النيل بالنسبة لمصر، حيث ترتبط به قطاعات الزراعة والصناعة والاستخدامات المنزلية.

وفي المقابل، يؤكد أن إثيوبيا تنظر إلى سد النهضة باعتباره مشروعًا قوميًّا ورمزًا للتنمية والسيادة، فضلًا عن دوره في إنتاج الطاقة الكهرومائية وتوفير عوائد اقتصادية محتملة من تصدير الكهرباء إلى دول المنطقة.

ويخلص التحليل إلى أن الخيار العسكري، رغم بقائه ضمن الحسابات الاستراتيجية، يظل خيارًا شديد الخطورة، لما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات إقليمية ودولية واسعة، فضلًا عن صعوبة السيطرة على نتائج أي مواجهة.

الاحتواء الإقليمي.. بديل عن المواجهة المباشرة

ويقترح الكاتب خيارًا آخر يتمثل في الاحتواء الاستراتيجي، عبر توسيع الشراكات المصرية في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل.

ويبرز في هذا السياق التعاون الأمني المصري مع الصومال، إلى جانب العلاقات مع إريتريا وجيبوتي، باعتبارها أدوات يمكن أن تمنح القاهرة هامشًا أوسع للتأثير في البيئة الإقليمية المحيطة بإثيوبيا، دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

كما يرى أن عضوية مصر وإثيوبيا في أطر متعددة الأطراف، ومنها الاتحاد الأفريقي ومجموعة بريكس، توفر قنوات إضافية للتحرك السياسي والدبلوماسي.

ويربط التحليل كذلك بين أزمة سد النهضة والتطورات المتعلقة بوصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، معتبرًا أن التحركات الإثيوبية في هذا المجال تضيف بعدًا استراتيجيًا جديدًا إلى حسابات القاهرة.

الاتفاق التفاوضي.. «الخيار الأفضل»

وعلى الرغم من عرض الخيارات المختلفة، يرى حسن أن التوصل إلى اتفاق تفاوضي بين مصر وإثيوبيا والسودان يظل الخيار الأفضل للتعامل مع الأزمة.

ويؤكد أن الأنهار الدولية المشتركة تحتاج إلى أطر قانونية ومؤسسية تضمن التعاون بين دول المنبع ودول المصب، مع ضرورة أن تكون قواعد التشغيل قابلة للتكيف مع المتغيرات المناخية والزيادة السكانية والاحتياجات التنموية.

ويقترح أن يتضمن أي اتفاق مستقبلي قواعد واضحة للتعامل مع سنوات الفيضان والجفاف، فضلًا عن آليات للتعامل مع حالات الجفاف الممتد، بحيث لا يكون الاتفاق جامدًا أمام المتغيرات الهيدرولوجية.

تعويض إثيوبيا مقابل إدارة المياه في سنوات الجفاف

ومن الأفكار التي يطرحها التحليل إمكانية إنشاء آلية تعويض دولية لإثيوبيا في الحالات التي تضطر فيها إلى إطلاق كميات إضافية من المياه خلال سنوات الجفاف حفاظًا على احتياجات دول المصب.

ويستند هذا التصور إلى فكرة أن إثيوبيا قد تتحمل تكلفة اقتصادية نتيجة تقليل كمية المياه المحتجزة في خزان السد، خصوصًا من ناحية كمية الكهرباء التي يمكن أن تنتجها.

وبحسب التصور المطروح، يمكن أن تتحمل جهات مانحة دولية، بينها الولايات المتحدة ودول أوروبية ودول خليجية، جزءًا من هذه التكلفة، بما يوفر حافزًا اقتصاديًا لإثيوبيا لقبول قواعد مرنة لإدارة الخزان.

وفي سنوات الأمطار الغزيرة يمكن لإثيوبيا الاحتفاظ بكميات أكبر من المياه، بينما يجري تعويضها في سنوات الجفاف مقابل إطلاق كميات إضافية لمصلحة دول المصب.

اتفاق شامل لحوض النيل

ولا يتوقف المقترح عند سد النهضة وحده، بل يدعو إلى إعادة التفكير في الإطار المؤسسي الشامل لإدارة مياه حوض النيل.

ويرى الكاتب أن الاتفاق المستقبلي يجب ألا يقتصر على السد الحالي، وإنما يتضمن قواعد تحكم المشروعات المستقبلية التي يمكن أن تقيمها دول المنبع، إلى جانب آليات للتعامل مع آثار تغير المناخ والنمو السكاني.

ومن بين المقترحات إنشاء آلية مؤسسية مشتركة لتنسيق المشروعات المائية، ووضع قواعد فنية وقانونية للتعامل مع الظروف غير المتوقعة، فضلًا عن تحديد حقوق والتزامات دول الحوض بصورة مسبقة.

منصة مشتركة لإدارة مياه النيل

ويقترح التحليل في مرحلته الأخيرة إنشاء منصة مشتركة للمعلومات المائية، تعمل في الوقت الحقيقي وتتيح لمصر والسودان وإثيوبيا تبادل البيانات المتعلقة بالتدفقات والمناسيب والتنبؤات المناخية.

ويمكن، وفق هذا التصور، الاستفادة من تقنيات الإنذار المبكر والإدارة الرقمية للمياه لمساعدة الدول الثلاث على اتخاذ قرارات سريعة تستند إلى بيانات مشتركة، خاصة في حالات الفيضانات أو الجفاف.

ويرى الكاتب أن هذه الخطوة يمكن أن تشكل المرحلة الأولى من إطار جديد لإدارة سد النهضة، على أن تتبعها مرحلة ثانية تتعلق بإعادة النظر في مبادرة حوض النيل بهدف إقامة إطار طويل الأمد يشمل جميع دول الحوض.

من الصراع إلى التعاون

وينتهي التحليل إلى أن مستقبل الأمن المائي المصري لا يعتمد فقط على الأدوات الدبلوماسية، وإنما يحتاج أيضًا إلى تطوير تقنيات إدارة المياه داخليًا، بالتوازي مع بناء إطار إقليمي فعال لإدارة النهر.

ويرى حسن أن تحويل نهر النيل من مصدر للصراع إلى أداة للتعاون والتنمية يتطلب التخلي عن السياسات الأحادية، وبناء نظام مؤسسي يضمن حقوق دول المنبع والمصب معًا.

وبذلك، فإن المعركة المقبلة حول سد النهضة، وفق رؤية التحليل، لن تكون بالضرورة معركة لإسقاط السد أو منع تشغيله، وإنما معركة قواعد التشغيل وآليات إدارة المياه والضمانات القانونية، بما يضمن عدم تحول الأمر الواقع إلى قاعدة تسمح لأي دولة بإدارة مورد مائي دولي بصورة منفردة.

…………………………………………………………………………………………………………………

المصدر الأصلي: تحليل للدكتور حمدي أ. حسن بعنوان «خيارات مصر بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير»، منشور على موقع E-International Relations. والتحليل منشور على الموقع بتاريخ 23 أغسطس 2026، مع وجود نسخة منشورة في أرشيف الموقع بتاريخ أكتوبر 2025، بحسب نتائج البحث المتاحة.

طالع المزيد: مصر ترد على أثيوبيا أمام دول القارة: إدارة شؤون البحر الأحمر حكرًا على الدول المشاطئة

زر الذهاب إلى الأعلى