مصادر – موقع بيان الإخبارى
لم يعد مصطلح “الجيوبوليتيك” التى تتم ترجمتها فى العربية إلى “الجغرافيا السياسية” مصطلحًا خاصًا بالنخب السياسية والأكاديمية، بل أصبحت حاضرة بقوة في الخطاب الإعلامي والسياسي مع تصاعد التوترات الدولية، من المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا.
غير أن الاستخدام الشائع للمفهوم يثير، وفق طرح الأكاديمي كولين فلينت، مشكلة تتجاوز التعريف النظري، إذ قد يؤدي استدعاء التصورات التقليدية للجغرافيا السياسية إلى ترسيخ عقلية «نحن في مواجهة هم»، وتبرير التوسع العسكري باعتباره ردًا ضروريًا على عدوان الطرف الآخر.
وفي مقاله «الجميع يتحدث عنها.. لكن ما هي الجيوبوليتيك؟»، يقدم فلينت قراءة مختلفة للمفهوم، داعيًا إلى تجاوز الجيوبوليتيك الكلاسيكية التي تركز على الدولة باعتبارها الفاعل الوحيد، والنظر بدلًا من ذلك إلى العالم باعتباره شبكة مترابطة من العلاقات السياسية والاقتصادية، يمكن أن تقود إلى الحرب، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الطريق أمام بناء السلام.
الجيوبوليتيك الكلاسيكية.. تفسير مبسط لعالم معقد
يرى فلينت أن الاستخدام الكلاسيكي لمفهوم الجيوبوليتيك، الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن مصممًا أساسًا لفهم مشكلات العالم بموضوعية، وإنما استُخدم لتقديم مبررات حول كيفية جعل دولة ما أكثر قوة وقدرة على منافسة الدول الأخرى والانتصار في الحروب.
ويشير إلى أن بعض الأفكار الجيوبوليتيكية التقليدية، مثل مفهوم «قلب العالم» الذي طرحه هالفورد ماكيندر، أو التصنيفات السياسية التي تصور العالم من خلال محاور للخير والشر، قدمت تفسيرات تبدو بسيطة وحاسمة لدور الجغرافيا في تشكيل التاريخ.
لكن المشكلة، وفق فلينت، تكمن في أن الجغرافيا لا تقدم تفسيرًا ثابتًا للعلاقات الدولية؛ فالمعاني السياسية والاقتصادية للمواقع الجغرافية تتغير بمرور الوقت، حتى لو ظلت الجبال والمحيطات والممرات البحرية في أماكنها.
ومن هنا يرى أن الجيوبوليتيك التقليدية تميل إلى تبسيط العلاقات الدولية المعقدة، وتحويلها إلى ثنائيات سهلة من قبيل «نحن» و«هم»، الأمر الذي قد يجعلها أداة لتبرير السياسات الخارجية بدلًا من أن تكون وسيلة موضوعية لفهمها.
ستة مرتكزات لفهم جديد للجيوبوليتيك
يقترح فلينت بناء فهم أكثر شمولًا للمفهوم من خلال مجموعة من المرتكزات المترابطة.
أولًا: الجيوبوليتيك وإسقاط القوة.
فالجيوبوليتيك، بحسب هذا التصور، تتعلق بمحاولات بعض الدول توسيع نفوذها خارج حدودها لخدمة مصالحها، وفي المقابل بمحاولات دول أخرى تحدي هذا النفوذ أو منعه. وقد تكون الدول المتنافسة متقاربة في القوة، بينما قد تكون دول أخرى أضعف وتجد نفسها مضطرة إلى التعاون مع قوة أكبر لتحقيق مصالحها أو لتجنب أضرار محتملة.
ثانيًا: العلاقة بين الدول القوية والضعيفة.
لا ينبغي اختزال الجيوبوليتيك في المنافسة بين القوى الكبرى فقط، لأن العلاقات بين الدول متفاوتة القوة تمثل جزءًا أساسيًا من الصورة. وفهم سلوك دولة ما يتطلب وضعها داخل شبكة واسعة من العلاقات العالمية، وليس النظر إليها باعتبارها طرفًا منفردًا في مواجهة خصم محدد. ثالثًا: الاقتصاد باعتباره محركًا رئيسيًا.
يربط فلينت بين التفاوت في الثروة والقوة وبين التحولات الجيوبوليتيكية، معتبرًا أن العلاقات الاقتصادية والمنافسة على الموارد والأسواق والاستثمارات تساعد في تفسير إسقاط القوة العسكرية خارج الحدود. ومن هذا المنظور، لا تقوم الدول وحدها بصناعة الجيوبوليتيك، وإنما تشاركها الشركات والمؤسسات الاقتصادية في تشكيل شبكة المصالح العالمية. رابعًا: الشركات فاعل جيوبوليتيكي.
يؤكد الطرح أن الشركات ليست مجرد أطراف اقتصادية بعيدة عن السياسة الدولية، إذ ترتبط التجارة والاستثمارات بعلاقات القوة والنفوذ. وقد تستخدم الدول القوة والدبلوماسية لحماية شبكات التجارة والاستثمار القائمة أو لفتح مجالات جديدة أمامها، بينما تساعد القوة الاقتصادية في تمويل أدوات القوة السياسية والعسكرية. خامسًا: الشبكات والمجال الجغرافي.
يربط فلينت بين الجغرافيا السياسية وشبكات التجارة والسيطرة على الأراضي والممرات البحرية. ويولي أهمية خاصة للقوة البحرية، باعتبارها وسيلة لحماية خطوط التجارة عبر المحيطات، وتأمين المصالح الاقتصادية في مناطق بعيدة عن الدولة صاحبة النفوذ. سادسًا: الجيوبوليتيك عملية متغيرة.
لا ينبغي التعامل مع الجغرافيا السياسية باعتبارها صورة ثابتة، لأن أهمية المواقع والممرات والبحار تتغير تبعًا للتحولات في الإنتاج والتجارة والتكنولوجيا والعلاقات بين الدول. فالمحيط أو المضيق لا يتغير فيزيائيًا، لكن الدولة التي تسيطر عليه، أو الطريقة التي يُستخدم بها، قد تتغير، وبالتالي تتغير قيمته الجيوبوليتيكية.
تعريف جديد: السيطرة على الشبكات والأراضي والمواقع
من خلال هذه المرتكزات، يطرح فلينت تعريفًا للجيوبوليتيك باعتبارها استخدام القوة الاقتصادية والسياسية للسيطرة على الشبكات والأراضي والمواقع الجغرافية، واستخدام السيطرة على هذه العناصر بدورها لزيادة القوة الاقتصادية والسياسية.
وبذلك تصبح الجيوبوليتيك عملية متبادلة؛ فالدولة تستخدم قوتها الاقتصادية والسياسية للسيطرة على أجزاء من العالم، بينما تمنحها هذه السيطرة مزيدًا من القوة والثروة والنفوذ.
القوة البحرية.. مفتاح لفهم التنافس العالمي
يولي التصور الذي يقدمه فلينت أهمية خاصة للمحيطات باعتبارها ممرات للتجارة وإسقاط القوة. فحرية الملاحة وخطوط الاتصال البحرية تتيح حركة التجارة العالمية، كما تسمح للقوى الكبرى بنقل قواتها وإقامة وجود عسكري أو التهديد بذلك.
ومن هنا يميز بين «المياه القريبة» و«المياه البعيدة»، وهي أوصاف نسبية تتغير أهميتها وفقًا لموقع الدولة وعلاقاتها بالقوى الأخرى.
وبحسب هذا التصور، يمكن أن تتحول المياه القريبة لدولة ما إلى مجال نفوذ لقوة أخرى، بينما تصبح مناطق كانت بعيدة عن الأولى جزءًا من مجالها الاستراتيجي. وهذه العملية تساعد، وفق فلينت، على فهم التحولات الجارية في ميزان القوى العالمي.
الصين والولايات المتحدة.. نموذج للتحول الجيوبوليتيكي
يطبق فلينت هذا التصور على صعود الصين وتزايد التوتر مع الولايات المتحدة، خصوصًا في بحر الصين الجنوبي وغرب المحيط الهادئ.
ويرى أن التنافس في هذه المنطقة يمكن فهمه بوصفه صراعًا على «المياه القريبة» للصين، التي كانت في الوقت نفسه جزءًا من المجال البعيد للقوة الأمريكية. كما أن مبادرة «الحزام والطريق» تمثل، وفق هذا التحليل، أحد أشكال قدرة الصين المتنامية على إسقاط قوتها ونفوذها عالميًا، والوصول إلى مناطق تمثل «مياه قريبة» لدول أخرى.
من الجيوبوليتيك إلى بناء السلام
لكن الهدف الأهم في طرح فلينت ليس تقديم تفسير جديد للتنافس الدولي فحسب، وإنما استخدام مفهوم الجيوبوليتيك بطريقة تساعد على بناء السلام بدلًا من تغذية الحرب.
ويؤكد أن رؤية العالم باعتباره شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول القوية والضعيفة تفتح مسارات مختلفة لصنع القرار، بعيدًا عن النظرة الضيقة التي تقوم على ثنائية «نحن وهم».
فالعالم، وفق هذا التصور، ليس مجموعة دول منفصلة تتنافس في لعبة صفرية، وإنما منظومة مترابطة تؤثر فيها أفعال كل طرف في الأطراف الأخرى. كما أن الدول الأضعف والأفقر ليست مجرد هامش في النظام الدولي، بل أطراف مؤثرة في شبكة العلاقات العالمية.
لماذا يبدو السلام أكثر صعوبة من الحرب؟
يرى فلينت أن بناء السلام أكثر تعقيدًا من تبني خطاب القوة، لأنه يتطلب الاعتراف بتعدد الأطراف والمصالح والأهداف داخل النظام الدولي.
فالجيوبوليتيك الكلاسيكية تميل إلى تبسيط العالم وتحويل الصراعات إلى مواجهة بين طرفين، أحدهما يمثل الخير والآخر الشر، بينما يتطلب بناء السلام الاعتراف بأن كل دولة لديها مجموعة متعددة من المصالح والاحتياجات والمخاوف.
ومن ثم، فإن فهم دوافع الطرف الآخر لا يعني بالضرورة الموافقة عليها، لكنه يمثل خطوة ضرورية لفهم أسباب الصراع وإيجاد حلول له.
«التحول أولًا».. مسؤولية القوى الكبرى
يذهب فلينت إلى أن بناء السلام يتطلب أيضًا قدرًا من المراجعة الذاتية من جانب الدول القوية وحلفائها، بما في ذلك دراسة الطريقة التي يمكن أن تكون بها سياساتها سببًا في إثارة ردود فعل من الخصوم.
ويطرح هنا مفهومًا يقوم على أن تبدأ الدول الأقوى بمراجعة أفعالها قبل مطالبة الآخرين بتغيير سلوكهم، خاصة في ما يتعلق بطريقة توزيع القوة والمزايا الاقتصادية في النظام الدولي.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم صعود القوة البحرية الصينية، مثلًا، باعتباره محاولة للحصول على المزايا التي تمتعت بها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بريطانيا خلال القرن التاسع عشر. أما الاستجابة التي تقتصر على استخدام القوة العسكرية للحفاظ على الوضع القائم، فقد تقود مرة أخرى إلى الحلقة نفسها من المنافسة والصراع.
خلاصة.. الجيوبوليتيك بين الحرب والسلام
يخلص الطرح إلى أن العالم يحتاج إلى إعادة النظر في الجيوبوليتيك باعتبارها منظومة متغيرة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والقوة والنفوذ، لا مجرد خريطة ثابتة لتوزيع مناطق النفوذ بين القوى الكبرى.
وبحسب هذا التصور، فإن فهم شبكات التجارة والاستثمار، ودور الشركات، وعلاقات الدول القوية والضعيفة، والقوة البحرية، وتغير أهمية المواقع الجغرافية، يمكن أن يقدم قراءة أكثر واقعية للتنافس الدولي.
والأهم أن هذا الفهم قد يساعد على تجاوز منطق «نحن ضدهم»، الذي يجعل الحرب تبدو أحيانًا نتيجة طبيعية للصراع، إلى تصور يرى أن العلاقات الدولية شبكة مترابطة، وأن إدارة المصالح والتناقضات عبر التفاوض والتعاون قد تحول الجيوبوليتيك من أداة لتبرير الصراع إلى مدخل لبناء السلام.
………………………………………………………………………………………………………
المصدر الأصلي: مقال «Everyone is Talking About It, but What is Geopolitics?» للباحث والأكاديمي Colin Flint، وفق النص المرفق.
