تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
المقدمة:
من الصواريخ إلى البنوك
انتقلت المواجهة بين واشنطن وطهران خلال أغسطس 2026 من ساحة الصواريخ والضربات المتبادلة إلى ساحة أشد قسوة وأطول نفساً، ففي 24 أغسطس 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية بتوجيهات مباشرة من الرئيس دونالد ترامب إطلاق “عملية المنبوذ الاقتصادي” Economic Outcast، وهي أوسع حملة عقوبات منذ انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي عام 2018.
والهدف المعلن من العملية “قطع كل شريان حياة اقتصادي” يبقي النظام الإيراني قائماً، أما الهدف غير المعلن، فهو دفع طهران للتفاوض من موقع ضعف دون تكلفة حرب انتخابية.
ما هي “عملية المنبوذ الاقتصادي”؟
وصف وزير الخزانة سكوت بيسنت عملية “المنبوذ الاقتصادي” بأنها “هجوم مالي غير مسبوق” يشبه “إنزال النورماندي”، وتقوم على 3 محاور:
1. استهداف مباشر لـ 60 كياناً
شملت العقوبات شركات وسفن وأفراد مرتبطين بالنفط والبرنامج النووي والصاروخي. كما طالت “أسطول الظل” الإيراني العامل في الإمارات وهونغ كونغ والصين وسنغافورة وسويسرا.
2. خنق 5 شرايين اقتصادية
حدد بيسنت القطاعات الخمسة التي تعتمد عليها إيران للالتفاف على العقوبات: الأصول الرقمية، التكنولوجيا، الذهب، قطاع الطيران، والشحن البحري. الهدف هو سد الثغرات التي استخدمتها طهران خلال السنوات الماضية.
3. العقوبات الثانوية: رسالة للعالم
الانتقال الأخطر هو استهداف الدول والبنوك التي ما زالت تتعامل مع إيران. هددت واشنطن بحرمان أي جهة تسهل التجارة الإيرانية من الوصول للنظام المالي بالدولار.
كما أعلن بيسنت عن عقوبات مرتقبة على “مؤسسة مالية كبرى” بسبب إيران، والرسالة واضحة: كلفة التعامل مع إيران يجب أن تكون أعلى من العائد.
لماذا الآن؟
والسؤال لماذا الآن؟ حسابات ترامب قبل الانتخابات، ويطرح المراقبون فى هذا الصدد 3 أسباب لتوقيت الحملة:
أولاً: تجنب حرب مفتوحة
أي مواجهة عسكرية مع إيران تعني نفط بـ150 دولار وتضخم عالمي وخسائر بشرية. وهو ما يعتبر “انتحار انتخابي”، لذلك كان البديل هو “عقوبات هائلة” تظهر القوة دون دم.
ثانياً: استنفاد الخيارات العسكرية
بعد الحرب الأخيرة، أدركت واشنطن أن الضربات لا تغير سلوك النظام. فكان التحول إلى حرب استنزاف اقتصادي طويلة.
ثالثاً: اختبار صمود الحلفاء
من خلال تهديد الصين وروسيا ودول الخليج، تختبر واشنطن مدى التزام العالم بالعقوبات الأمريكية.
رد طهران
ويأتى رد طهران فى صورة صمود معلن وتهديدات مبطنة، حيث لم تنتظر إيران، وخرج وزير الاقتصاد علي مدني زاده ليعلن أن الحكومة “مستعدة بالكامل” ولديها خطة اقتصادية لعامين تشمل كل السيناريوهات، لكنه أقر بأضرار في قطاعات الصلب والبتروكيماويات.
وعلى المستوى العملى تمثل الرد الإيراني فى مستويين، الأول اقتصادي، وفيه تم إعلان خطة طوارئ، والتركيز على التجارة مع الصين وروسيا ودول “بريكس”، والثانى عسكري-أمني، حيث هدد متحدث باسم الحرس الثوري بضرب المصالح الأمريكية وممرات الطاقة إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية للتهديد.
كما أعلن الحرس الثوري اتفاقاً مع عُمان لتقاسم الممر المائي وعائداته، في محاولة لطمأنة السوق أن مضيق هرمز لن يغلق.
وتطالب طهران أيضاً بتعويضات أمام الأمم المتحدة، وتشدد على رفض “الهيمنة والعقوبات الأحادية”.
طريق مسدود بلا ضمانات
وعلى المسار الدبلوماسي، أكد ترامب أنه “لا توجد محادثات حالية مع إيران” وأن “جميع الخيارات مطروحة”.
وتولد ما بين الطرفين ما يمكن تسميته بـ “معضلة الثقة”: حيث تطالب إيران برفع العقوبات أولاً وضمانات بعدم انسحاب أمريكي جديد، قى حين أمريكا تطالب بتفاوض أولاً ثم رفع تدريجي، بدون آلية دولية ملزمة يبدو من الصعب كسر الجمود.
ويرى محللون أن طهران تراهن على “إضعاف ترامب بعد الانتخابات”، لكن الإجماع في واشنطن على احتواء إيران يجعل الرهان محفوفاً بالمخاطر.
التداعيات الإقليمية
لبنان وعُمان ومضيق هرمز، لبنان وإسرائيل، هى الأطراف التى تدور فى فلك الحرب الإيرانية الأمريكية، وكل تصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس فوراً على جبهة جنوب لبنان، وإسرائيل تكثف ضرباتها ضد أذرع إيران، بينما ترفض بيروت ربط ملفها التفاوضي بما يجري بين الطرفين.
عُمان ودور الوسيط:
اتفاق تقاسم الممر بين عمان وإيران قد يخفض التوتر تكتيكياً، لكنه لن يحل الأزمة الاستراتيجية بدون ضمانات أمريكية، وإبقاء الممر مفتوحاً هو ورقة أمريكية. “نحن مع حرية الملاحة” رسالة للعالم، و”نستطيع إغلاقه” رسالة لطهران.
هل تنجح أمريكا في عزل إيران؟
سؤال الجدوى هنا يأتي الخلاف الأكبر: هل تنجح أمريكا في عزل إيران؟
وجهة النظر الأمريكية تراهن على أن تراكم الضغط سيؤدي لانهيار أو تفاوض، ووزير الخزانة الأمريكى بيسنت قال إن “قوة الاقتصاد الأمريكي تتيح شن هذه العملية المالية بالتوازي مع القوة العسكرية”.
وكتب أستاذ اقتصاد بجامعة ميشيغان أن “من الصعب معرفة ما الذي يمكن استخلاصه من عملية المنبوذ الاقتصادي، لأنها في معظمها إعلان عن إعلانات أخرى”.
فى حين قالت الباحثة آية إبراهيم : “الجدوى تتضاءل، لقد ظل هذا البلد منبوذاً اقتصادياً لخمسين عاماً، وما زال النظام قائماً”
وأضافت: الحقيقة أن إيران معزولة منذ 1979. وتضخمها مرتفع والسلع الأساسية ناقصة، والسؤال: ما الذي تبقى لمعاقبته؟
تأثير “المنبوذ الاقتصادي” على العالم
ويبقى أن نبحث تأثير “المنبوذ الاقتصادي” على العالم، ويتمثل هذا التأثير فى الآتى:
أسعار الطاقة: أي توتر في هرمز = قفزة فورية في النفط والغاز
التضخم: يعود ويعطل خطط الفيدرالي لخفض الفائدة.
سلاسل الإمداد: قناة السويس والبحر الأحمر في دائرة الخطر.
الحرب الاقتصادية الكبرى: استهداف البنوك الصينية يعني مواجهة مع بكين قد تضر أمريكا نفسها.
السيناريوهات الثلاثة القادمة
ولا يسعنا إلا أن نناقش السيناريوهات المرشحة للحدوث فى قادم الأيام بشأن هذه الحرب، والتى لن تخرج عن 3 سيناريوهات:
السيناريو الأول: تفاوض تحت الضغط
تنجح العقوبات في دفع إيران لطاولة المفاوضات وتقديم تنازلات في الملف النووي والصاروخي مقابل رفع جزئي للعقوبات.
السيناريو الثاني: صمود واستقطاب
تفشل العقوبات وتدفع إيران أكثر نحو محور الصين-روسيا، وتزيد من تخصيب اليورانيوم كورقة ضغط.
السيناريو الثالث: التصعيد
يؤدي الخناق الاقتصادي إلى خطأ في الحسابات في الخليج أو مضيق هرمز، فتنفجر مواجهة محدودة تخرج عن السيطرة.
الخاتمة:
“عملية المنبوذ الاقتصادي” حرب باردة جديدة وليست مجرد حزمة عقوبات، وكذا هي إعلان عن تحول استراتيجي أمريكي: من “تغيير النظام” إلى “تغيير السلوك عبر الإنهاك”.
واشنطن تقول لإيران: إما التفاوض بشروطنا أو الاختناق البطيء.
وطهران ترد: لدينا خبرة 50 عاماً في الحصار وسنصمد.
وبين الاثنين يقف العالم، وخصوصاً المنطقة، على صفيح ساخن من النفط والعقوبات والممرات المائية.
……………………………………………………………………………………………..
المصادر: وزارة الخزانة الأمريكية، الجزيرة نت 24-25 أغسطس 2026، CNN العربية
