رأى من الصين: إيران قد تكون الشرارة.. هل ينفد صبر الصين تجاه واشنطن؟

مصادر – موقع بيان الإخبارى

مقدمة 

تدخل العلاقات الأمريكية الصينية مرحلة جديدة من التوتر، لا تبدو فيها إيران مجرد طرف في مواجهة عسكرية واقتصادية مع واشنطن، وإنما تتحول تدريجيًا إلى اختبار مباشر لحدود قدرة بكين على ضبط النفس في مواجهة الضغوط الأمريكية.

فالصين، التي حافظت منذ قمة الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب في مايو الماضي على سياسة محسوبة لتجنب التصعيد، تجد نفسها أمام ضغوط متزايدة تمس مصالحها التجارية ومصادر الطاقة وعلاقاتها مع شركائها.

وفي هذا السياق، يطرح الكاتب الصيني تشو شياومينغ، فى مقال تحليلى له، سؤالًا لافتًا: هل تكون تهديدات الولايات المتحدة بفرض عقوبات على مشتري النفط الإيراني هي القشة التي تقصم ظهر العلاقة الهشة بين بكين وواشنطن؟

ويقرأ الكاتب تطورات المواجهة باعتبارها جزءًا من انتقال الصراع الأمريكي الصيني من حرب الرسوم الجمركية إلى مواجهة أوسع تستخدم فيها واشنطن القوائم السوداء وقيود التصدير والتكنولوجيا وأدوات الأمن القومي.

ويرى المقال أن بكين لم تعد تتعامل مع الضغوط الأمريكية بمنطق الرد الشامل، وإنما تتبع سياسة أكثر دقة؛ تمارس ضبط النفس عندما تكون كلفة التصعيد مرتفعة، لكنها مستعدة لاستخدام أدوات اقتصادية وتجارية أكثر حدة عندما يتعلق الأمر بما تعتبره مصالح أساسية، وفي مقدمتها علاقتها بإيران.

ويذهب الكاتب إلى أن المواجهة المقبلة قد لا تتوقف عند الملف الإيراني، إذ تلوح في الأفق ملفات أخرى، من بينها التحقيقات الأمريكية بشأن فائض الطاقة الإنتاجية الصينية، ومستقبل وضع الصين التجاري المميز لدى الولايات المتحدة، بما ينذر ـ وفق رؤيته ـ بانتقال العلاقات بين القوتين إلى مرحلة جديدة عنوانها «التعايش التنافسي» بدلًا من الشراكة الاقتصادية التي طبعت عقودًا من العلاقات.

الترجمة الصحفية للمقال

هل تكون تهديدات واشنطن بشأن إيران القشة التي تقصم ظهر العلاقة مع بكين؟

تقترب السياسة الصينية المحسوبة التي انتهجتها بكين منذ قمة شي ـ ترامب في مايو الماضي من نقطة حرجة، في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية على الصين.

في وقت سابق من هذا الشهر، هدد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بفرض عقوبات على أي دولة تواصل شراء النفط الخام الإيراني. ورغم أنه لم يسم الصين بالاسم، فإن الرسالة كانت واضحة، إذ تعد بكين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وبالتالي تقع مباشرة في مرمى الضغوط الأمريكية.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت بالفعل عقوبات جديدة طالت 60 فردًا وشركة وسفينة مرتبطة بالتجارة الإيرانية، من بينها كيانات في الصين القارية وهونغ كونغ. ويأتي ذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من القمة التي جمعت الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو، والتي بدا أنها نجحت في تحقيق قدر من الاستقرار في العلاقات التجارية بين البلدين، قبل أن تبدأ حالة الهدوء الهشة في التعرض لاختبار جديد.

وحتى الآن، ترسل الصين إشارات واضحة بأنها لن تقبل سياسة الإكراه. ويضع هذا التوتر الطرفين أمام احتمال حدوث شرخ جديد وكبير في علاقة مثقلة أصلًا بالخلافات.

واشنطن توسع جبهة الضغط

لم تتوقف الولايات المتحدة عن الضغط على الصين منذ قمة مايو. ففي يونيو، أضافت وزارة الدفاع الأمريكية عشرات الشركات الصينية، من بينها «علي بابا» و«بايدو» و«بي واي دي»، إلى قائمتها الخاصة بالشركات الصينية المرتبطة بالجيش، وهي خطوة يمكن أن تقيد وصول هذه الشركات إلى رأس المال والأسواق الأمريكية.

وفي يوليو، أعلنت واشنطن فرض رسوم تتراوح بين 10 و12.5% على واردات من 60 اقتصادًا، بينها الصين، عقب تحقيق أجرته بموجب المادة 301 بشأن العمل القسري.

وتبع ذلك حظر واردات الروبوتات ومحولات الطاقة الصينية في يوليو، ثم فرض رسوم بنسبة 15% على البولي سيليكون في أغسطس.

والرسالة المتراكمة من هذه الإجراءات واضحة: واشنطن تشدد الخناق على الصين من جبهات متعددة، ولم يعد الملف الإيراني سوى أداة جديدة في هذه المواجهة.

في المقابل، جاء رد بكين محسوبًا ومدروسًا. فقد ولت، بحسب الكاتب، أيام الرد الصيني الشامل على الرسوم الأمريكية، إذ أصبحت الصين تفضل ضبط النفس عندما تكون كلفة التصعيد أكبر من فوائده، مع توجيه ضربات دقيقة عندما تتعرض مصالحها الأساسية للتهديد.

وعندما فرضت الولايات المتحدة رسمًا بنسبة 12.5% مرتبطًا بالعمل القسري، وهو مستوى يقل عن سقف 20% الذي أفادت تقارير بأن واشنطن وافقت عليه، امتنعت بكين عن الرد بالمثل.

لكن عندما تجاوزت الولايات المتحدة ما تعتبره الصين خطوطًا هيكلية حمراء، كما حدث عند إضافة 43 شركة صينية إلى قائمة حظر الاستيراد بسبب مزاعم تتعلق بالعمل القسري، ردت بكين بإجراءات رقابية مستهدفة على الصادرات وفتحت تحقيقًا تجاريًا يتعلق بالأمن القومي.

وبذلك، أصبحت بكين تتعامل مع أدوات واشنطن ولغتها الاقتصادية والاستراتيجية بقدر أكبر من الخبرة.

إيران.. اختبار مختلف للصين

لكن الحسابات تبدو أكثر حساسية في الملف الإيراني.

فالصين تعارض بشدة أي محاولة لفرض إملاءات عليها بشأن الدول التي يحق لها إقامة علاقات تجارية معها. وإذا مضت الولايات المتحدة في فرض عقوبات ثانوية على الجهات التي تتعامل مع إيران، فقد أرسلت بكين إشارات بأنها سترد بقوة، وأن الأمر ليس مجرد تهديد للاستهلاك السياسي.

ولا تتوقف نقاط التوتر عند إيران، فهناك ملفان آخران قد يحددان ما إذا كان هذا الاحتكاك المنضبط سيظل تحت السيطرة أم يتحول إلى قطيعة اقتصادية أوسع.

أول هذه الملفات هو التحقيق الأمريكي المرتقب بشأن فائض الطاقة الإنتاجية الصينية. ومن المتوقع أن تصدر وزارة التجارة الأمريكية قرارًا بشأن ما إذا كانت الإعانات التي تقدمها الدولة الصينية أدت إلى فائض عالمي في قطاعات مثل الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والصلب.

لكن فرض رسوم عقابية تتجاوز 7.5%، بما يرفع إجمالي الرسوم إلى حدود سقف 20%، من شأنه، على الأرجح، أن يدفع الصين إلى الرد، بما في ذلك تشديد القيود على صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، حيث تتمتع بكين بنفوذ واسع على سلاسل الإمداد العالمية.

مستقبل الامتيازات التجارية في قلب المواجهة

أما نقطة التوتر الثانية فتتمثل في احتمال استخدام وضع العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة (PNTR) الممنوح للصين كورقة ضغط.

فالدفع الذي يحظى بدعم الحزبين في الكونغرس الأمريكي لإخضاع هذا الوضع للمراجعة السنوية يتجاوز مجرد الخطاب السياسي، بعدما قدم تقرير تقصي حقائق صادر عن لجنة التجارة الدولية الأمريكية تحليلًا رسميًا قائمًا على بيانات حول تداعيات هذه الخطوة.

ورغم أن التقرير، الذي صدر حديثًا، أظهر ارتفاع التكلفة المترتبة على إلغاء الوضع التجاري المميز للصين، بما قد يجعل الإلغاء الكامل والفوري أقل جاذبية لبعض المشرعين، فإنه في الوقت نفسه أكد أن إلغاء هذه المكانة أصبح خيارًا سياسيًا جديًا.

ومن شأن إنهاء وضع العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة أن يدفع السلع الصينية إلى الخضوع لمعدلات الرسوم الجمركية الخاصة بـ«العمود الثاني»، بما يرفع متوسط الرسوم الأمريكية على الواردات الصينية إلى ما بين 35 و45%.

وإذا اجتمعت هذه الرسوم المرتفعة مع رد صيني قوي، فإن ذلك قد يقود إلى أعمق قطيعة تجارية بين البلدين منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.

من حرب الرسوم إلى حرب الأدوات غير الجمركية

الأهم أن واشنطن تنتقل تدريجيًا من صراع يتركز على الرسوم الجمركية إلى حرب اقتصادية غير جمركية، من خلال القوائم السوداء، وقيود التصدير، والحد الأدنى لأسعار الاستيراد، وهي أداة نادرًا ما تستخدم في الوقت الراهن.

كما بدأت الولايات المتحدة تحول تركيزها من القيود المفروضة على جانب العرض إلى محاولة تقييد الطلب، خصوصًا في قطاعات الطاقة الخضراء والتكنولوجيا المتقدمة.

وبالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين، تستخدم واشنطن الرسوم الجمركية وقيود التصدير والمعايير الفنية لتقييد وصول المنتجات الصينية إلى الأسواق، بما يؤدي عمليًا إلى إغلاق جانب من الطلب العالمي أمام الشركات الصينية.

أما بكين، التي باتت تمتلك مجموعة كاملة من أدوات الرد، فلن تكتفي بالرسوم الجمركية. فقد تشمل إجراءاتها المتوازية قيودًا على الطائرات المسيرة ومكوناتها، وقد تمتد إلى البولي سيليكون وقطاعات أخرى، بما قد يلحق أضرارًا أكبر بالمصنعين الأمريكيين مقارنة بالموردين الصينيين، نظرًا لهيمنة الصين على سلاسل الإمداد في هذه المجالات.

ويشير التحقيق الذي فتحته بكين بشأن الطابعات وآلات التصوير المستوردة التي تستخدم برمجيات مطورة في الخارج، وهو أول تحقيق تجاري يتعلق بالأمن القومي من نوعه، إلى أن الصين لن تتردد في استخدام لغة «الأمن القومي» نفسها عندما ترى أن ذلك ضروري.

قمة مايو لم تنه الصراع

لم تكن قمة مايو مصممة لإنهاء التنافس بين واشنطن وبكين، وإنما لإيجاد آليات تحول دون خروج الخلافات عن السيطرة.

فكلا الطرفين يدرك أن فك الارتباط الاقتصادي الكامل بين البلدين ليس ممكنًا ولا مرغوبًا فيه.

لكن الهدف الأساسي لواشنطن، وفق رؤية الكاتب، لا يتمثل في تحقيق المعاملة بالمثل بقدر ما يتمثل في إبطاء صعود الصين باستخدام كل الأدوات المتاحة.

وفي المقابل، تبدو استراتيجية بكين واضحة أيضًا: ضبط النفس عندما يكون ذلك ممكنًا، والرد الحاد عندما يصبح ضروريًا، مع التمسك الثابت بحماية المصالح الأساسية للصين.

لقد انتهى، بحسب المقال، عصر الانخراط الاقتصادي الاستراتيجي، وبدأت مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«التعايش التنافسي»؛ رسوم جمركية مرتفعة تستمر لفترة طويلة، وسلاسل إمداد يعاد تشكيلها تدريجيًا، وحدود تكنولوجية تزداد صلابة بمرور الوقت.

وقد تمثل القمم الجديدة المرتقبة بين البلدين في وقت لاحق من العام صمامات ضغط تساعد مؤقتًا على احتواء التوتر، لكنها لن تغير الحسابات الأساسية لواشنطن.

فالمخاوف العميقة في الولايات المتحدة من صعود الصين ستدفعها، في نظر الكاتب، إلى مواصلة تشديد الضغوط، فيما قد يكون الملف الإيراني آخر حلقات هذه المواجهة، وليس آخرها بالضرورة.

…………………………………………………………………………………………………………………….

 الكاتب والمصدر

تشو شياومينغ (Zhou Xiaoming) كاتب وباحث صيني، يشغل منصب زميل أول في مركز الصين والعولمة (

الكاتب الصينى: تشو شياومينغ (Zhou Xiaoming)

Center for China and Globalization) في بكين، وعمل سابقًا نائبًا لممثل الصين لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف.

المقال منشور في صحيفة South China Morning Post (SCMP)، وهي صحيفة تصدر من هونغ كونغ، ويحمل العنوان الأصلى للمقال:
Will US threats over Iran be the last straw for Beijing?
وترجمته: «هل تكون التهديدات الأمريكية بشأن إيران هي القشة التي تقصم ظهر العلاقة مع بكين؟»

طالع المزيد: بكين.. القاهرة.. باريس: ماوراء مناورات “نسور الحضارة” وزيارة رئيس الأركان الفرنسي لمصر

Exit mobile version