كتب: إسلام فليفل
من رحم معاناة قضايا الأسرة، ولد منهج “المحامي النفسي” الذي أسسته د. هاله، منهج لا ينتظر وقوع الطلاق والنزاع، بل يبدأ قبله، يبحث عن الدافع النفسي والجرح الغائر وراء كل خلاف، ويضع “المصلحة الفضلى للطفل” قبل أي بنود.
في هذا الحوار تتحدث د. هاله عن الفرق بين الخطأ السلوكي وتصادم الأنماط، وعن استخدام الأطفال كسلاح في معارك الكبار، وعن تعديل تشريعي تراه ملحاً: “الوساطة الأسرية والإرشاد النفسي الإلزامي قبل التقاضي”.
كما تنتقد الخطاب المجتمعي حول الزواج بين “السطحية الوردية” و”التحريض الجاف”، وتقدم رؤية لمستقبل تكون فيه “البيوت الآمنة” هي القاعدة.
إلى نص الحوار:
حوار مع د. هاله عبد العزيز – مؤسسة منهج “المحامي النفسي”
عن نقطة التحول المهنية
س: بحكم تخصصكم في قانون الإجراءات الجنائية والشريعة الإسلامية، ما الذي دفعكم لتبني مقاربة تجمع بين القانون وعلم نفس العلاقات؟
ج: دراستي للقانون والشريعة
منحتني الأساس الفقهي والإجرائي، لكن نزولي الميداني في قضايا الأسرة كشف لي واقعاً إنسانياً معقداً، القانون ينهي الخصومة بورقة لكنه لا يداوي الجراح. هذا دفعني لدمج المحاماة بعلم النفس، لأبحث في النفس البشرية قبل النصوص، وأعالج أصل المشكلة لا أعراضها. ومن هنا وُلد منهج “المحامي النفسي”.
عن آليات تطبيق المنهج
س: كيف يختلف تدخل “المحامي النفسي” عن الدور التقليدي للمحامي؟ وما أدواته؟
ج: المحامي التقليدي يتحرك بعد وقوع الخلاف، أما “المحامي النفسي” فيبدأ قبل ذلك، لا نتعامل مع ظاهر النزاع فقط، بل نبحث عن الدافع النفسي والجرح الغائر الذي يحركه.
نستند إلى جلسات استشارية، وتحليل أنماط الشخصية، وتشخيص دوافع السلوك، هدفنا تفكيك الاحتقان والوصول لحل عادل يحفظ الكرامة، سواء استمرت العلاقة أو انتهت بإحسان، مع مراعاة المصلحة الفضلى للأطفال.
عن تشخيص الخلل في العلاقات
س: كيف نميز بين الخطأ السلوكي الفردي وبين التصادم الناتج عن اختلاف الأنماط النفسية؟
ج: الخطأ السلوكي تجاوز واضح من طرف واحد كالإهانة أو التخلي عن المسؤولية، وعلاجه الاعتراف وتعديل السلوك.
أما تصادم الأنماط فلا يوجد فيه جاني ومجني عليه، هو اختلاف في طريقة التعبير، مثل شخص يرى المتابعة حباً والآخر يراها خنقاً، علاجه ليس بتغيير الطبع بل بإيجاد “لغة مشتركة” ومساحة وسطى.
عن الأطفال كطرف متضرر صامت
س: ما أبرز الممارسات الخاطئة التي تدمر نفسية الطفل أثناء النزاع؟ وهل هناك قصور تشريعي في حمايته؟
ج . اشد المخاطر في امرين •استخدام الطفل كأداة ضغط أو سلاح انتقام، وتحويله إلى شاهد أو وسيط بين الأبوين، هذا يكسر الأمان الداخلي له ويزرع اضطرابات.
تشريعياً، القانون يعالج النتائج المادية فقط كالنفقة والرؤية، نحتاج نصوصاً تجرّم “الأذى النفسي” وتعتبر المساس بالاستقرار النفسي للطفل سبباً للمساءلة.
عن العلاقة الجدلية بين القانون والوعي
س: في ضوء معادلتكم “قانون بلا وعي محاكم مكتظة، ووعي بلا قانون حماية ناقصة”، ما التعديل التشريعي الأكثر إلحاحاً؟
ج: استحداث “الوساطة الأسرية والإرشاد النفسي الإلزامي” قبل التقاضي، وتفعيل آلية “التقييم النفسي” المعتمد داخل محاكم الأسرة.
كذلك تضمين “الأذى النفسي” كمعيار في أحكام الحضانة والرؤية، المطلوب تغيير فلسفة القانون من “فض النزاع بالسلطة” إلى “حماية البناء النفسي للأسرة”.
عن تقييم الخطاب المجتمعي حول الزواج
س: كيف تقيمون الخطاب الرائج عن الزواج؟ وهل أضرت بعض أشكال التنمية البشرية بالفهم؟
ج: الخطاب اليوم بين “السطحية الوردية” و”التحريض الجاف”، بعض أشكال التنمية البشرية تقدم وصفات سريعة وتوهم الناس أن العلاقة تحتاج فقط كلمات لطيفة، هذا يرفع سقف التوقعات ويحول النزاع لمعركة.
العلاقات تُبنى على المسؤولية والوعي والالتزام، القانون يضع الأطر، والنفس تضع الرحمة.
عن الرؤية المستقبلية للمنهج
س: ما خطواتكم القادمة لتوسيع منهج “المحامي النفسي”؟
ج: تأسيس مدرسة تطبيقية، نعمل على برامج تدريبية للمحامين والاستشاريين الأسريين لنقل المنهج للممارسة الميدانية، ونشر ثقافة وقائية تقلل اللجوء للمحاكم.
ونصل لجيل “البيوت الآمنة” عندما لا يُستخدم الطفل في معارك الكبار، ويدرك الجميع أن الانفصال نهاية عقد، وليس نهاية أبوة أو أمومة.
