مودي يختبر نفوذه كوسيط عالمي.. هل تستطيع الهند جمع روسيا وإيران والغرب؟

مصادر – موقع بيان الإخبارى

من موسكو إلى طهران، ومن واشنطن إلى بكين، يتحرك رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي عبر شبكة معقدة من العلاقات لا تجمعها تحالفات واحدة، وإنما توحدها مصلحة هندية واضحة: الحفاظ على استقلال القرار، وتأمين المصالح الاقتصادية والطاقة، وتعزيز مكانة نيودلهي كقوة دولية لا يمكن تجاوزها.

لقاءات مودي الأخيرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بالتزامن مع حضوره قمة منظمة شنغهاي للتعاون، أعادت طرح سؤال أكبر من حدود العلاقات الهندية الروسية أو الهندية الإيرانية: هل بدأت الهند بالفعل في اكتساب نفوذ الوسيط القادر على مخاطبة أطراف لا يستطيع كثير من اللاعبين الدوليين الوصول إليها؟

اختبار جديد لنفوذ الهند العالمى

تضع التحركات الدبلوماسية الأخيرة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نيودلهي أمام اختبار جديد لنفوذها الدولي، بعدما جمعته لقاءات منفصلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بشكيك، في وقت تتشابك فيه حرب أوكرانيا مع أزمات الشرق الأوسط وتتراجع فيه مساحة الوسطاء القادرين على التواصل مع أطراف متعارضة.

وخلال لقائه بوتين في 31 أغسطس، دعا مودي إلى الانتقال من «الحرب المستمرة إلى إنهاء الحرب»، مؤكدا أن استمرار القتال في أوكرانيا يلحق الضرر بالإنسانية، وأن الهند تدعم جهود السلام والحوار.

وأكد الكرملين أن بوتين أطلع مودي على تطورات الحرب، بينما أشار الجانب الهندي إلى بحث قضايا الأمن والتجارة والطاقة والفضاء والدفاع، إلى جانب تداعيات الصراعات في أوروبا والشرق الأوسط على التجارة البحرية وأمن البحارة الهنود.

رؤية بوتين

لكن الرسالة الهندية لا تعني أن موسكو قبلت وساطة هندية رسمية أو غيرت شروطها لإنهاء الحرب.

ففي اليوم التالي، أكد بوتين أن روسيا ترى نفسها متقدمة ميدانيا، وواصل التشدد تجاه القيادة الأوكرانية، مع إبداء استعداد للتفاوض بشروط روسية؛ وهو ما يعكس الفجوة بين قدرة مودي على الوصول إلى الكرملين وقدرته على التأثير في قراراته.

وتملك الهند بالفعل رصيدا دبلوماسيا يسمح لها بالتحدث إلى طرفي الصراع. ففي عام 2024 زار مودي موسكو ثم كييف، وأكد أمام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداد بلاده للمساهمة في إعادة السلام، كما واصلت نيودلهي اتصالاتها مع بوتين وزيلينسكي في العامين التاليين.

محادثات مودي مع الرئيس الإيراني

وفي الشرق الأوسط، جاءت محادثات مودي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في التوقيت نفسه تقريبا، بعدما أصبحت إيران طرفا رئيسيا في أزمة إقليمية واسعة.

وأكد مودي خلال اللقاء أن جميع القضايا يجب أن تعالج عبر الحوار والدبلوماسية، وشدد على ضرورة حماية حرية الملاحة والتجارة وعدم استهداف المدنيين والبنية التحتية والسفن التجارية والبحارة.

ولا تبدو هذه الاتصالات مع طهران عابرة؛ فقد أجرى مودي اتصالات سابقة مع بزشكيان خلال 2026، ركزت على خفض التوتر وضمان سلامة المواطنين الهنود واستمرار تدفق الطاقة والسلع، كما بحث الجانبان أهمية حرية الملاحة، خصوصا في ظل أزمة مضيق هرمز.

ما دور منظمة شنغهاي للتعاون؟

أما منظمة شنغهاي للتعاون، فقد أصبحت منصة مهمة لاستعراض سياسة الهند متعددة الاتجاهات.

فقد شارك مودي في قمة بشكيك يومي 31 أغسطس و1 سبتمبر، إلى جانب بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج وبزشكيان وقادة الدول الأعضاء.

وتؤكد نيودلهي أن رؤيتها للمنظمة تقوم على ثلاثة محاور: الأمن، والاتصال، والفرص الاقتصادية.

وتكشف عودة مودي القوية إلى المنظمة عن رغبة هندية في الاحتفاظ بمساحة حركة مستقلة، دون الانخراط الكامل في أي محور.

فالهند عضو في تجمعات غربية وآسيوية في الوقت نفسه، وتحافظ على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، بينما تتمسك بعلاقات تاريخية وعسكرية واقتصادية عميقة مع روسيا، وتعمل على توسيع قنواتها مع إيران والصين.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان مودي «وسيطا» بالفعل، وإنما ما إذا كانت الهند تستطيع تحويل اتصالاتها الواسعة إلى نفوذ سياسي قابل للاستخدام.

ميزة نيودلهى

فامتلاك قنوات اتصال مع موسكو وطهران وكييف وواشنطن يمنح نيودلهي ميزة نادرة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة تسوية، ما لم تقترن هذه القنوات بإرادة الأطراف المتصارعة وقبولها بالدور الهندي.

وبذلك تبدو دبلوماسية مودي أمام مرحلة جديدة: الهند لا تسعى بالضرورة إلى لعب دور الوسيط التقليدي، بقدر ما تحاول تثبيت نفسها كقوة تستطيع التواصل مع الخصوم في آن واحد، واستثمار موقعها الاقتصادي والجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة لتعزيز مكانتها في نظام دولي شديد الاستقطاب.

طالع المزيد: حرب الهند وباكستان تنتقل إلى اليابان.. ضرب القوة الناعمة لإسلام آباد فى طوكيو

 

 

Exit mobile version