قناة السويس بين واشنطن وبكين.. موقف مصر وحسابات السيادة

كتب: على طه

أهمية القصة المتعلقة بطلبات أمريكا من مصر بشأن قناة السويس، وكان ذلك قبل عام تقريبا، عادت خلال الأيام القليلة الماضية إلى الواجهة بسبب استمرار اضطرابات الملاحة الإقليمية وتغير حسابات القوى الكبرى بشأن أمن الممرات البحرية، فلم تعد أزمة الممرات البحرية في الشرق الأوسط مجرد تداعيات جانبية للصراعات العسكرية المتلاحقة، وإنما تحولت إلى واحدة من أهم أوراق النفوذ في المنطقة، بعدما أصبحت سلامة الملاحة والتجارة والطاقة مرتبطة مباشرة بالتوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب.

ومع استمرار اضطراب حركة الملاحة في المنطقة، تعود قناة السويس إلى صدارة الحسابات الدولية، ليس باعتبارها ممرا مصريا حيويا للتجارة العالمية فحسب، وإنما باعتبارها إحدى أهم حلقات الربط بين أسواق آسيا وأوروبا وممرات الطاقة والتجارة الدولية.

زيارة الرئيس الصيني

وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر أهمية إضافية، بعدما أعلن خلال مباحثاته في القاهرة استعداد بلاده للعمل مع دول المنطقة من أجل حماية أمن ممرات الملاحة الدولية، في وقت تعاني فيه المنطقة من اضطراب غير مسبوق في حركة السفن بسبب التوترات في مضيق هرمز وباب المندب.

وبالتزامن مع ذلك، عقد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أمس الأربعاء، لقاء مع روبرت سيلفرمان، القائم بأعمال السفير الأمريكي في القاهرة، لبحث تعزيز التعاون بين الجانبين، بما في ذلك تطوير الترسانات والخدمات البحرية والتحول الرقمي.

وأكد ربيع أن قناة السويس تواصل رفع كفاءة المجرى الملاحي، مشيرا إلى أن مشروعات التطوير، ومن بينها تطوير القطاع الجنوبي، أسهمت في زيادة عامل الأمان الملاحي بنسبة 28%. وفي المقابل، أكد الدبلوماسي الأمريكي أهمية القناة للمصالح الأمريكية ولحركة التجارة العالمية بين أوروبا وآسيا.

وهنا تبرز أهمية قصة قديمة تعود إلى ربيع عام 2025، لكنها تكتسب دلالتها من تطورات اليوم.

القصة التي تعود إلى الواجهة

في 29 أبريل 2025، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب خلال اتصال هاتفي مع الرئيس عبد الفتاح السيسي السماح للسفن الأمريكية بالعبور مجانا عبر قناة السويس، باعتبار ذلك نوعا من المقابل للجهود العسكرية الأمريكية الرامية إلى تأمين الملاحة في البحر الأحمر ومواجهة هجمات جماعة الحوثيين في اليمن.

وبحسب الصحيفة، لم يكن الطلب الأمريكي مقتصرا على مسألة رسوم العبور، إذ سعى ترامب كذلك إلى الحصول على دعم مصري للجهود الأمريكية ضد الحوثيين، عبر أشكال من المساعدة العسكرية أو الاستخباراتية أو المالية.

ووضعت «وول ستريت جورنال» المطالبة في إطار أوسع من سياسة إدارة ترامب القائمة على السعي إلى الحصول على عوائد أو مساهمات من الدول التي تستفيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من التحركات الأمريكية الخارجية.

وبحسب رواية الصحيفة، كانت الحجة الأمريكية تقوم على أن العملية العسكرية التي تشنها واشنطن ضد الحوثيين تستهدف إعادة تأمين أحد أهم طرق التجارة العالمية، وأن استقرار الملاحة في البحر الأحمر يصب في مصلحة مصر بصورة مباشرة، لأن استمرار هجمات الحوثيين أدى إلى تراجع كبير في أعداد السفن العابرة لقناة السويس وإيراداتها.

ماذا طلب ترامب تحديدا؟

وفقا للرواية التي نشرتها «وول ستريت جورنال»، طرح ترامب خلال الاتصال مع السيسي فكرة إعفاء السفن الأمريكية من رسوم المرور في قناة السويس.

وتزامن ذلك مع موقف علني للرئيس الأمريكي طالب فيه بالسماح للسفن الأمريكية، العسكرية والتجارية، بالمرور مجانا عبر قناة السويس وقناة بنما.

لكن القضية لم تكن اقتصادية فقط.

فالصحيفة أفادت بأن ترامب أبلغ السيسي بأن واشنطن تريد أيضا دعما مصريا للحملة العسكرية ضد الحوثيين، وأن هذا الدعم يمكن أن يأخذ صورا مختلفة، بينها التعاون العسكري والاستخباراتي أو تقديم دعم مالي.

وبذلك بدت المطالبة الأمريكية وكأنها محاولة لربط الأمن بالمقابل الاقتصادي والسياسي: الولايات المتحدة تؤمن الملاحة، ومصر ـ بوصفها صاحبة قناة السويس وأحد أكثر المتضررين من اضطراب البحر الأحمر ـ تقدم في المقابل مساهمة في تكلفة هذه الجهود.

كيف ردت القاهرة؟

تكشف الرواية المنشورة أن القاهرة لم تتعامل مع المسألة باعتبارها صفقة مالية أو عسكرية منفصلة عن جذور الأزمة.

فبحسب المصادر التي استندت إليها «وول ستريت جورنال»، كان موقف الرئيس السيسي أكثر ارتباطا بالحل السياسي للصراع، إذ أشار إلى أن وقف إطلاق النار في غزة يمكن أن يمثل المدخل الأكثر فاعلية لإنهاء هجمات الحوثيين واستعادة أمن الملاحة في البحر الأحمر.

وهذا الموقف يعكس اختلافا في طريقة التعامل مع الأزمة.

فبينما ركزت واشنطن على استخدام القوة العسكرية لردع الحوثيين وتأمين حركة السفن، رأت القاهرة أن استمرار الحرب في غزة يمثل أحد الأسباب التي غذت التصعيد في البحر الأحمر، وبالتالي فإن معالجة أصل الأزمة سياسيا يمكن أن تكون أكثر فاعلية من توسيع دائرة المواجهة العسكرية.

لماذا قناة السويس مهمة إلى هذه الدرجة؟

تكمن أهمية الطلب الأمريكي في أنه جاء في واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها قناة السويس خلال السنوات الأخيرة.

فقد أدت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر منذ أواخر 2023 إلى دفع العديد من شركات الملاحة إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف مسافات وزمنا وتكاليف كبيرة إلى حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

وانعكس ذلك مباشرة على الإيرادات المصرية.

ووفقا لما أوردته «وول ستريت جورنال»، تراجعت إيرادات قناة السويس من نحو 10.3 مليار دولار في 2023 إلى قرابة 4 مليارات دولار في 2024، مع الانخفاض الكبير في حركة السفن نتيجة اضطرابات البحر الأحمر.

ولذلك، لم تكن مطالبة واشنطن بالإعفاء من الرسوم مجرد تفصيل مالي صغير؛ فقد جاءت في وقت كانت فيه مصر تواجه بالفعل خسائر كبيرة نتيجة تراجع حركة الملاحة.

المشهد تغير منذ ذلك الوقت

وبعد أكثر من عام على واقعة ترامب، لم تختف أزمة الممرات البحرية، وإنما اتسعت جغرافيا.

ففي 2026، أدت الحرب الأمريكية الإيرانية والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز إلى إضافة نقطة اختناق جديدة إلى الأزمة.

وأظهرت بيانات حديثة أن حركة السفن في مضيق هرمز ظلت أقل من متوسطاتها المعتادة، فيما استمرت المخاوف بشأن أمن الملاحة وتدفقات النفط والغاز. كما شهد البحر الأحمر وباب المندب اضطرابات متجددة مرتبطة بتهديدات الحوثيين للسفن.

وأصبح الأمر أكثر تعقيدا بالنسبة إلى شركات النقل والطاقة، التي بات عليها أن توازن بين مخاطر المرور في مناطق الصراع وبين تكلفة الدوران حول أفريقيا، في وقت أصبحت فيه طرق التجارة العالمية أكثر عرضة للاضطراب.

وفي هذا السياق، رصدت «رويترز» خلال يوليو 2026 تحركات لناقلات في البحر الأحمر باتجاه قناة السويس بعد تهديدات حوثية مرتبطة بالملاحة إلى الموانئ السعودية، وهو ما أعاد التأكيد على أن القناة لا تزال خيارا أساسيا في حسابات شركات الطاقة والتجارة.

قناة السويس تستعيد جزءا من أهميتها الملاحية

ورغم تداعيات الأزمة، بدأت حركة الملاحة عبر قناة السويس في التعافي تدريجيا.

فقد أعلنت هيئة قناة السويس ارتفاع الإيرادات خلال السنة المالية 2025/2026 إلى نحو 4.67 مليار دولار، بزيادة تقارب 23%، مع زيادة أعداد السفن والحمولات، وإن ظلت مستويات الحركة أقل من مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر.

وهذا التعافي يعني أن القناة ما زالت قادرة على استعادة دورها متى توافرت الظروف الأمنية المناسبة.

والأهم أن شركات الملاحة نفسها لا تزال ترى في قناة السويس الطريق الأكثر كفاءة في العديد من خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا، رغم المخاطر الأمنية.

واشنطن تعود إلى القاهرة

وفي هذه اللحظة تأتي دلالة لقاء رئيس هيئة قناة السويس بالقائم بأعمال السفير الأمريكي في القاهرة.

فاللقاء الذي جرى في 2 سبتمبر 2026 لم يتناول ـ وفقا للبيان الرسمي لهيئة قناة السويس ـ مطالبة أمريكية جديدة بعبور مجاني للسفن، وإنما ركز على تعزيز التعاون في مجالات الترسانات والخدمات البحرية والتحول الرقمي.

وأكد الجانب الأمريكي خلال اللقاء أهمية قناة السويس بالنسبة للمصالح الأمريكية وحركة التجارة العالمية بين أوروبا وآسيا.

وهنا تظهر المفارقة: قبل أكثر من عام، كانت واشنطن تتحدث عن مقابل للحماية الأمريكية للملاحة، بينما تتحدث اليوم مع هيئة قناة السويس عن التعاون وأهمية القناة للمصالح الأمريكية.

لكن الظروف المحيطة بالقناة أصبحت أكثر تعقيدا.

الصين تدخل المشهد من بوابة أمن الملاحة

وفي الوقت نفسه، جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر لتضيف بعدا جديدا إلى معادلة الممرات البحرية.

فالصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية والطاقة القادمة من الشرق الأوسط، أعلنت استعدادها للتعاون مع دول المنطقة من أجل حماية ممرات الملاحة الدولية.

وقال شي، خلال زيارته للقاهرة، إن الصين مستعدة للعمل مع دول المنطقة لحماية أمن ممرات الملاحة الدولية وتعزيز التعاون التنموي والقضاء على أسباب الصراعات.

وتكتسب الرسالة الصينية أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت تتعرض فيه طرق التجارة التقليدية لضغوط متزامنة في هرمز والبحر الأحمر.

كما أن القاهرة نفسها تمثل بالنسبة إلى بكين موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية، ليس فقط بسبب قناة السويس، وإنما أيضا بسبب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والاستثمارات الصينية المتزايدة فيها.

وبحسب «رويترز»، جذبت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نحو 4 مليارات دولار من الاستثمارات الصينية، مع الإعلان خلال زيارة شي عن خطط لتوسيع منطقة صناعية صينية في المنطقة الاقتصادية، إلى جانب مشروع لدراسة إنشاء مجمع لصناعة الإطارات باستثمارات تقدر بنحو 500 مليون دولار.

من يدفع تكلفة حماية الممرات البحرية؟

هنا تعود قصة ترامب القديمة لتطرح سؤالا أكبر من مجرد رسوم عبور، وهو: إذا كانت الولايات المتحدة ترى أن وجودها العسكري في البحر الأحمر أو الخليج يوفر حماية للملاحة الدولية، فهل يحق لها أن تطلب مقابلا اقتصاديا من الدول المستفيدة؟

وإذا كانت الصين تعلن استعدادها للمساهمة في حماية طرق الملاحة، فهل يعني ذلك أنها تستعد لدور أمني أكبر في الشرق الأوسط؟

وهل تستطيع القوى الكبرى حماية الممرات البحرية من دون الانخراط في الصراعات السياسية والعسكرية التي تحيط بها؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحا مع تحول البحر الأحمر ومضيق هرمز إلى نقاط اختبار حقيقية لقدرة القوى الدولية على تأمين التجارة العالمية.

مصر.. بين أهمية القناة وحسابات السيادة

بالنسبة إلى مصر، تظل المعادلة أكثر حساسية.

فقناة السويس مورد اقتصادي رئيسي وممر سيادي يقع تحت الإدارة المصرية، وفي الوقت نفسه تمثل القناة مصلحة عالمية تتجاوز حدود مصر، لأنها تربط بين اثنين من أهم مراكز التجارة في العالم.

وتنص اتفاقية القسطنطينية لعام 1888 على مبدأ حرية الملاحة في القناة للسفن التجارية والحربية دون تمييز بسبب العلم.

لكن حرية الملاحة لا تعني الإعفاء من الرسوم؛ فحق السفن في العبور مسألة، وتحصيل رسوم المرور مسألة أخرى.

ومن ثم فإن طلب ترامب، كما نقلته «وول ستريت جورنال»، كان يتجاوز مبدأ حرية المرور إلى المطالبة بإعفاء السفن الأمريكية من الرسوم باعتبار ذلك مساهمة مصرية في تحمل تكلفة الجهد العسكري الأمريكي.

وهنا تتضح حساسية الموقف المصري: فالقضية لا تتعلق فقط بقيمة رسوم عبور سفن أمريكية، وإنما بمبدأ أوسع يرتبط بإدارة مورد سيادي وبحدود العلاقة بين المصالح المصرية والمطالب الأمريكية.

القصة القديمة تكشف معركة جديدة

وبعد أكثر من عام على الكشف الذي نشرته «وول ستريت جورنال»، تبدو قصة طلب ترامب من السيسي أكثر ارتباطا بالمشهد الراهن مما قد يبدو للوهلة الأولى.

ففي 2025 كان السؤال: هل تدفع الولايات المتحدة ثمن حماية الملاحة، أم تحصل في المقابل على إعفاءات ومساهمات من الدول المستفيدة؟

أما في 2026، فقد أصبح السؤال أوسع: من سيحمي الممرات البحرية في الشرق الأوسط، ومن سيدفع تكلفة هذه الحماية، ومن سيحصل على النفوذ الاستراتيجي الناتج عنها؟

وبينما تواصل الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة، تدخل الصين بصورة أكثر وضوحا على خط أمن الملاحة، فيما تحاول مصر الحفاظ على قناة السويس بوصفها شريان تجارة عالمي ومصدرا حيويا للدخل.

ومن ثم فإن عودة قصة ترامب إلى الواجهة ليست مجرد استدعاء لخبر قديم، وإنما هي إعادة قراءة لواقعة تكشف طبيعة الصراع الجديد حول الممرات البحرية.

فالمعركة لم تعد فقط على السفن التي تعبر قناة السويس، وإنما على من يملك القدرة على تأمين الطريق الذي تعبره هذه السفن، ومن يحدد ثمن الحماية، ومن يحول أمن الملاحة إلى نفوذ سياسي واقتصادي.

وفي هذه المعادلة، تبدو قناة السويس في قلب المشهد مرة أخرى، فيما تتحول اضطرابات هرمز والبحر الأحمر إلى اختبار جديد لموقع مصر بين القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ في الشرق الأوسط.

طالع المزيد: نائب رئيس الوزراء يبحث مع مجموعة صينية إقامة مجمع صناعي متكامل بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس

 

 

Exit mobile version