شبراوى خاطر يكتب: شجرة “العلاقات العامة” في الحكومة المصرية مجثوثة

موقع بيان الإخبارى

يقول المثل الشعبي الدارج: “من يحمل مطرقة يرى كل ذبابة على الحائط مسماراً”.

وهذا ينطبق علي بشكل آخر، وبما تمثله مهنة العلاقات العامة لدي، فإنني أرى كل قضية أو حدث، أو سلوك، أو اتجاهات وأفكار من منظور مبادئ مهنة العلاقات العام.

وهذا ما يدفعني للخوض في قضية بتر وقطع ونزع الإشجار من جذورها وتقطيع سيقانها من فوق الأرض، بفعل فاعل، نراه مجنون أو مخبول أو جاهل متجاهل، وربما يرى نفسه ألمعي وذكي، أو نراه عديم الرؤية مصاب بالعمه (عمى البصيرة)، ويرى نفسه ناشط تنموي يرى المستقبل بعين الخبير الخابور، ولا أزيد….

ونعود لنقول كما يقول  ” أوستن هولمز ” خبير إدارة الأزمات الأمريكي: “أنه في العلاقات العامة، عليك معالجة السؤال الصعب أولاً، لا أخيراً. عليك استباق الاعتراضات قبل مواجهتها.”

هذا لم يحدث عندنا في هذه الحالة ، ولا يحدث كثيراً من حكومتنا الفاضلة النزيهة الأمينة القوية، ، وكانت ردود الفعل الشعبية الغاضبة خير دليل. وينبغي أن نعلم إن إصلاح المشكلة علناً أكثر تكلفة بكثير من الاستعداد لها سراً حتى لا تتصدر عناوين الأخبار من الأساس وتتناثر على وسائل التواصل الاجتماعي لتخلق حالة من فوضى المشاعر السلبية ضد المسؤولين.

وينبغي أن نعلم أيضاً بأن هناك مبدأ فعّال وهو: أن “الاستعداد يتفوق على رد الفعل في كل مرة”. وهذا يدفعنا للتساؤل مرة أخرى، هل انتشار ردود أفعال وتصريحات الوزيرة “منال عوض” التي تحمل حقيبتي “التنمية المحلية والبيئة” قد قدم أية إفادة وأي إجابة شافية؟ لم يكن التصريح المعلن على لسانها موفق تماماً، وإذا كان تم إعداده من مختص في العلاقات العامة، فليراجع نفسه، وإذا كان مرتجلاً منها، فنرجوك أن تتريثي وتستشيري أهل الذكر.

فهي لم تجيب الناس لماذا صدرت أوامر “مجزرة أشجارهم في شوارعهم”. حيث أن هذه الأشجار ليست ملك للحكومة أو الوزارة المعنية أو المحافظة سيئة الحظ، وإنما ملك للناس في الحيز المكاني الذي يعيشون فيه ويمرون خلاله كل يوم. وسؤال آخر يطرح نفسه، هل ما قالته بأن الحكومة (وهي تمثلها) سوف تزرع المزيد من الأشجار الكثيرة حتى أن بعض المحللين اتهم الوزيرة “منال عوض” بالاستخفاف بالناس، وكما قال الصحفي سليمان جودة: “عاشت قضية قطع الأشجار مُثارة بشدة طوال الفترة الماضية، وازدادت شدة مع ما تعرضت له أشجار شارع جامعة الدول العربية من حصد جماعي للأشجار. .. ولكن الوزيرة فضّلت الصمت تماماً، وبعد فترة نعتبرها طويلة، تكلمت، ويا ليتها صمتت، صمت الأموات أو صمت من لا يعنيهم الأمر من بعيد أو قريب، ولكنها تكلمت بشكل استفز المواطن العادي والذي قد يكون ممن لم يروا شارع جامعة الدول من الأساس، ولم يزر القاهرة أبداً.

وكما سمعنا أنها قالت أنها سوف تُحصي عدد الأشجار التي تم قطعها، وأنها ستعمل على زراعة ضعف العدد الذي تم اجتثاثه!!. هذا كان تعليق وزيرة “التنمية المحلية إلى جانب مسئولية وزارة البيئة” وكنا نظنها من الفطنة أن تعلم بأننا لدينا أشجاراً بلغت من العمر أطول من أعمار دول كثيرة في العالم، وأن قيمة الشجرة المجثوثة بفعل شخص جاهل أو مسؤول متسلط أعلى بكثير من قيمته في وطن هو كاره لقيم الجمال فيه.

ثم تطلع علينا بوستات تم تصميمها في الغالب “بالذكاء الاصطناعي” لتزف إلينا توجيهات الرئيس بتخضير القاهرة ولا تترك ركن فارغ إلا وهو أخضر. وهذا الفعل ليس في صالح الصورة الذهنية للرئيس لدى الناس، ولن تفيده في تعزيز شعبيته كمنقذ ونصير للشعب ضد حكومة اختارها ووافق عليها.

أولاً: هذه التصريحات لن تعيد الشجر المغدور لحياته مرة أخرى،

ثانياً :كيف سيتم تنفيذ هذه التوجيهات وللدولة أجهزة سيادية تعمل برؤية عكسية تماماً، أي تزيل الأشجار وتمحو الحدائق التي تخطت أعمارها المائة عام من أجل غرس محلات ومقاهي قبيحة في كل مكان جشعاً وطمعاً في تحقيق إيرادت لا تكفي محصلي الإيجارات ومحاسبيها والقائمين عليها، (ما لكم كيف تحكمون)،

ثالثاُ: كم من الوقت والعمر ننتظر حتى تصل الشتلات الحديثة إلى ما وصلت إليه شجرة عمرها خمسون عاماً على سبيل المثال.

رابعاً: والأهم، أن الحكومة والمسؤول الذي ينتظر توجيهات الرئيس في مثل هذه الأمور الحيوية والتي لا تحتاج توجيهات لأانها من صميم عمل ومسؤولية المسؤول فيها، لا تستحق المساندة، ومن العيب استمرارها في تخريب “مستقبل وطن”.

وخامساً: من وجهة نظر إدارة الأزمة في مهنة العلاقات العامة، أن ما حدث ومازال يحدث لابد أن يتم تدريسه كنموذج للفشل التام يتعلم منها طلاب العلاقات العامة وإدارة الأزمات. والذي قد يجعلنا نتساءل، هل لدى هذه الجهات والهيئات والوزارات إدارات للعلاقات العامة المهنية المحترفة، أم كوادر من أهل الثقة وملمعي الأحذية وماسحي الجوخ ومنسقي المقاعد والمسرعين بالإحاطة بالمسؤول الكبير من كل جانب خوفاً عليه من لاشئ،

أنا لا أنتقد أي شخص بعينه، ولكن أتحسر على إفساد مهنة من أكثر المهن احترافية ورقياً وعلماً وتأثيراً في المجتمعات المتقدمة، ولكننا هنا في وطن له حضارة هي من ابتكرت هذه المهنة منذ فجر التاريخ. جعلناها مجرد “شغل علاقات عامة!!”

يوجد في عالمنا أشخاص سيئون، وضعاف العقول، وانتهازيون، وكمجتمع، يجب أن نقف في وجه ما يمثلونه. وإذا أردنا بناء مصر كواحدة من أعظم دول التاريخ وبناء الإنسان المصري، فلن يحدث ذلك إلا بالوقوف في وجه الأفكار الهدامة وضد المتظاهرين بالوطنية وحاملي الشهادات العلمية المشتراة من سوق الشهادات، وعلينا أن نستمر في ذلك. لكن الوقوف في وجه شيء ما ليس كل شيء. علينا أيضًا أن ندافع ونتحدث عن الأمور التي تدفعنا قدمًا، معًا، نحو مستقبل أفضل.

أنا لا أميل كثيراً أن أتجنب المخاطرة والتزم الصمت في مثل هذه الحالات. وفي حالتنا هذه أنصح أي مسؤول اتصالات العلاقات العامة بأن تجهّز الأمور وتتخذ القرارات وأنت تعلم أن أحدهم قد يشعر بالإهانة، وقد يدرك أنك تتعامل معه باستهانة، لأن هذا أمر حتمي، وسواء كنت تعلن عن مشروع جديد أو إعادة تخطيط لمشروع قديم. ولتعلم بأنك في عدم الاستعداد وتقدير ردود الأفعال المحتملة لابد أن يخلق توتر، وهذا التوتر جزء مما يجذب الانتباه ويثير الحماس بين الناس الأمر الذي قد  يتحول إلى كابوس من الفوضى الجدلية. كما أدعو خبراء وأساتذة العلاقات العامة والاجتماع والتغيير الاجتماعي وهم كُثر في جامعاتنا ومراكزنا العلمية لدراسة موسعة وعميقة لبعض سلوكيات الحكومة غير الحكيم والذي يقود دائما لمشاعر الرفض وعدم الرضا وهدم أعمدة الثقة في المجتمع، وهذا ليس في صالح مستقبلنا جميعاً.

ومرة أخرى، ليست حكاية شجر… إنما حكاية وطن يغدر به من أوكلت إليه حمايته، ويبكي عليه من ليس بيده الأمر أو القدرة.

هذا هو الفشل الحقيقي. ليس في محاولة إجراء حوار جاد، بل في محاولته متأخراً جداً، علناً، بدلاً من أن يكون مبكراً، خلف الأبواب المغلقة، من قبل شخص يملك المكانة الكافية لطرح السؤال المحرج قبل صدور الإعلان وانشغال الجميع بالدفاع عنه.

طالع المزيد: شبراوى خاطر يكتب: ماذا يدور في عقل الجيل زد؟

 

 

 

Exit mobile version