وكالات – مصادر
لم تعد قضية التسريبات داخل وزارة الدفاع الأمريكية مجرد تحقيق إداري بحثًا عن موظف سرب معلومة إلى الصحافة، وإنما تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بعدما خضع نحو 50 من كبار المسؤولين والضباط في هيئة الأركان المشتركة لاختبارات كشف الكذب خلال أغسطس الماضي، في إطار حملة واسعة لتعقب مصادر المعلومات المتعلقة بتراجع مخزونات الأسلحة والذخائر الأمريكية.
وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن المحققين الأمريكيين أخضعوا عسكريين وموظفين مدنيين في هيئة الأركان المشتركة لاختبارات «البوليجراف»، وسألوهم تحديدًا عما إذا كانوا قد نقلوا معلومات سرية إلى الصحفيين، وما إذا كانوا قد قدموا معلومات تتعلق بانخفاض مخزونات الذخائر الأمريكية. ووفق الصحيفة، فإن نطاق العملية كان استثنائيًا، إذ شمل نحو 50 شخصًا من العاملين في هيئة الأركان المشتركة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن التسريبات لم تتعلق بمعلومات عسكرية هامشية، وإنما تناولت مستوى مخزون الولايات المتحدة من أسلحة رئيسية، من بينها الصواريخ بعيدة المدى وصواريخ الاعتراض المستخدمة في منظومات الدفاع الجوي، وفي مقدمتها «باتريوت».
وراء التسريبات.. أرقام يصعب إخفاؤها
تكمن حساسية القضية في أن التقارير الإعلامية عن تراجع المخزونات جاءت في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة حربًا مع إيران، وهو ما أدى إلى استهلاك كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية والذخائر.
وفي 30 يوليو الماضي، قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS» أن الولايات المتحدة استهلكت نحو 65% من مخزونها من صواريخ «باتريوت» الذي كان متاحًا قبل الحرب، لتتبقى لديها أقل من ألف صاروخ، وفق تقديرات المركز المبنية على المعلومات المتاحة علنًا حول معدلات الاستخدام والإنتاج والمخزون. كما قدّر المركز مخزون صواريخ «ثاد» بما يتراوح بين 234 و278 صاروخًا.
وفي تحليل آخر، أشار المركز إلى أن مخزونات «باتريوت» أصبحت دون ألف صاروخ، بينما تقترب مخزونات «ثاد» من 250 صاروخًا، محذرًا من أن استمرار انخفاض المخزونات قد يفرض على الولايات المتحدة وشركائها تحمل مخاطر أكبر في عمليات الاعتراض مستقبلًا.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الأزمة: فحتى إذا بقيت الأرقام الدقيقة سرية، فإن تقدير حجم المخزون لم يعد مستحيلًا بالنسبة للخصوم المحتملين، إذ يمكن بناء تقديرات تقريبية بالاستناد إلى معدلات الاستخدام المعلنة، وحجم الإنتاج، والصفقات العسكرية، وقدرات الصناعة الدفاعية.
وبالتالي، فإن التسريب الصحفي لا يكشف بالضرورة معلومة لا يمكن الوصول إليها بأي وسيلة أخرى، لكنه يمنح تلك التقديرات درجة أعلى من المصداقية، وهو ما يفسر حساسية الإدارة الأمريكية تجاه هذه التقارير.
ترامب في مواجهة «أزمة المخزونات»
القضية وصلت إلى البيت الأبيض أيضًا، بعدما تصاعد الجدل بشأن قدرة الترسانة الأمريكية على تلبية احتياجات العمليات العسكرية المتزامنة.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد رفض علنًا التقارير التي تحدثت عن استنزاف خطير في المخزونات الأمريكية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تعاني من نفاد ترسانتها. وفي الوقت نفسه، هاجم المسؤولين عن تسريب المعلومات، وهدد بفرض عقوبات قاسية عليهم.
مجلة «تايم» أشارت إلى أن غضب ترامب من التقارير المتعلقة بالمخزونات جاء في سياق أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن تؤثر مثل هذه التقارير على الموقف الأمريكي في المفاوضات مع إيران، فضلًا عن أنها قد تشجع الخصوم على الاعتقاد بأن استمرار الحرب سيزيد الضغوط على الترسانة الأمريكية.
وتشير هذه النقطة إلى أن القضية لا تتعلق فقط بحماية الأسرار العسكرية، وإنما أيضًا بالحفاظ على صورة الردع الأمريكي. فالإقرار بوجود نقص كبير في الصواريخ والذخائر يمكن أن يبعث برسالة إلى الخصوم بأن قدرة واشنطن على مواصلة العمليات العسكرية ليست بلا حدود.
لماذا اختبارات كشف الكذب؟
السؤال الأكثر إثارة هنا هو: لماذا اختارت وزارة الدفاع الأمريكية اللجوء إلى اختبارات كشف الكذب على هذا النطاق الواسع؟
الإجابة لا تبدو مرتبطة فقط بالرغبة في تحديد هوية الشخص الذي سرب المعلومات، وإنما تحمل أيضًا بعدًا ردعيًا.
فبحسب مصادر نقلت عنها «نيويورك تايمز»، بدا أن العملية تستهدف أمرين متوازيين: محاولة معرفة من نقل المعلومات إلى وسائل الإعلام، وإرسال رسالة إلى آخرين داخل المؤسسة العسكرية مفادها أن نقل المعلومات السرية لن يمر دون رقابة.
وهذا يفسر لماذا أصبح الاختبار نفسه جزءًا من القضية؛ إذ إن مجرد إخضاع عشرات الضباط والمسؤولين له يمكن أن يخلق حالة من الحذر والخوف داخل المؤسسة، حتى في غياب إثبات مباشر على تورط أحدهم.
البنتاجون والإعلام.. حرب على جبهة أخرى
تأتي حملة ملاحقة التسريبات في وقت تتزايد فيه التوترات بين إدارة ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية بشأن المعلومات المتعلقة بالحرب.
ومن وجهة نظر الإدارة، فإن نشر تفاصيل عن مخزونات الأسلحة يمكن أن يضر بالأمن القومي، ويمنح الخصوم معلومات عن نقاط الضعف الأمريكية.
أما من وجهة نظر وسائل الإعلام والصحفيين الذين يتابعون الملف، فإن الحديث عن حجم المخزونات والجاهزية العسكرية يمثل قضية عامة بالغة الأهمية، خصوصًا عندما تكون الولايات المتحدة منخرطة في عمليات عسكرية واسعة.
وهكذا انتقل الخلاف من سؤال «من سرب المعلومات؟» إلى سؤال أكبر: هل تسعى الإدارة الأمريكية إلى حماية أسرار عسكرية حقيقية، أم إلى التحكم في الرواية المتعلقة بحجم القدرة العسكرية الأمريكية؟
الاختبار الأخطر.. أزمة ثقة داخل المؤسسة
ربما تكون أخطر دلالة في القضية أن التحقيق لم يتوقف عند موظفين صغار أو أفراد محدودي الوصول إلى المعلومات، وإنما امتد إلى عشرات من العاملين في هيئة الأركان المشتركة.
ويعمل في هيئة الأركان المشتركة ما بين 1500 و2000 ضابط ومسؤول، وهي المؤسسة التي تنسق العمليات والسياسات وخطط الحرب مع القيادات العسكرية الأمريكية حول العالم. وبالتالي فإن إخضاع عشرات من العاملين فيها لاختبارات كشف الكذب يعكس حجم القلق الذي توليه القيادة العسكرية لمصدر التسريبات.
ومن هنا يمكن قراءة الخطوة باعتبارها مؤشرًا على أزمة ثقة داخلية؛ فحين تضطر المؤسسة العسكرية إلى اختبار عدد كبير من كبار المسؤولين بحثًا عن مصدر تسريب، فإن المشكلة لا تعود مجرد تسريب معلومات، وإنما تصبح أزمة ثقة في آليات إدارة المعلومات نفسها.
هل تكشف التسريبات ضعفًا عسكريًا أمريكيًا؟
الإجابة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فانخفاض مخزونات بعض الصواريخ لا يعني تلقائيًا أن الولايات المتحدة فقدت تفوقها العسكري أو أصبحت عاجزة عن خوض حرب جديدة. الولايات المتحدة تمتلك قاعدة صناعية عسكرية ضخمة، وتعمل شركاتها الدفاعية على زيادة معدلات الإنتاج.
لكن المشكلة تكمن في الفجوة الزمنية بين الاستهلاك والإنتاج.
فإذا كان معدل استخدام الصواريخ الاعتراضية خلال الحرب أكبر من قدرة المصانع على تعويضها، فإن المخزون ينخفض تدريجيًا، وقد تظهر المشكلة في قدرة الجيش على الاستجابة لحرب طويلة أو لصراعين متزامنين.
وهذا تحديدًا ما يجعل صواريخ «باتريوت» و«ثاد» أكثر حساسية من كثير من الأسلحة الأخرى؛ لأنها أنظمة دفاعية تستخدم لحماية القوات والقواعد والمنشآت، ولا يمكن ببساطة استبدالها بخيار آخر بالسرعة نفسها.
وقد حذر «CSIS» من أن انخفاض مخزونات هذه الأنظمة قد يفرض مخاطر أكبر على الولايات المتحدة وشركائها إذا استمرت الضغوط العسكرية.
بين حماية الأسرار وصناعة الردع
في النهاية، تكشف قضية اختبارات كشف الكذب داخل البنتاجون عن معركة مزدوجة.
المعركة الأولى هي معركة أمنية حقيقية لمنع تسريب المعلومات المصنفة والحفاظ على أسرار القدرات العسكرية الأمريكية.
أما المعركة الثانية فهي معركة سياسية وإعلامية حول صورة القوة الأمريكية، وحول ما إذا كانت واشنطن قادرة على مواصلة عمليات عسكرية واسعة دون أن تستنزف مخزوناتها الاستراتيجية.
ولهذا تبدو اختبارات كشف الكذب لنحو 50 مسؤولًا أكبر بكثير من مجرد إجراء تحقيق داخلي؛ فهي رسالة إلى داخل المؤسسة العسكرية وخارجها في الوقت نفسه.
فالرسالة الداخلية تقول إن تسريب المعلومات سيُلاحق حتى أعلى مستويات المؤسسة، بينما الرسالة الخارجية تقول إن الولايات المتحدة لا تريد أن تتحول التقارير عن نقص الذخائر إلى مؤشر على ضعف قدرتها على الردع.
لكن المفارقة أن اتساع التحقيق نفسه قد يلفت الانتباه أكثر إلى السؤال الذي تحاول الإدارة الأمريكية احتواءه: إلى أي مدى استنزفت الحرب مخزون الأسلحة الأمريكية، وكم من الوقت تحتاج واشنطن لإعادة بناء قدرتها على خوض حرب طويلة أو أكثر من حرب في الوقت نفسه؟
وحتى الآن، لا تقدم الإدارة الأمريكية إجابة علنية كاملة عن هذا السؤال، فيما تظل الأرقام الدقيقة للمخزونات مصنفة، ويستمر التحقيق في البحث عن مصدر التسريبات.
