كتاب أمريكي يعيد رسم خريطة النظام العالمي بعيدًا عن هيمنة الغرب

.. «النظام العالمي الماضي والمستقبلي».. كيف يمكن للحضارة العالمية أن تستمر بعد تراجع الغرب؟

كتب: على طه

يفتح كتاب «النظام العالمي الماضي والمستقبلي: لماذا ستنجو الحضارة العالمية من تراجع الغرب»، وعنوانه فى الطبعة التى نراجعها فى التالى: «The Once and Future World Order: Why Global Civilization Will Survive the Decline of the West»، للباحث وأستاذ العلاقات الدولية أميتاف أتشاريا Amitav Acharya، نقاشًا واسعًا حول مستقبل النظام الدولي، منطلقًا من فكرة رئيسية مفادها أن النظام العالمي لم يكن يومًا نتاجًا غربيًا خالصًا، وأن تراجع الهيمنة الغربية لا يعني بالضرورة انهيار الحضارة العالمية أو نهاية النظام الدولي.

الكتاب صدر عن Basic Books عام 2025، ويقع في نحو 464 صفحة في نسخته الأمريكية، فيما صدرت له طبعات أخرى عن John Murray Press التابعة لمجموعة Hachette.

ويقدم المؤلف فى الكتاب رحلة تاريخية تمتد لنحو خمسة آلاف عام، تتنقل بين الحضارات القديمة والحديثة، بهدف إعادة قراءة نشأة النظام العالمي من منظور متعدد الحضارات.

بو يوان شانج Bo Yuan Chang

وتأتي أهمية الكتاب، وفق مراجعة نشرها الكاتب بو يوان شانج Bo Yuan Chang في موقع E-International Relations في 7 سبتمبر 2026، من محاولته تجاوز السردية التقليدية التي تضع الغرب في مركز تاريخ العلاقات الدولية، وتبحث عن جذور النظام العالمي في تجارب حضارية متعددة شملت مصر والهند والصين وفارس والعالم الإسلامي، إلى جانب اليونان وروما وبيزنطة، فضلًا عن حضارات أخرى في أمريكا اللاتينية وإفريقيا.

5 آلاف عام من تاريخ النظام العالمي

ينطلق أتشاريا من مراجعة واسعة لتاريخ البشرية، مؤكدًا أن الأفكار والمؤسسات والقواعد التي سمحت بالتعاون بين المجتمعات والدول لم تظهر مع صعود أوروبا وحدها، وإنما كانت موجودة بأشكال مختلفة قبل ذلك بقرون وآلاف السنين.

وتشير بيانات الناشر إلى أن الكتاب يتحرك تاريخيًا من سومر ومصر القديمة والهند واليونان وأمريكا الوسطى، مرورًا بالخلافات الإسلامية والإمبراطوريات الأوراسية، وصولًا إلى النظام العالمي المعاصر. ويرى أتشاريا أن القيم الإنسانية والتشابك الاقتصادي وقواعد التعامل بين الدول تطورت في مناطق متعددة من العالم، ولم تكن ملكًا لحضارة واحدة.

ومن هنا، يحاول الكتاب إعادة تعريف مفهوم «النظام العالمي» بعيدًا عن الاعتقاد بأن العالم عرف نظامًا دوليًا موحدًا فقط بعد صعود أوروبا وهيمنة القوى الغربية.

مواجهة المركزية الغربية

تتمحور إحدى الأفكار الأساسية للكتاب حول نقد المركزية الأوروبية في دراسة العلاقات الدولية.

فبحسب قراءة Bo Yuan Chang، يسعى أتشاريا إلى تفكيك التصور الذي يجعل التاريخ الأوروبي نقطة الانطلاق الوحيدة لفهم النظام الدولي، ويؤكد أن الحضارات غير الغربية شاركت بدورها في بناء الأفكار والممارسات التي أسهمت في تنظيم العلاقات بين المجتمعات والدول.

ويذهب الكتاب إلى أن النظام العالمي لم يظهر فجأة في لحظة تاريخية واحدة، ولم ينتشر في خط مستقيم من مركز جغرافي واحد إلى بقية العالم، وإنما تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل والتبادل والتأثير المتبادل بين الحضارات.

وهنا يضع أتشاريا أطروحته في مواجهة بعض النظريات التي تنظر إلى العالم من منظور حضاري أو جغرافي ضيق، بما في ذلك الأطروحات التي جعلت الصراع بين الحضارات إطارًا رئيسيًا لتفسير العلاقات الدولية.

من ويستفاليا إلى عالم متعدد المراكز

ومن أكثر الأفكار التي يتوقف عندها الكتاب نقد الاعتقاد الشائع بأن صلح وستفاليا عام 1648 يمثل نقطة البداية المطلقة للنظام الدولي الحديث.

ففي القراءة التي يقدمها أتشاريا، فإن اتفاقيات وستفاليا كانت محطة مهمة في التاريخ الأوروبي، لكنها لا تصلح وحدها لتفسير نشأة النظام العالمي بأكمله.

ويحاول المؤلف بذلك نقل النقاش من مفهوم «النظام الدولي الغربي» إلى مفهوم أكثر اتساعًا يقوم على تعدد المراكز الحضارية، بحيث لا تكون أوروبا أو الولايات المتحدة وحدهما مصدر القواعد والأفكار التي تحكم العلاقات الدولية.

وتشير بيانات فهرسة الكتاب لدى مكتبة Chatham House إلى أن فصوله تمتد من «الأسس الأولى» إلى اليونان وفارس وروما، ثم الصين والعالم الإسلامي، وصولًا إلى صعود الغرب، وإفريقيا، و«عودة الباقين»، ثم تصور النظام العالمي الماضي والمستقبلي.

المحيط الهندي.. نموذج للتفاعل الحضاري

يقدم الكتاب عددًا من النماذج التي يرى المؤلف أنها توضح كيف نشأت بعض قواعد التفاعل الدولي عبر التبادل بين الحضارات.

ومن بين هذه النماذج شبكة التجارة والتواصل في المحيط الهندي، التي ربطت مناطق واسعة من شرق آسيا وجنوبها بالعالم العربي وشرق إفريقيا.

ويرى أتشاريا أن هذه الشبكات البحرية لم تكن خاضعة بصورة حصرية لدولة قومية واحدة، وإنما شكلت فضاءً متعدد الحضارات للتجارة وتبادل الأفكار والخبرات، وهو ما يقدمه الكتاب باعتباره مثالًا على أن بعض مبادئ العلاقات الدولية والتفاعل بين الشعوب سبقت ظهور الدولة القومية الأوروبية الحديثة.

ويستند الكتاب في أطروحته العامة إلى فكرة أن القواعد والمؤسسات الدولية الحالية يمكن فهمها بصورة أفضل عندما ننظر إلى جذورها التاريخية في أكثر من حضارة، بدل اختزالها في التجربة الأوروبية الحديثة.

الإسلام والصين والهند في قلب الرواية

ويولي أتشاريا اهتمامًا خاصًا بالمساهمات الفكرية للحضارات غير الغربية، في محاولة لإعادة إدخالها إلى السردية الرئيسية لدراسة العلاقات الدولية.

وتشير المراجعة إلى أمثلة من الفكر الإسلامي والهندي والصيني، باعتبارها أجزاء من عملية طويلة من انتقال الأفكار بين الحضارات.

كما يناقش الكتاب التفاعل بين أفكار سياسية وفلسفية مختلفة، بما في ذلك التقاليد الهندية القديمة، والفكر الكونفوشيوسي والتقاليد القانونية في الصين، فضلًا عن إسهامات المفكرين المسلمين في تطور الفكر الإنساني.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض هذه الروابط الفكرية، مثل الربط بين مفهوم «وو وي» في الفكر الطاوي وبعض أفكار الاقتصاد الحر الحديثة، أو التأثيرات التي ينسبها الكتاب إلى الفكر الإسلامي في تطور العقلانية العلمية الأوروبية، ينبغي التعامل معها باعتبارها قراءات وتأويلات ضمن أطروحة المؤلف، وليس باعتبارها حقائق تاريخية محل إجماع أكاديمي.

بعيدًا عن «صدام الحضارات»

تتمثل إحدى نقاط قوة الكتاب، في أنه لا ينطلق من تصور يجعل الحضارات كيانات مغلقة ومتعارضة بالضرورة.

فبدلًا من النظر إلى الحضارات باعتبارها عوالم منفصلة تتنافس على النفوذ، يقدم أتشاريا تصورًا لما يمكن تسميته «النظام العالمي متعدد الحضارات»، الذي تشارك في تشكيله مجتمعات وحضارات مختلفة عبر آلاف السنين.

وهذا التصور يختلف كذلك عن القراءات التي تضع الولايات المتحدة أو الغرب في مركز النظام الدولي وتتعامل مع بقية العالم باعتبارها أطرافًا صاعدة أو تابعة.

«فخ ثوسيديدس» تحت المجهر

ويمتد نقد الكتاب إلى بعض النماذج المستخدمة في دراسة التنافس بين القوى الكبرى، ومن أبرزها «فخ ثوسيديدس»، الذي يستند إلى تجربة الحرب البيلوبونيسية في اليونان القديمة لتفسير احتمال نشوب صراع بين قوة مهيمنة وقوة صاعدة، وغالبًا ما يستخدم في تحليل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين.

ويرى منظور أتشاريا أن إسقاط تجربة تاريخية واحدة على العلاقات الدولية المعاصرة قد يؤدي إلى إغفال نماذج أخرى من التعايش والتبادل بين القوى الكبرى، بما فيها التجارب التاريخية للعلاقات بين الهند والصين.

وبذلك يحاول الكتاب نقل دراسة العلاقات الدولية من البحث عن «قانون تاريخي واحد» إلى دراسة أكثر تعقيدًا للتفاعل بين الحضارات والمصالح والأفكار.

الملاحظة النقدية.. أين مساهمة كل حضارة؟

ورغم اتساع نطاق الكتاب وقوة أطروحته في تحدي الهيمنة الغربية على دراسة العلاقات الدولية، ترى المراجعة أن هناك نقطة ضعف تستحق التوقف عندها.

فمع التأكيد على تعدد الحضارات التي أسهمت في تشكيل النظام العالمي، لا يقدم الكتاب – بالقدر نفسه من التفصيل – تحديدًا واضحًا لما يمكن اعتباره المساهمة القابلة للنقل من كل حضارة إلى نظام عالمي شامل.

ففي حالة الهند القديمة، يناقش أتشاريا التباين بين الواقعية السياسية في فكر كاوتيليا وبين النزعة السلمية المرتبطة بالإمبراطور أشوكا، إلا أن السؤال الذي يظل مفتوحًا، بحسب المراجعة، هو: كيف يمكن تحويل هذه الأفكار التاريخية المحددة إلى مبادئ قابلة للتطبيق في بناء نظام عالمي معاصر؟

والأمر نفسه ينطبق على التقاليد السياسية والفلسفية الصينية، حيث يستعرض الكتاب جوانب من الفكر الكونفوشيوسي والتقاليد القانونية، لكنه لا يقدم دائمًا، وفق النقد المطروح، خريطة تفصيلية لكيفية ترجمة هذه الموروثات إلى مبادئ عالمية مشتركة.

هل يعني تراجع الغرب نهاية النظام العالمي؟

الإجابة التي يقدمها أتشاريا هي: لا.

فالكتاب يقوم في جوهره على الفصل بين مفهومين غالبًا ما يجري الربط بينهما: الهيمنة الغربية والحضارة العالمية.

فإذا تراجعت القوة النسبية للغرب، فهذا لا يعني بالضرورة انهيار النظام الدولي، بل يمكن أن يمثل – من وجهة نظر المؤلف – انتقالًا نحو نظام أكثر تعددًا في مراكز القوة والتأثير.

ويقدم الناشر الكتاب باعتباره دعوة إلى أن يتعلم الغرب من بقية العالم، وأن يتعاون مع «الباقين» من أجل بناء نظام عالمي أكثر إنصافًا، بدل التعامل مع صعود القوى غير الغربية باعتباره تهديدًا وجوديًا.

من «عالم غربي» إلى «عالم متعدد»

في المحصلة، يقدم «النظام العالمي الماضي والمستقبلي» قراءة واسعة لتاريخ البشرية من منظور يتجاوز الحدود التقليدية لدراسة العلاقات الدولية.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه لا يسأل فقط: من يقود العالم؟ بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: من الذي أسهم تاريخيًا في بناء الأفكار والقواعد التي جعلت وجود نظام عالمي ممكنًا؟

ومن هذه الزاوية، لا يرى أتشاريا أن المستقبل سيكون بالضرورة صراعًا بين الغرب وبقية العالم، وإنما يتوقع نظامًا أكثر تعددًا للمراكز الحضارية، تشارك فيه القوى غير الغربية بدرجة أكبر في تحديد قواعد اللعبة الدولية.

وبذلك يصبح تراجع الهيمنة الغربية – في أطروحة الكتاب – ليس نهاية للنظام العالمي، وإنما ربما بداية لمرحلة جديدة منه؛ مرحلة تستعيد فيها حضارات ومجتمعات ظلت طويلًا على هامش السردية الغربية موقعًا أكثر حضورًا في صياغة مستقبل العالم.

والكتاب، في النهاية، لا يقدم مجرد سرد تاريخي للحضارات، وإنما يحاول إعادة طرح سؤال جوهري في العلاقات الدولية: هل يمكن بناء نظام عالمي لا تكون فيه حضارة واحدة هي المعيار الذي تُقاس عليه بقية الحضارات؟

………………………………………………………………………………………………………………………………..

بيانات الكتاب ومصادر المراجعة

الكتاب: The Once and Future World Order: Why Global Civilization Will Survive the Decline of the West
المؤلف: Amitav Acharya – أميتاف أتشاريا
الناشر: Basic Books
سنة النشر: 2025
عدد الصفحات: نحو 464 صفحة في الطبعة الأمريكية.
المراجعة محل التقرير: Bo Yuan Chang، منشورة في E-International Relations بتاريخ 7 سبتمبر 2026.
المصدر الرسمي لبيانات الكتاب: Basic Books/Hachette.
بيانات الفهرسة: Google Books وChatham House.
مراجعة أكاديمية أخرى: مجلة International Affairs التابعة لجامعة أكسفورد، التي نشرت مراجعة للكتاب.

طالع المزيد: “الموجة الكوكبية الخامسة”.. كتاب جديد يستعرض تحولات الحضارة ونظام عالمي مقترح

Exit mobile version