تقرير – موقع بيان الإخباري
في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تتجمع أمام حكومته جملة من الضغوط السياسية والأمنية والدبلوماسية والاجتماعية، بدءًا من مؤشرات تراجع وضع الائتلاف الحاكم في استطلاعات الرأي، مرورًا بتصاعد الحديث عن هجرة الكفاءات، وصولًا إلى الكشف عن اتصال هاتفي مثير للجدل بين نتنياهو والرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، قبل أيام من هجوم 7 أكتوبر 2023.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحرك أوروبي غير مسبوق نسبيًا ضد المستوطنات الإسرائيلية، في خطوة تعكس اتساع الخلاف بين حكومة نتنياهو وعدد من حلفائها الغربيين.
استطلاعات الرأي.. المعارضة تقترب من تشكيل الحكومة
كان أحد أبرز المؤشرات السياسية التي استند إليها التحليل الذي قدمه الإعلامي وائل عواد، استطلاع نشرته صحيفة «معاريف» وأظهر في إحدى صوره إمكانية حصول معسكر المعارضة على 61 مقعدًا، مقابل 49 مقعدًا لائتلاف نتنياهو، وهي أرقام تعني نظريًا قدرة المعارضة على بلوغ الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة من دون الحاجة إلى أصوات الأحزاب العربية.
وسبق أن أظهرت استطلاعات أخرى خلال العام الحالي نتائج مشابهة؛ ففي يونيو الماضي أظهر استطلاع لـ«معاريف» أن المعارضة يمكن أن تصل إلى 61 مقعدًا مقابل 49 لمعسكر نتنياهو، مع حصول الأحزاب العربية مجتمعة على 10 مقاعد.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، إذ يتطلب تشكيل الحكومة الحصول على ثقة أغلبية أعضاء الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا.
ومع ذلك، فإن نتائج استطلاعات الرأي لا تعني حسم نتيجة الانتخابات مسبقًا، وإنما تعكس اتجاهات الناخبين في لحظة زمنية محددة، كما أن التحالفات الانتخابية وتجاوز الأحزاب نسبة الحسم يمكن أن يغيرا بصورة كبيرة شكل الخريطة البرلمانية.
270 ألف إسرائيلي غادروا خلال 3 سنوات
الضربة الثانية التي تثير قلقًا متزايدًا داخل إسرائيل تتعلق بالهجرة.
فقد كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة تل أبيب أن 268,509 مواطنين إسرائيليين غادروا البلاد خلال الفترة من 2023 إلى 2025 لمدة ثلاثة أشهر متواصلة على الأقل. وتشير الدراسة إلى أن العدد ارتفع بصورة واضحة مقارنة بالفترة المماثلة قبل عقد، عندما بلغ عدد المغادرين 183,219 شخصًا.
وسجل عام 2023 مغادرة 86,509 إسرائيليين، مقابل 91,499 في 2024، و90,922 في 2025، وفق البيانات التي استندت إليها الدراسة.
ولا تقتصر أهمية الظاهرة على العدد، وإنما على نوعية الفئات التي تغادر إسرائيل؛ إذ تشير الدراسة إلى زيادة الهجرة بين الأطباء وحملة الدكتوراه والمهندسين والأكاديميين وأصحاب الدخول المرتفعة والعاملين في قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة.
وتحذر الدراسة من أن استمرار هذه الاتجاهات قد يحمل تداعيات طويلة الأجل على الاقتصاد والمجتمع والأمن، خصوصًا أن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على رأس المال البشري والقطاعات كثيفة المعرفة.
الأطباء.. المؤشر الأكثر إثارة للقلق
وفي تطور أكثر تحديدًا، كشفت دراسة أخرى لجامعة تل أبيب، نشرت نتائجها في سبتمبر 2026، أن 1369 طبيبًا غادروا إسرائيل خلال الفترة من 2023 إلى 2025 لمدة عام على الأقل، بزيادة بلغت 94% مقارنة بالفترة المماثلة قبل عقد، التي شهدت مغادرة 705 أطباء.
وبحسب البيانات، غادر 419 طبيبًا في 2023، و530 في 2024، بينما تشير التقديرات الأولية إلى مغادرة نحو 420 طبيبًا في 2025.
والأكثر دلالة أن أكثر من 20% من الأطباء المغادرين خلال الفترة المذكورة كانوا في سن 45 عامًا أو أكثر، ما يعني أن جزءًا مهمًا من النزيف يطال أصحاب الخبرة المهنية، وليس فقط حديثي التخرج.
وبعد احتساب الأطباء الذين غادروا ثم عادوا بعد فترات تدريب أو تخصص في الخارج، خلصت الدراسة إلى أن إسرائيل خسرت في المتوسط نحو 255 طبيبًا سنويًا خلال الفترة محل الدراسة، وهو ما يعادل نحو خمسة أضعاف المتوسط المسجل في العقد السابق.
مفاجأة الإمارات.. اتصال قبل 7 أكتوبر
أما التطور الأكثر حساسية سياسيًا، فجاء من تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، استنادًا إلى تحقيق صحفي أُجري في إطار كتاب جديد للصحفيين شلومي إلدار وروث يوفال.
وبحسب التحقيق، أجرى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد اتصالًا هاتفيًا مع نتنياهو قبل نحو عشرة أيام من هجوم 7 أكتوبر 2023، استمر قرابة 45 دقيقة، وحذره خلاله من أن رئيس حركة حماس في قطاع غزة آنذاك، يحيى السنوار، كان يخطط لتحرك كبير قد يؤدي إلى إراقة دماء وزعزعة استقرار المنطقة والإضرار باتفاقات إبراهيم.
وتقول الرواية المنشورة إن ابن زايد كان قد تلقى معلومات من مستشار فلسطيني مقيم في أبوظبي وله اتصالات داخل قطاع غزة، وإن التحذير تضمن دعوة إسرائيل إلى الاستعداد لما وصف بأنه تطور كبير.
لكن هذه الرواية ليست حقيقة متفقًا عليها؛ فقد نفى مكتب نتنياهو بصورة قاطعة حدوث الاتصال، واعتبر التقرير «كذبة مطلقة».
وتكتسب القضية أهمية استثنائية لأنها تلامس مباشرة أحد أكثر الملفات حساسية في إسرائيل: مسؤولية القيادة السياسية والأمنية عن إخفاقات ما قبل هجوم 7 أكتوبر.
ووفق التحقيق الصحفي، لم ينقل نتنياهو مضمون التحذير إلى كبار المسؤولين الأمنيين، وهي نقطة أثارت عاصفة سياسية وإعلامية في إسرائيل، بينما يبقى إثبات تفاصيل الاتصال ومسار نقل المعلومات موضوعًا محل جدل وتحقيق.
لماذا جاء الكشف الآن؟
التوقيت يمثل عنصرًا أساسيًا في فهم التداعيات السياسية للقصة.
فإعادة فتح ملف ما إذا كانت القيادة الإسرائيلية قد تلقت تحذيرات قبل 7 أكتوبر تأتي في وقت يواجه فيه نتنياهو ضغوطًا سياسية متزايدة، بينما تحاول المعارضة تحميله المسؤولية السياسية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم وما تلاه.
وقد وصفت صحيفة «لوموند» الفرنسية الكشف الجديد بأنه تسبب في اضطراب سياسي داخل إسرائيل، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، وذكرت أن المعارضة تستخدم المعلومات الجديدة في الضغط على نتنياهو ومطالبته بتحمل المسؤولية السياسية.
ضربة دبلوماسية.. 12 دولة تتحرك ضد المستوطنات
وفي الوقت نفسه، تلقت حكومة نتنياهو ضربة دبلوماسية أخرى، بعدما أعلنت 12 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا وأيرلندا والنرويج والسويد والدنمارك وفنلندا وآيسلندا وبولندا والبرتغال، نيتها فرض أو دعم قيود تجارية على السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وأكد وزراء خارجية الدول الاثنتي عشرة في بيان مشترك، صدر في 8 سبتمبر 2026، أن الإجراءات تستهدف السلع المرتبطة بالمستوطنات التي تعتبرها الدول الموقعة مخالفة للقانون الدولي، وأنها تأتي في إطار محاولة حماية حل الدولتين.
وقالت الدول الموقعة إن الوضع في الضفة الغربية يتدهور بصورة سريعة بسبب تصاعد عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني، كما أعربت عن رفضها خطوات تعتبرها بمثابة ضم للأراضي الفلسطينية أو تهجير للسكان.
وتكشف الخطوة عن اتساع الفجوة بين حكومة نتنياهو وعدد من الدول الأوروبية والغربية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب على غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
إسرائيل ترد بإغلاق القنصلية البريطانية
وجاء الرد الإسرائيلي سريعًا؛ إذ أعلنت إسرائيل اتخاذ إجراءات ضد بريطانيا، من بينها مطالبتها بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية خلال 30 يومًا، في أعقاب العقوبات المرتبطة بالمستوطنات. كما اتخذت الحكومة الإسرائيلية إجراءات أخرى بحق مسؤولين بريطانيين.
وتشير هذه المواجهة إلى انتقال الخلاف من نطاق التصريحات السياسية إلى إجراءات دبلوماسية واقتصادية ملموسة.
التعليم.. نتائج قياسية في التراجع
ولا تتوقف الضغوط عند السياسة والاقتصاد والهجرة والدبلوماسية، إذ جاءت نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب PISA 2025 لتكشف تراجعًا حادًا في أداء الطلاب الإسرائيليين.
ووفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، جاءت نتائج إسرائيل في الرياضيات والقراءة والعلوم عام 2025 أدنى نتائج تسجلها إسرائيل في تاريخ مشاركتها في اختبارات PISA في المجالات الثلاثة، كما جاءت النتائج أقل من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الرياضيات والقراءة والعلوم.
كما ارتفعت نسبة الطلاب الإسرائيليين الذين يقعون دون مستوى الكفاءة الثاني مقارنة بعام 2015، بـ14 نقطة مئوية في الرياضيات، و14 نقطة في القراءة، وتسع نقاط في العلوم.
وهنا تصبح أزمة التعليم جزءًا من صورة أوسع؛ فإسرائيل تواجه في الوقت نفسه نزيفًا في الكفاءات العلمية والطبية، وتراجعًا في نتائج التعليم، بينما يعتمد نموذجها الاقتصادي بدرجة كبيرة على رأس المال البشري والقطاعات التكنولوجية.
ثلاث جبهات تضغط على نتنياهو
وبجمع هذه التطورات، تبدو حكومة نتنياهو أمام ثلاثة مسارات ضغط متزامنة: ضغط سياسي داخلي يتمثل في إمكانية وصول المعارضة إلى أغلبية برلمانية في بعض سيناريوهات الاستطلاعات، وضغط اجتماعي واقتصادي يتمثل في خروج مئات الآلاف من الإسرائيليين وهجرة أعداد متزايدة من أصحاب التخصصات الحيوية، وضغط خارجي يتجسد في اتساع الإجراءات الغربية ضد المستوطنات.
ويضاف إلى ذلك ملف أكثر خطورة سياسيًا، يتمثل في الرواية الجديدة بشأن التحذير الإماراتي المزعوم قبل 7 أكتوبر، وهي رواية ينفيها مكتب نتنياهو لكنها فتحت مجددًا النقاش حول ما إذا كانت القيادة السياسية الإسرائيلية قد تلقت إشارات مسبقة بشأن هجوم حماس ولم تتعامل معها بالجدية المطلوبة.
أما على مستوى التعليم، فإن نتائج PISA 2025 تقدم مؤشرًا مستقلًا على أزمة أخرى لا ترتبط مباشرة بالانتخابات، لكنها تضيف إلى النقاش بشأن قدرة الدولة على الحفاظ على رأس مالها البشري وإعداد أجيال جديدة قادرة على دعم اقتصاد يعتمد بصورة أساسية على المعرفة والتكنولوجيا.
وبذلك، فإن الصورة التي تتشكل أمام نتنياهو لا تتعلق بضربة سياسية واحدة، وإنما بتراكم أزمات داخلية وخارجية: انتخابات واستطلاعات، وهجرة كفاءات، وأزمة ثقة مرتبطة بـ7 أكتوبر، وعزلة دبلوماسية متزايدة، وتراجع في مؤشرات التعليم.
وإذا استمرت هذه الاتجاهات بالتزامن، فإن التحدي أمام نتنياهو لن يكون فقط في الحفاظ على ائتلافه السياسي، وإنما في إقناع قطاع من المجتمع الإسرائيلي بأن حكومته قادرة على معالجة أزمات تمس الأمن والاقتصاد والموارد البشرية ومكانة إسرائيل الدولية في آن واحد.
