
تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
لم تعد المنافسة على النفوذ في الشرق الأوسط تُقاس فقط بعدد القواعد العسكرية أو صفقات السلاح أو حجم الاستثمارات.
فهناك معركة أكثر هدوءًا تدور بعيدًا عن ساحات الصراع المباشر، وتتمثل في اللغة والتعليم والثقافة والإعلام والسياحة والاتصال بالأجيال الجديدة.
في هذا المجال تتحرك الصين بخطوات متدرجة لبناء حضور طويل الأمد في المنطقة، مستفيدة من قوتها الاقتصادية وشبكة علاقاتها المتنامية، ومن رغبة عدد من دول الشرق الأوسط في تنويع شراكاتها الدولية وعدم الاعتماد على قوة كبرى واحدة.
وتعرض شبكة MBN، من خلال مشروعها «مرصد النفوذ الصيني»، هذه التحركات باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لبكين لبناء نفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا يعتمد على القوة الصلبة وحدها، وإنما يراهن أيضًا على التعليم والثقافة والإعلام والتبادل البشري.
لكن قراءة هذا المسار تحتاج إلى قدر من التوازن؛ فوجود المؤسسات الصينية أو انتشار اللغة الصينية لا يعني تلقائيًا تحول المجتمعات العربية إلى مجال نفوذ صيني، كما أن النفوذ الثقافي يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يتحول من مجرد حضور مؤسسي إلى جاذبية حقيقية ومستدامة.
من «القوة الناعمة» إلى صناعة الحضور
المفهوم الذي صاغه عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي، والمعروف باسم «القوة الناعمة»، يقوم على التأثير في الآخرين من خلال الجاذبية والإقناع، بدلًا من الإكراه أو استخدام القوة.
وهنا تبدو الاستراتيجية الصينية مختلفة نسبيًا عن النموذج الأميركي التقليدي.
فبينما ارتبطت القوة الناعمة الأميركية طويلًا بالجامعات والسينما والموسيقى والمنتجات التجارية والثقافة الشعبية، تتحرك الصين بصورة أكثر تنظيمًا من أعلى إلى أسفل، عبر مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالدولة.
وبحسب «مرصد النفوذ الصيني»، فإن بكين تستهدف بصورة أساسية جعل اللغة والثقافة والرؤية الصينية أكثر ألفة لدى الجيل الجديد من النخب في الشرق الأوسط. وتنقل «الحرة» عن يون سون، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون، أن بكين تعمل أولًا على بناء عناصر الجاذبية، بحيث يأتي الفهم والقبول قبل الإعجاب والمحاكاة.
وهذه النقطة تحديدًا تكشف طبيعة التحرك الصيني؛ فالمطلوب ليس بالضرورة تحقيق تأثير سياسي مباشر وسريع، وإنما خلق بيئة يصبح فيها التعامل مع الصين وثقافتها ولغتها ونموذجها الاقتصادي أمرًا مألوفًا وطبيعيًا لدى قطاعات متزايدة من المجتمع.
معاهد كونفوشيوس.. اللغة بوابة النفوذ
تأتي معاهد كونفوشيوس في مقدمة الأدوات التي تستخدمها الصين لتوسيع حضورها الثقافي.
وبحسب بيانات «مرصد النفوذ الصيني»، يوجد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 29 معهدًا، من بينها خمسة في مصر وأربعة في تركيا، إلى جانب 41 برنامجًا لتعليم اللغة الصينية وستة مراكز ثقافية صينية.
ويعود أول معهد كونفوشيوس في المنطقة إلى بيروت عام 2006، بينما اتسع الانتشار لاحقًا ليشمل عددًا أكبر من الدول والمؤسسات التعليمية.
وتقدم الصين هذه المؤسسات باعتبارها منصات لتعليم اللغة والتبادل الثقافي والتعاون الأكاديمي، لكن هذه التجربة أثارت في بعض الدول الغربية جدلًا واسعًا بشأن طبيعة المناهج وحدود الاستقلال الأكاديمي، وهي انتقادات لا تحظى بالدرجة نفسها من الحضور في الشرق الأوسط. وتؤكد دراسات أكاديمية أن معاهد كونفوشيوس أصبحت إحدى الأدوات الأساسية في استراتيجية القوة الناعمة الصينية في المنطقة.
واللافت أن التحرك الصيني لم يعد مقتصرًا على إنشاء مراكز متخصصة؛ فتعليم اللغة الصينية بدأ يدخل إلى أنظمة تعليمية وبرامج جامعية في عدد من الدول العربية. وتشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن دولًا مثل السعودية والإمارات ومصر أصبحت جزءًا من هذا المسار، مع توسع التعاون التعليمي واللغوي الصيني في المنطقة.
وهنا تتجاوز اللغة وظيفتها التعليمية البسيطة لتصبح أداة لبناء شبكة بشرية يمكن أن تمتد آثارها لعقود، خصوصًا عندما يكون المتعلمون اليوم هم موظفي الدولة ورجال الأعمال والأكاديميين والدبلوماسيين وصناع القرار في المستقبل.
الإعلام.. النفوذ الذي لا يحتاج إلى منصة جديدة
لا تكتفي الصين بالتعليم والثقافة، وإنما تعمل أيضًا على توسيع حضورها داخل البيئة الإعلامية العربية.
وبحسب «مرصد النفوذ الصيني»، أقامت المؤسسات الإعلامية الصينية 31 شراكة إعلامية في المنطقة، خاصة في مراكز إعلامية رئيسية مثل الإمارات ومصر، بما يسمح للمحتوى الصيني بالوصول إلى الجمهور المحلي عبر منصات قائمة بالفعل بدلًا من الاعتماد على إنشاء وسائل إعلام جديدة من الصفر.
وتأتي وكالة «شينخوا» في قلب هذا النشاط، إذ تشير القراءة التي قدمتها «الحرة» إلى أن الوكالة توفر محتوى دوليًا بتكلفة منخفضة أو مجانًا في بعض الحالات، وهو ما يمنح المؤسسات الإعلامية المحلية مصدرًا إضافيًا للمحتوى.
وهنا تكمن إحدى أهم أدوات النفوذ؛ فالتأثير الإعلامي لا يتطلب بالضرورة أن يقرأ الجمهور صحيفة صينية أو يشاهد قناة صينية. يكفي أحيانًا أن تصبح المادة المنتجة في الصين جزءًا من الأخبار التي يستهلكها الجمهور عبر وسيلة إعلام محلية.
لكن هذا الحضور لا يعني أن الإعلام الصيني استطاع حتى الآن منافسة التأثير الثقافي الهائل للإعلام الغربي أو الثقافة الشعبية الأميركية. بل إن إحدى الدراسات المنشورة عام 2026 تشير إلى أن القوة الناعمة الصينية في المنطقة ما زالت تواجه فجوة بين حجم الطموح الرسمي ومستوى الجاذبية الثقافية الفعلية، وأن نجاحها طويل الأمد لا يزال محل اختبار.
من الثقافة إلى المهارة.. «لوبان» نموذج آخر
تزداد أهمية الاستراتيجية عندما تنتقل من تعليم اللغة والثقافة إلى تدريب العمالة والمهارات المهنية.
فمن خلال «ورش لوبان» التي توسعت في عدد من الدول، تربط الصين التدريب المهني بالمشروعات الاقتصادية والبنية التحتية، بحيث لا يصبح التعاون الثقافي منفصلًا عن المصالح الاقتصادية.
الفكرة هنا أكثر عمقًا من مجرد تعليم اللغة؛ فالمهندس أو الفني أو العامل الذي يتدرب على تكنولوجيا أو معدات صينية، ثم يعمل في مشروع تنفذه شركة صينية، يصبح جزءًا من منظومة اقتصادية وتقنية متصلة بالصين.
وبذلك تلتقي القوة الناعمة مع الاقتصاد في منطقة واحدة: الثقافة تفتح الباب، والتعليم يبني العلاقة، والتدريب يخلق الاعتماد المهني، والاستثمار يمنح العلاقة مضمونًا اقتصاديًا.
السياحة والطيران.. بناء علاقات خارج المؤسسات
حتى السياحة أصبحت جزءًا من هذه المعادلة.
ويشير «مرصد النفوذ الصيني» إلى زيادة المسارات الجوية المباشرة بين الصين ودول الخليج منذ عام 2023، بالتوازي مع تنامي الترويج السياحي المتبادل.
وقد تبدو الرحلات الجوية والسياحة بعيدة عن مفهوم النفوذ الجيوسياسي، لكنها في الواقع تصنع اتصالًا بشريًا متكررًا، وتزيد من معرفة الشعوب بعضها ببعض، وتخلق مصالح اقتصادية لدى شركات الطيران والفنادق وقطاع الخدمات.
وهذه هي السمة الأساسية للتحرك الصيني: عدم الاعتماد على أداة واحدة.
فالجامعة تكمل المركز الثقافي، والمركز الثقافي يكمل الإعلام، والإعلام يكمل السياحة، والتدريب يكمل الاستثمار، والاستثمار بدوره يعزز الحاجة إلى المزيد من التواصل.
مصر.. لماذا تبدو مهمة في الخريطة الصينية؟
في هذه المعادلة تبدو مصر ذات أهمية خاصة.
فهي ليست فقط أكبر الدول العربية سكانًا، وإنما تمتلك موقعًا استراتيجيًا يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر قناة السويس، فضلًا عن ثقلها السياسي والثقافي والإعلامي في العالم العربي.
ولهذا فإن وجود خمسة معاهد كونفوشيوس، وفق بيانات «مرصد النفوذ الصيني»، إلى جانب الشراكات الإعلامية والتعليمية، لا ينبغي قراءته بمعزل عن الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للعلاقات المصرية الصينية.
كما أن إدراج مصر ضمن الدول الخمس الأولى في المنطقة من حيث مشروعات «الحزام والطريق» بحسب بيانات المرصد، إلى جانب السعودية والإمارات والعراق والجزائر، يكشف أن البعد الثقافي يسير بالتوازي مع حضور اقتصادي واسع.
هل نجحت الصين بالفعل في بناء قوة ناعمة؟
هنا ينبغي التوقف أمام نقطة أساسية.
الصين نجحت بوضوح في زيادة حضورها، لكنها لم تحسم بعد معركة الجاذبية الثقافية.
فوجود المؤسسات والبرامج والشراكات يمكن قياسه بالأرقام، أما قياس مدى تحول هذه الأدوات إلى قناعة ثقافية أو سياسية طويلة الأمد فهو أكثر تعقيدًا.
وتشير دراسة منشورة في 2025 إلى أن القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبدو حتى الآن أكثر تركيزًا على التعاون التعليمي والثقافي المحدد، وأقل قدرة على خلق جاذبية ثقافية واسعة النطاق كتلك التي بنتها الولايات المتحدة على مدى عقود.
وفي المقابل، تظهر دراسة أحدث منشورة في أغسطس 2026 أن الصين وسعت بالفعل أدواتها في التعليم واللغة والإعلام والمبادرات الثقافية، وأن هذه الأدوات رفعت مستوى الظهور الصيني والارتباط بالنخب، وإن ظل تأثيرها الثقافي العميق طويل الأمد غير محسوم.
وبالتالي، فإن الأدق هو القول إن الصين تبني البنية التحتية لنفوذ ناعم محتمل، أكثر من القول إنها حسمت بالفعل معركة النفوذ الثقافي.
وهذه ربما تكون أهم نقطة في فهم الاستراتيجية الصينية.
فبكين لا تحتاج في هذه المرحلة إلى أن يصبح الشرق الأوسط «صينيًا» ثقافيًا؛ يكفي أن يصبح التعامل مع الصين أمرًا طبيعيًا، وأن تكون اللغة الصينية حاضرة في المدارس والجامعات، والمحتوى الصيني حاضرًا في وسائل الإعلام، والشركات الصينية موجودة في الاقتصاد، والطلاب والمهندسون ورجال الأعمال يتعاملون مع المؤسسات الصينية بصورة مستمرة.
عندها يصبح النفوذ نتيجة تراكمية لعلاقات صغيرة ومتعددة، وليس نتيجة قرار سياسي واحد.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تستطيع الصين تحويل هذا الحضور الثقافي والإعلامي والتعليمي إلى نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد؟
الإجابة تقودنا إلى الجانب الآخر من القصة.. فانتظرونا.
