تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
الفيلم الصينى «مطعم التنين» ليس مجرد عمل سينمائي صيني حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا داخل بلاده، بل تحول خلال أسابيع قليلة إلى ما يمكن أن نصفه بـ “حالة ثقافية وسياسية” بعد أن صار مادة مغرية على النقاش حول الطريقة التي تريد بها الصين أن تقدم نفسها إلى العالم، وحول قدرة السينما الصينية على إنتاج رواية مختلفة عن الحروب التي ظلت لعقود طويلة أسيرة السردية الهوليوودية.
في الوقت نفسه، يمكن أن نرصد أن الفيلم تحول من نجاح جماهيري داخل الصين إلى اختبار حقيقي أمام الجمهور الدولي، بالتزامن مع طرحه خارج البلاد في 11 سبتمبر الجارى.
وقبل أن نخوض رحلتنا مع الفيلم هناك نقطة مهمة نلفت إليها وهى أن الاسم الإنجليزي الرسمي المتداول هو Once Upon a Time in the Middle East، بينما الاسم الصيني هو 欢迎来龙餐馆، ويمكن تقديمه عربيًا بصيغة «مرحبًا بكم في مطعم التنين» أو اختصارًا «مطعم التنين».
الصين تتذكر حرب العراق من باب السينما
والفيلم، الذي أخرجه ون مو يي وبطولة شِن تِنج، بدأ عرضه في دور السينما الصينية في 11 أغسطس 2026، وتدور أحداثه في أجواء حرب العراق في مطلع القرن الحالي، من خلال قصة الطاهي الصيني «شو فو» الذي يسافر إلى الشرق الأوسط للعمل في مطعم صيني، قبل أن يجد نفسه وسط الحرب وما تفرزه من عنف وفوضى وانهيار للحياة اليومية.
وبحلول 9 سبتمبر، تجاوزت إيرادات الفيلم داخل الصين 2.1 مليار يوان، بعد 30 يومًا فقط من بدء عرضه، مع أكثر من 57.8 مليون مشاهد، وفق بيانات منصتي «ماويان» و«تاوبياو».
وهذا النجاح يجعل الفيلم واحدًا من أبرز أفلام الصين التجارية في 2026، لكنه لا يعني أنه أصبح «الفيلم الأعلى إيرادًا في تاريخ الصين»؛ فهذه العبارة المتداولة في بعض الصياغات تحتاج إلى تدقيق، مثل أن الفيلم تجاوز 21 مليار يوان؟ لا؛ الرقم الصحيح هو 21.0 مليار؟ أيضًا لا. الرقم هو 21.0 مائة مليون يوان، أي نحو 2.1 مليار يوان. وهذا فارق مهم عند النقل الصحفي.
قصة الحرب من داخل مطعم
قوة الفيلم لا تأتي فقط من موضوع حرب العراق، وإنما من زاوية النظر إليها.
فبدلًا من وضع الجنرال أو الجندي أو صانع القرار في مركز الأحداث، يجعل الفيلم من مطعم صغير نافذة على الحرب.
الطاهي الصيني لا يملك جيشًا ولا سلاحًا ولا قرارًا سياسيًا، إنه شخص عادي يحاول كسب المال وتسديد ديونه والعيش في مكان بعيد عن بلاده، لكن الحرب تقتحم حياته وتدفعه إلى التعامل مع جنود أميركيين وسكان محليين ومسلحين وأطفال يتعرضون للخطر.
وتكشف هذه الزاوية اختلافًا واضحًا عن النموذج التقليدي لأفلام الحرب الأميركية، التي كثيرًا ما تجعل المعركة والمواجهة العسكرية والبطل الفرد عناصر مركزية في القصة.
أما «مطعم التنين» فيقدم الحرب من خلال الطعام، والخوف، وانقطاع الكهرباء، ونقص الاحتياجات، والأطفال، والبحث عن مكان آمن.
وفي قراءة نشرتها شبكة CGTN، جرى التركيز على أن الفيلم لا يقدم بطله بوصفه محاربًا خارقًا، وإنما باعتباره طاهيًا يحاول ببساطة أن يجعل الناس قادرين على الاستمرار في الحياة وسط الحرب.
وهنا تكمن الرسالة الأساسية التي يمكن قراءتها وراء الفيلم: الحرب تُقاس أيضًا بما تفعله بالحياة اليومية، وليس فقط بمن ينتصر عسكريًا.
من الواقع إلى الشاشة
الفيلم ليس قصة خيالية منفصلة تمامًا عن الواقع، حيث تشير المصادر الصينية وتقارير صحفية عدة إلى أن السيناريو استلهم تجارب حقيقية لعدد من الصينيين الذين عاشوا في العراق خلال سنوات الحرب، ومن بينهم رجال أعمال صينيون أداروا مطاعم في بغداد.
لكن من المهم عدم التعامل مع شخصية «شو فو» باعتبارها سيرة حرفية لشخص واحد؛ فالشخصية السينمائية تجمع عناصر من تجارب عدة، ثم يعيد السيناريو تشكيلها دراميًا.
ومن أبرز القصص التي ارتبطت بإلهام الفيلم تجربة الصيني ليو لي وشريكه شواي شيويه جون، اللذين افتتحا مطعمًا صينيًا في بغداد بعد حرب 2003، إلى جانب تجربة تشن شيان تشونغ الذي ارتبطت قصته بإيواء أشخاص في مطعمه خلال سنوات الحرب.
وبذلك تصبح القصة السينمائية امتدادًا لذاكرة صينية عن وجود مواطنيها في مناطق الصراع، وليس مجرد إعادة إنتاج صينية لحرب العراق من منظور عسكري.
لماذا حرب العراق تحديدًا؟
اختيار العراق ليس تفصيلًا عابرًا.
فالحرب التي قادتها الولايات المتحدة عام 2003 لا تزال من أكثر الأحداث إثارة للجدل في النظام الدولي المعاصر، كما أنها تمثل بالنسبة لقطاعات واسعة من العالم العربي نموذجًا للتدخل العسكري الأميركي وتبعاته الإنسانية والسياسية.
وعندما تعيد الصين تقديم تلك الحرب إلى جمهور عالمي من خلال فيلم جماهيري، فإنها تدخل بصورة غير مباشرة إلى واحدة من أكثر الذكريات السياسية حساسية في الشرق الأوسط.
لكن الفيلم لا يقدم نفسه باعتباره وثيقة سياسية أو بيانًا رسميًا ضد الولايات المتحدة، وهذه نقطة مهمة، فبدلًا من أن يقول بصورة مباشرة إن «أميركا هي الشر»، يجعل المشاهد يرى نتائج الحرب من خلال حياة الأشخاص العاديين.
وهذه الطريقة قد تكون أكثر تأثيرًا من الخطاب السياسي المباشر، لأنها تسمح للرسالة بالمرور من خلال التعاطف الإنساني.
«الدبلوماسية عبر مطعم التنين»
اللافت أن النقاش حول الفيلم لم يبق داخل الصين، فمجلة The Economist استخدمت في تناولها للفيلم تعبير «دبلوماسية مطعم التنين»، في إشارة إلى ما اعتبرته نموذجًا صينيًا يقوم على التجارة والبراغماتية والحفاظ على العلاقات مع أطراف مختلفة بدلًا من بناء السياسة الخارجية حول التحالفات الأيديولوجية الصلبة.
التعبير نفسه أثار ردودًا صينية واسعة، بعدما اعتبرت وسائل الإعلام الرسمية الصينية أنه يقدم قراءة غربية متعالية للسياسة الصينية، بينما رأت وسائل إعلام وتحليلات أخرى أن الفيلم يوفر بالفعل نافذة لفهم الطريقة التي تريد بها الصين تقديم صورتها للعالم.
وهنا يتحول الفيلم من منتج ترفيهي إلى موضوع في حرب الروايات، فالصين تقول، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إن رؤيتها للعالم لا تقوم فقط على القوة العسكرية أو الصراع الأيديولوجي، وإنما على التجارة والتنمية والتعايش والأمن والحياة اليومية.
لكن المنتقدين يطرحون سؤالًا مختلفًا: هل هذه الرسالة تعكس بالفعل سياسة خارجية صينية، أم أن تحويل الفيلم إلى أداة للقوة الناعمة هو قراءة سياسية لاحقة لنجاح عمل فني؟
والإجابة الأقرب للموضوعية هي أن الأمرين يمكن أن يتعايشا.
جزء من القوة الناعمة الصينية
هل الفيلم جزء من القوة الناعمة الصينية؟.. الإجابة نعم، ولكن مع تحفظ مهم، وهو أن نجاح الفيلم لا يثبت وحده أن الصين أصبحت تمتلك قوة ناعمة تضاهي القوة الأميركية، لكنه يقدم دليلًا جديدًا على أن السينما الصينية بدأت تتحرك بصورة أكثر ثقة نحو الجمهور العالمي، وبموضوعات ذات دلالة دولية.
وهذا يختلف عن مجرد تصدير فيلم تجاري.
الفيلم يتحدث عن حرب يعرفها العالم، ويستخدم لغة إنسانية يمكن للجمهور في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا والغرب فهمها، ثم يضع شخصية صينية في قلب القصة.
وهذه بالضبط إحدى وظائف القوة الناعمة: أن تجعل الآخرين يتعرفون إلى البلد من خلال قصصه وشخصياته وقيمه، وليس فقط من خلال حكومته أو اقتصاده.
واللافت أن النقاش الإعلامي نفسه يؤكد وصول الفيلم إلى مساحة كانت السينما الصينية نادرًا ما تشغلها بهذا الحجم.
فـ«ساوث تشاينا مورنينغ بوست» ربط الفيلم صراحة بمساعي القوة الناعمة الصينية، معتبرًا أن العمل يمثل محاولة لإيصال رسالة بكين إلى جمهور أوسع، خصوصًا أنه يعيد سرد حرب العراق من خلال عيون صينية.
منافسة هوليوود
لكن.. هل يستطيع الفيلم منافسة هوليوود؟.. هنا ينبغي عدم المبالغة، فنجاح «مطعم التنين» داخل الصين ضخم، لكن القوة الناعمة تُقاس خارج الحدود الوطنية أكثر مما تُقاس في السوق المحلية.
والفيلم يخاطب في الداخل جمهورًا يعرف نجومه وثقافته وسياقه، بينما تبدأ المعركة الحقيقية مع طرحه في الخارج، ولهذا فإن إطلاق الفيلم في الأسواق الأجنبية ابتداءً من 11 سبتمبر 2026 يمثل اختبارًا مهمًا.
وتشير بيانات الإصدار إلى بدء عرضه في أستراليا وماليزيا ونيوزيلندا في 11 سبتمبر، مع مواعيد لاحقة في سنغافورة وهونغ كونغ وماكاو واليابان.
والتزامن مع ذكرى هجمات 11 سبتمبر يمنح الفيلم، بحكم موضوعه المرتبط بالحرب التي أعقبت هجمات 2001، سياقًا رمزيًا بالغ الحساسية، حتى لو لم يكن ذلك بالضرورة دليلًا على أن موعد الطرح اختير لأهداف سياسية.
الرسالة الصينية.. «الحياة أولًا»
ربما تكون أكثر الرسائل وضوحًا في الفيلم هي أن الصين تريد تقديم نفسها باعتبارها قوة تضع الحياة والتنمية والاستقرار في مقدمة خطابها الخارجي.
الشعار الذي يبرز في القراءة الصينية للفيلم هو «الأكل جيدًا وتربية الأطفال جيدًا»، وهي عبارة بسيطة للغاية، لكنها تتحول داخل سياق الحرب إلى تصور كامل للسلام.
فالسلام، وفق هذه الرؤية، ليس فقط توقيع اتفاقية أو وقف إطلاق النار، وإنما أن يستطيع الإنسان أن يأكل، وأن يعمل، وأن يحمي أسرته وأطفاله، وأن يعيش دون خوف من القصف أو الخطف أو انهيار الدولة.
هذه الرسالة تتقاطع بصورة واضحة مع الخطاب الصيني الرسمي الذي يركز منذ سنوات على التنمية والاستقرار والتعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
لكن هنا أيضًا ينبغي الحذر من مساواة الفيلم تلقائيًا بالسياسة الرسمية؛ فالفيلم عمل فني له مخرج وكتاب وممثلون وجمهور، وإن كان نجاحه قد سمح بتحويله إلى جزء من نقاش أوسع حول صورة الصين في العالم.
صعود أدوات القوة الناعمة الصينية
سؤال آخر يجب طرحه وهو: هل يمثل «مطعم التنين» صعودًا للقوة الناعمة الصينية؟
الإجابة الأدق: إنه مؤشر على صعود أدوات القوة الناعمة الصينية، وليس دليلًا نهائيًا على اكتمالها.
هناك ثلاثة مستويات يجب الفصل بينها.
الأول: النجاح التجاري.. والفيلم تجاوز 2.1 مليار يوان في الصين خلال شهر واحد تقريبًا، وهو رقم يؤكد قدرته على الوصول إلى جمهور محلي واسع.
الثاني: قابلية تصدير الرواية، والفيلم يتناول حربًا دولية معروفة، ويضع شخصيات صينية في قلب أحداثها، ثم يدخل الأسواق الخارجية. وهذا يوسع المجال الذي تستطيع فيه السينما الصينية تقديم روايتها.
الثالث: التأثير في الجمهور الأجنبي، وهذا هو الاختبار الأصعب، ولم يُحسم بعد.
فإذا حقق الفيلم حضورًا جماهيريًا ونقديًا خارج الصين، وخصوصًا في الشرق الأوسط والدول النامية والأسواق الغربية، فسيصبح من الصعب اعتباره مجرد نجاح محلي.
أما إذا ظل تأثيره الأساسي محصورًا في الصين والجمهور الصيني والدوائر المهتمة بالصين، فسيكون نجاحًا سينمائيًا كبيرًا أكثر منه اختراقًا حقيقيًا للقوة الناعمة.
المفارقة: الفيلم نفسه أصبح رسالة
ثمة مفارقة مهمة في قصة «مطعم التنين»، وهى أن الفيلم يحكي عن صينيين وجدوا أنفسهم وسط حرب لم يصنعوها، لكنه في الوقت نفسه يخرج من الصين إلى العالم في لحظة تتزايد فيها المنافسة بين بكين وواشنطن على النفوذ والروايات.
وبالتالي فإن مجرد وصول الفيلم إلى دور السينما الأجنبية يخلق مساحة للصين كي تحكي قصة عن نفسها، وعن الشرق الأوسط، وعن الحرب، من خارج المنظور الهوليوودي التقليدي.
وهذا في حد ذاته شكل من أشكال القوة الناعمة، لكن القوة الناعمة لا تنجح بمجرد أن تكون الرسالة موجودة؛ بل عندما يقبل الجمهور الأجنبي الرسالة باعتبارها مقنعة أو مؤثرة أو جديرة بالتعاطف.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لـ«مطعم التنين».
طالع المزيد: حرب الهند وباكستان تنتقل إلى اليابان.. ضرب القوة الناعمة لإسلام آباد فى طوكيو
