كتب: عاطف عبد الغنى
حذّر مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي «GAO» من أن تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين يفرض تحديات متزايدة على واشنطن، لا سيما في المجالات الاقتصادية والدفاعية والتكنولوجية، مؤكدًا أن بكين لم تعد مجرد شريك تجاري رئيسي، بل تحولت إلى منافس استراتيجي واسع التأثير يهدد مصالح أمريكية حيوية.
وأوضح المكتب، في ملف رسمي بعنوان «العلاقات الأمريكية–الصينية» منشور على موقعه، أن الممارسات الاقتصادية الصينية التي تصفها واشنطن بأنها ضارة وغير عادلة، تشمل التجارة في السلع غير المشروعة، واستخدام العمالة القسرية، وسرقة التقنيات الحساسة، وهي ممارسات ترى المؤسسات الأمريكية أنها تمثل مخاطر على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكيين.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة الأمريكية تستخدم مجموعة من الأدوات للحد من هذه المخاطر، بينها القيود على الصادرات، والرسوم الجمركية، وقيود الاستيراد، إلى جانب إجراءات تستهدف منع وصول الصين إلى تقنيات متقدمة يمكن استخدامها في تطوير قدراتها العسكرية.
مخاطر على التفوق العسكري وسلاسل الإمداد
بحسب مكتب المساءلة الحكومية، فإن التطور العسكري والتكنولوجي الصيني، خصوصًا في المجالات ذات الاستخدام المزدوج، قد يحد من قدرة الولايات المتحدة على ضمان تفوقها أو حرية وصولها إلى مجالات استراتيجية تشمل الجو والفضاء والفضاء السيبراني والبحار.
ولفت التقرير إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية تعتمد على شبكة عالمية من الموردين لإنتاج منظومات الأسلحة، فضلًا عن توفير منتجات غير قتالية، مثل البطاريات ومعدات التصنيع. إلا أن الاعتماد على موردين أجانب في بعض المواد الأساسية يمثل، وفقًا للوزارة، خطرًا على الأمن القومي، إذ يمكن للدول الموردة أن تقطع إمدادات مواد ضرورية تدخل في تصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية.
وضرب المكتب مثالًا بالقيود التي فرضتها الصين عام 2024 على تصدير معدني الجاليوم والجرمانيوم، وهما عنصران أساسيان في تصنيع الإلكترونيات المستخدمة في التطبيقات العسكرية المتقدمة.
وأشار إلى أن قاعدة البيانات الحكومية الأمريكية الرئيسية الخاصة بالمشتريات لا توفر رؤية كافية حول أماكن تصنيع منظومات الأسلحة أو السلع غير القتالية، ولا توضح بصورة دقيقة ما إذا كان موردو المواد وقطع الغيار أمريكيين أم أجانب، الأمر الذي يزيد صعوبة تقييم المخاطر الحقيقية داخل سلاسل الإمداد الدفاعية.
قيود التكنولوجيا.. واشنطن تحاول إبطاء صعود الصين
أفاد التقرير بأن الولايات المتحدة كثفت استخدام ضوابط التصدير لمواجهة مخاطر الأمن القومي، عبر تقييد تصدير المنتجات والتقنيات الحساسة ذات الاستخدام المزدوج، مثل أشباه الموصلات المتقدمة وأجهزة الرادار، التي يمكن استخدامها في التطبيقات المدنية والعسكرية على حد سواء.
وأشار إلى أن واشنطن فرضت قيودًا على بعض صادرات التكنولوجيا إلى الصين، بسبب مخاوف من مساهمتها في تطوير أنظمة عسكرية متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتتولى مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأمريكية «BIS» إصدار تراخيص التصدير، بعد مراجعتها من جانب وزارات الخارجية والدفاع والطاقة. غير أن مكتب المساءلة الحكومية رأى أن تنامي حجم العمل يفرض على المكتب تقييم احتياجاته المستقبلية من الموظفين والقوى العاملة، فضلًا عن تحسين تبادل المعلومات والتنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى.
مبادرة الحزام والطريق.. تفوق صيني في النفوذ والبنية التحتية
وفي المجال الدولي، أشار التقرير الأمريكي إلى أن مبادرة الصين «الحزام والطريق» تعد أكبر برنامج لتمويل البنية التحتية في العالم، إذ تشمل تمويل الطرق والموانئ ومشروعات النقل والطاقة في دول عديدة.
ووصف المكتب المبادرة بأنها الأداة الرئيسية للسياسة الخارجية الصينية، والتي تستهدف تعزيز مكانة بكين ونفوذها العالميين.
ووفق الأرقام الواردة في التقرير، قدمت الصين منذ عام 2013 أكثر من 680 مليار دولار لتمويل مشروعات البنية التحتية في قطاعات النقل والطاقة، مقابل نحو 76 مليار دولار قدمتها الولايات المتحدة للقطاعات نفسها.
ويرى خبراء، بحسب التقرير، أن واشنطن تحتاج إلى تطوير أدواتها في مجال المساعدات الخارجية وتمويل مشروعات البنية التحتية الدولية، بما في ذلك جذب استثمارات أكبر من القطاع الخاص، حتى تتمكن من منافسة الحضور الصيني المتزايد في الدول النامية والأسواق الناشئة.
الاستثمارات الصينية داخل الولايات المتحدة
تطرق التقرير كذلك إلى المخاطر المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية في الشركات الأمريكية. فعلى الرغم من أن الاستثمارات الأجنبية تسهم في دعم الاقتصاد وتوفير فرص العمل، فإنها قد تمنح مستثمرين أجانب إمكانية الوصول إلى بيانات حساسة أو تقنيات ومعلومات ذات قيمة استراتيجية.
وتتولى لجنة حكومية أمريكية مشتركة بين الوكالات مراجعة بعض الاستثمارات الأجنبية، وإبرام اتفاقات مع الشركات المعنية لمعالجة مخاطر الأمن القومي.
لكن مكتب المساءلة الحكومية أشار إلى أن عدد هذه الاتفاقات تضاعف أربع مرات خلال العقد الأخير، بالتزامن مع زيادة أعباء المتابعة والتنفيذ، في وقت لا تزال فيه آليات اتخاذ قرارات الإنفاذ داخل اللجنة غير واضحة بما يكفي.
الدفاع الأمريكي أمام تحديات الصين
أكد التقرير أن استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2022 أعطت الأولوية لردع أي عدوان صيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ورأى أن الصين نجحت في تحويل جيشها من قوة كانت توصف سابقًا بالتقادم إلى قوة قادرة على تحدي الجيش الأمريكي في مجالات متعددة، وهو ما يفرض على وزارة الدفاع الأمريكية اتخاذ إجراءات لتحسين استعدادها، من بينها تعزيز الأمن السيبراني، ومعالجة مشكلات الصيانة المرتبطة بمقاتلات F-35 وسفن البحرية الأمريكية.
ويعكس ذلك، وفق التقرير، أن المنافسة مع الصين لم تعد تقتصر على حجم القوات أو عدد الأسلحة، وإنما تشمل جاهزية المعدات، وقدرة سلاسل الإمداد، والأمن التكنولوجي، والبنية الصناعية التي تقوم عليها القوة العسكرية الأمريكية.
الأدوية.. اعتماد أمريكي على التصنيع الصيني
امتدت المخاوف الأمريكية إلى قطاع الصناعات الدوائية. فقد أشار التقرير إلى أن الصين كانت، في عام 2021، من بين الدول التي تضم أكبر عدد من المنشآت التي تصنع أدوية موجهة إلى السوق الأمريكية.
وتتولى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية «FDA» تفتيش منشآت تصنيع الأدوية داخل الولايات المتحدة وخارجها للتأكد من سلامة المنتجات وفعاليتها. غير أن الإدارة أوقفت مؤقتًا معظم عمليات التفتيش على المنشآت الأجنبية في مارس 2020 بسبب جائحة كورونا.
ورغم استئناف عمليات التفتيش في الصين ودول أخرى، فإن الإدارة لا تزال تواجه تراكمًا في جدول التفتيش، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على مراقبة سلاسل توريد الأدوية الأجنبية بصورة مستمرة، خاصة في ظل تنامي الاعتماد على التصنيع الخارجي.
علاقة اقتصادية لا يمكن قطعها بسهولة
يعكس التقرير الأمريكي مفارقة أساسية في العلاقة بين واشنطن وبكين؛ فالولايات المتحدة تعتبر الصين منافسًا استراتيجيًا ومصدرًا لمخاطر اقتصادية وأمنية، لكنها في الوقت نفسه شريك تجاري رئيسي يصعب الاستغناء عنه بصورة كاملة.
ولهذا لا يتجه النهج الأمريكي إلى قطع العلاقات الاقتصادية بشكل شامل، بل إلى تقليص المخاطر عبر ضوابط تصدير أكثر صرامة، وقيود على الاستثمارات، وإعادة تقييم سلاسل الإمداد، وتشجيع التصنيع المحلي، والحد من الاعتماد على الصين في القطاعات الحساسة.
ويكشف ملف مكتب المساءلة الحكومية أن المنافسة الأمريكية–الصينية أصبحت متعددة الجبهات، وتشمل التجارة والتكنولوجيا والمواد الخام والدفاع والاستثمارات والبنية التحتية والصناعات الدوائية، بما يجعلها صراعًا طويل الأمد على النفوذ والقدرة الإنتاجية والأمن القومي.
………………………………………………………………………………………………………………………………..
المصدر الأصلي: مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي Government Accountability Office – GAO، ملف «U.S.–China Relations»، المنشور على الموقع الرسمي للمكتب.
