جنود مصر في شوارع نيقوسيا.. وإسرائيل تحاول ضرب “فتيل” للتعكير

مشاركة عسكرية مصرية للمرة الأولى في عرض استقلال قبرص.. والقاهرة تتمسك بعلاقاتها مع أنقرة وأثينا ونيقوسيا في آن واحد

كتب: عاطف عبد الغنى

تستعد عناصر من القوات المسلحة المصرية للمشاركة للمرة الأولى في العرض العسكري الذي يقام في العاصمة نيقوسيا بمناسبة عيد استقلال جمهورية قبرص في الأول من أكتوبر المقبل، في مشهد يحمل دلالة سياسية وعسكرية تتجاوز المناسبة الاحتفالية نفسها.

وأكد الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس أن حرس شرف مصريًا سيشارك في العرض، فيما أفادت صحيفة «Cyprus Mail» بأن أفرادًا من القوات المسلحة المصرية سيشاركون إلى جانب الحرس الوطني القبرصي، ضمن عرض يشارك فيه أيضًا أفراد الحرس الوطني وضباط يونانيون من القوة اليونانية المتمركزة في الجزيرة «ELDYK». وتعد المشاركة المصرية الأولى من نوعها في هذا العرض.

لماذا الآن؟

الإجابة لا تكمن في العرض العسكري وحده، وإنما في سلسلة من التطورات المتلاحقة التي سبقت الإعلان.

ففي أبريل الماضي، اتفقت مصر وقبرص على تعزيز التعاون الدفاعي، بما يشمل تعميق العلاقات بين القوات المسلحة، وتبادل الخبرات بين المؤسسات والكليات العسكرية، وتوسيع التعاون بين الصناعات الدفاعية، إلى جانب إنشاء لجنة مشتركة للتعامل مع ملفات التعاون العسكري والتحديات الدفاعية المشتركة.

ثم جاءت قمة العلمين الثلاثية في 8 سبتمبر، التي جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، لتؤكد استمرار آلية التعاون الثلاثي بين القاهرة وأثينا ونيقوسيا، مع التركيز على الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.

وفي القمة، شدد القادة الثلاثة على أهمية احترام القانون الدولي وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية، كما أكدوا أن اتفاقات ومذكرات ترسيم الاختصاصات البحرية يجب أن تتوافق مع القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

ولم تتوقف الرسائل عند المستوى السياسي؛ فبعد أيام قليلة فقط، شاركت قبرص إلى جانب مصر واليونان وفرنسا وإيطاليا في تدريبات «ميدوسا» العسكرية جنوب جزيرة كريت، بمشاركة قطع بحرية وطائرات مقاتلة، في منطقة ترتبط أيضًا بتداخل المطالب البحرية التركية في شرق المتوسط.

هل تستهدف الرسالة تركيا؟

هنا يجب التمييز بين ما تقوله القاهرة رسميًا وما يمكن قراءته سياسيًا من المشهد، فالبيان المشترك لقمة العلمين لم يقدم التعاون المصري القبرصي اليوناني باعتباره تحالفًا عسكريًا موجّهًا ضد دولة بعينها، ولم يسمِّ تركيا في هذا السياق، بل قدم الشراكة باعتبارها إطارًا للتعاون والاستقرار والأمن والطاقة واحترام السيادة والقانون الدولي.

وتشير تحليلات إقليمية إلى أن القاهرة تحاول الحفاظ على هذا الإطار حتى مع تحسن علاقاتها مع أنقرة.

وهذا التفصيل مهم؛ لأن العلاقات المصرية التركية شهدت خلال السنوات الأخيرة مسارًا متدرجًا نحو التطبيع، بينما تحتفظ القاهرة في الوقت نفسه بعلاقات استراتيجية وثيقة مع اليونان وقبرص.

ومن ثم، فإن مشاركة القوات المصرية في عرض نيقوسيا لا تعني بالضرورة أن مصر تعيد بناء محور عسكري موجه ضد تركيا، لكنها تقدم دليلًا عمليًا على أن تحسن العلاقات المصرية التركية لم يؤد إلى التخلي عن الشراكات القائمة في شرق المتوسط.

وهنا تكمن خصوصية الموقف المصري: القاهرة لا تبدو راغبة في تحويل علاقتها مع أي طرف إلى قطيعة مع طرف آخر، بل تسعى إلى الاحتفاظ بمساحات حركة متعددة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

شبكة مصالح

اللافت في التطورات الأخيرة أن التعاون المصري اليوناني القبرصي لم يعد محصورًا في الحسابات العسكرية أو الخلافات البحرية، بل أصبح أكثر ارتباطًا بمصالح اقتصادية طويلة الأجل.

فمصر واليونان تدفعان مشروع الربط الكهربائي «GREGY»، بينما تعمل القاهرة وقبرص على تطوير مسار نقل الغاز القبرصي إلى البنية التحتية المصرية، تمهيدًا لمعالجته وإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية. كما أكدت القمة أهمية أمن الطاقة بوصفه أحد المحاور الرئيسية للشراكة الثلاثية.

وبذلك تتجاوز العلاقة فكرة «تحالفات ظرفية» إلى شبكة من المصالح في الطاقة والبنية التحتية والتجارة والأمن، وهي مصالح يصعب فصلها عن الحسابات الجيوسياسية في شرق المتوسط.

كما اتفقت الدول الثلاث على مواصلة العمل لإنشاء أمانة دائمة لآلية التعاون الثلاثي، يكون مقرها في نيقوسيا، بما يمنح هذا الإطار قدرًا أكبر من المؤسسية والاستمرارية.

ماذا تقول الصحافة الإسرائيلية؟

وكالعادة وفى تعبير عن الغيرة، ومحاولة لضرب “فتيل” وتعكير الأجواء تناولت الصحافة الإسرائيلية هذا التطور فى العلاقات باعتباره ذا دلالة استراتيجية، وللتعكير ربطت صحيفة «معاريف» المشاركة المصرية المرتقبة بتاريخ حادث مطار لارنكا الذى وقع عام 1978، الذى قتل فيه يوسف السباعى معتبرة أن ظهور قوات مصرية في عرض استقلال قبرص يحمل رمزية تتجاوز البروتوكول. كما تناولت المسألة في سياق العلاقات المتغيرة بين مصر وتركيا والتعاون المصري اليوناني القبرصي.

لكن من المهم عدم تحويل قراءة الصحافة الإسرائيلية إلى موقف رسمي مصري أو قبرصي؛ فهي تفسير إعلامي للمشهد، بينما تؤكد البيانات الرسمية أن التعاون الثلاثي يقوم على الاستقرار والأمن والطاقة والقانون الدولي.

القاهرة تلعب على أكثر من مسار

المغزى الأوسع للتحرك المصري هو أن القاهرة لا تتعامل مع شرق المتوسط بمنطق الاصطفاف الكامل مع طرف في مواجهة آخر.

ففي الوقت الذي تطور فيه مصر علاقاتها مع تركيا، فإنها تحافظ على شراكاتها مع اليونان وقبرص، وتشارك في تدريبات عسكرية متعددة الأطراف، وتعمل في الوقت نفسه على ملفات الطاقة والربط الكهربائي والهجرة والتجارة.

وتكشف هذه السياسة عن محاولة للحفاظ على هامش مناورة استراتيجي يسمح لمصر بالتعامل مع أطراف متنافسة دون تحويل علاقاتها مع أحدهم إلى التزام بمواجهة الآخر.

ولهذا فإن مشهد الجنود المصريين في نيقوسيا، إذا نظر إليه منفردًا، قد يبدو مجرد مشاركة رمزية في مناسبة وطنية؛ لكن وضعه داخل سلسلة التطورات الأخيرة يجعله أكثر أهمية: تعاون دفاعي متنامٍ مع قبرص، قمة ثلاثية في العلمين، تدريبات «ميدوسا»، مشروعات طاقة عابرة للحدود، وإطار مؤسسي يجري تطويره بين القاهرة وأثينا ونيقوسيا.

لكن الأهم أن القاهرة لا تقدم هذا التطور باعتباره إعلانًا عن حلف عسكري جديد ضد تركيا. الرسالة المصرية، وفق ما تعكسه البيانات الرسمية، أقرب إلى تثبيت شبكة من الشراكات والمصالح في شرق المتوسط مع الاحتفاظ بعلاقات مفتوحة مع مختلف القوى الإقليمية.

ومن هنا، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت مصر قد اختارت أثينا ونيقوسيا ضد أنقرة، وإنما كيف استطاعت القاهرة أن تحافظ على تعاونها الاستراتيجي مع اليونان وقبرص، في الوقت الذي تطور فيه علاقاتها مع تركيا؟

الإجابة تبدو في السياسة المصرية القائمة على الفصل بين الملفات: تعاون مع تركيا حيث توجد المصالح المشتركة، وشراكة مع اليونان وقبرص حيث توجد المصالح الاستراتيجية، مع الاحتكام في قضايا الخلاف إلى القانون الدولي والوسائل الدبلوماسية.

وهكذا قد يكون عرض نيقوسيا المقبل أقل تعبيرًا عن ولادة «حلف عسكري» جديد، وأكثر تعبيرًا عن مرحلة جديدة من التوازن المصري في شرق المتوسط؛ مرحلة تجمع بين القوة العسكرية، والمصالح الاقتصادية، والقانون الدولي، والدبلوماسية متعددة الاتجاهات.

طالع المزيد: رئيس قبرص يؤكد دعم مصر ودورها في استقرار المنطقة

زر الذهاب إلى الأعلى