الوضع الاجتماعي للعاملات في البغاء في مصر في النصف الأول من القرن العشرين
.. قراءة لاستخلاص العبر

سردية يكتبها: محمد سليمان
في الآونة الأخيرة يخرج علينا بعض الأشخاص بين فينة وأخرى بأفكار ودعوات هدامة لا تمت بصلة لتعاليم شرعنا الحنيف.
فبالأمس القريب خرجت علينا إحدى المحاميات تنادي بتقنين العمل بالجنس التجاري (البغاء)، وما إن انتشر كلام تلك المحامية إلا وكان هناك سيلٌ من الهجوم عليها على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المختلفة، وقد قامت نقابة المحامين بالتحقيق مع المذكورة.
ولم تكن تلك المحامية هي الوحيدة التي طالبت بتقنين تلك المهنة القميئة؛ فمن قبلها خرجت علينا المخرجة المصرية إيناس الدغيدي في أحد البرامج المصرية تدعو إلى تقنين مهنة الدعارة في مصر، وتعرضت حينها لنقد شديد حتى إن أحد المحامين تزايد في الهجوم عليها فرفع دعوى تفريق بينها وبين زوجها!
الدعوة التي أطلقتها تلك المحامية ومن قبلها تلك المخرجة بحجة أن في ذلك مصلحة قصوى للمجتمع وللعاملات في مهنة البغاء، تجعلنا في أشد الحاجة للرجوع إلى الوراء قليلًا لنقرأ التاريخ ولنتعلم من أخطائنا بدلاً من أن ندفن رؤوسنا في الرمال، وذلك بتسليط الضوء على حال العاملات في مهنة البغاء في مصر في النصف الأول من القرن العشرين لنضع المجتمع أمام مرآة يرى فيها نفسه خلال تلك الفترة ليتجنب الوقوع في أخطاء الماضي القريب.
التساؤل الذي نود أن نطرحه: هل كان تقنين مهنة البغاء في مصر في ذلك الوقت فيه مصلحة للمجتمع المصري وللعاملات بتلك المهنة؟
هذا ما سنجيب عنه ضمناً من خلال عرضٍ تاريخي موجز لوضع العاملات في مهنة البغاء في تلك الفترة المظلمة من تاريخ البلاد.
كانت مهنة البغاء في مصر تقوم على ثلاثة أضلاع أساسية في صورة الهرم الوظيفي:
-
في قاعدة الهرم تأتي “المقطورة”، وهو اللفظ الذي كان يطلق على المومس حينها.
-
في منتصف ذلك الهرم تأتي “البدرونة” صاحبة بيت الدعارة، والتي كانت في أغلب الأحوال عاهرة سابقة عفا عليها الزمن.
-
على رأس الهرم الوظيفي لتلك المهنة يأتي “القواد”، الذي كان يتحصل على النصيب الأكبر من الإيراد.
أي أن العاهرة – وهي التي تمثل أهم ضلع في تلك المهنة باعتبارها “محل السلعة” أو باعتبارها سلعة تُشترى على حد قول الدكتور خالد بهجت – كانت تتحصل على النزر اليسير من قيمة ما يدفعه طالب المتعة الحرام، رغم أنها بتسليع جسدها تفقد إنسانيتها وتغترب عن ذاتها دون مقابل يذكر.
وبالرغم من أن المصادر تقول إن الدخل الشهري للعاهرة في ثلاثينيات القرن العشرين قد بلغ ثلاثين جنيهاً أو ستين جنيهاً على حسب الأحوال – وهو مبلغ كبير بمنظور ذلك العصر – إلا أن واقع الأمر أنها كانت تتحصل على مبالغ أقل من ذلك بكثير كونها مدينة للـ “عايقة” صاحبة البيت.
كانت “البدرونة” تتحكم في حياة العاهرة تكبلها بكثير من الديون وتجبرها على التوقيع على كمبيالات بمبالغ طائلة لتجعلها مقيدة ولا تستطيع الفكاك منها، وفي حال تمردها تقوم البدرونة برفع الكمبيالات إلى القضاء ليتم تقييد حرية المومس بالحبس؛ حيث كان إغراق البغي في الديون الوهمية في حقيقته عملية ممنهجة للتحكم فيها.
وكان هناك عرفٌ متعارف عليه في هذا العالم السفلي للدعارة ألا تقبل بدرونة مومساً فرت من أخرى إلا إذا قامت بتسديد تلك الكمبيالات عنها، لتقوم هي الأخرى بتشديد الخناق على المومس بكتابة كمبيالات أخرى لتظل العاهرة في دوامة لا تستطيع الفكاك منها.
يورد الدكتور عماد هلال في كتابه المهم “البغايا في مصر” ما أورده محمد فريد جنيدي حينما قام بجولة في شارع كلوت بك؛ فكان مما سمعه أثناء تجواله إحدى البدرونات تهدد البغي قائلة لها: «وديني لأجرجرك على القسم وأبيتِك على الأسفلت»، فأجابتها البائسة ساخرة:
«أسلفت.. إنتي فاكرة إني أخاف من الأسفلت.. حيكون أسوأ من عيشتي.. مش كفاية اللي بنقاسيه.. ياهو داحنا بني آدمين من دم ولحم.. داحنا جثة بتحس.. ماحناش رمة متعفنة»، ثم انخرطت في البكاء.
كان القواد يفرض سطوته على عالم البغي فلا تستطيع الهروب أو التمرد على أوضاعها؛ لذلك كانت تشيع تلك المقولة: «قوادك جلادك»؛ فالضرب والإيذاء والتشويه والحبس بدون طعام أو شراب حتى الموت هي جزء من قوانين سنها القوادون في عالمهم المخيف.
وعلى رأس هذا العالم السفلي كان يتربع “إبراهيم الغربي”؛ ذاك المخنث الأسود المخيف الذي تقول المصادر إنه طبق أحكاماً بالإعدام على بعض المومسات بأن حبسهن بدون طعام أو شراب حتى لفظن أنفاسهن الأخيرة وكانت جثثهن تُلقى ليلاً في مكان بعيد دون أن يحاسَب، حيث اشترى الغربي ذمم كثير من كبار رجال الشرطة آنذاك.
كانت بعض النسوة يذهبن باختيارهن إلى عالم “الوعد” بسبب الوضع الاقتصادي المتردي، لكنّ عدداً غير قليل من البغايا كن قد غُرّر بهن.
وكان هناك الكثير من القاصرات اللاتي تم خطفهن وإجبارهن على ممارسة البغاء، وتم التحايل على موضوع السن بأن جرى تسنينهن بمعرفة الجهات المختصة نظير رشايا مالية وجنسية.
وتعذر في كثير من الأحيان محاسبة الخاطفين لهؤلاء الفتيات بسبب أن إمبراطورية الغواية استطاعت شراء نفوس كثير من ضباط الشرطة – وعلى رأسهم أحد كبار الضباط الإنجليز الذي كان يعمل نائباً لحكمدار القاهرة – وكان يتم حفظ أغلب البلاغات!
في رواية “السكن في الأدوار العليا” للدكتور رفعت السعيد – والتي تبدو من صياغة أحداثها أنها أُخذت عن أحداث حقيقية – تخبرنا سعدية (“سوسو” القوادة في الماضي) أن الفتاة قد تأتي للعمل برغبتها أو قد تأتي مخطوفة، وهنا يأتي دورها القذر؛ إذ تقول سوسو القوادة:
«المرة الأولانية ضروري ولو بالقوة، وبعدين نسيبها، نمنعها إنتِ مش نافعة مش عاجبة الزبائن، مش كل بنت تعجب الزبون، لكن لازم تفضل في البيت تشوف غيرها داخلين طالعين، كل واحدة من القدام عارفة إن لازم ترفع صوتها وهي داخل الغرفة معلنة لمن بالخارج أنها تذوب شوقاً، ثم تخرج لتحكي قصصاً عن فحولة الرجال ومتعة النساء… المطلوب أن يبقى الصيد في هذا القفص فترة، ممنوعة من الخروج وممنوعة من مقابلة الرجال بحجة أنها غير مطلوبة، ونترك الغيرة لتنمو والرغبة لتختمر، الغيرة والرغبة تهزمان أي مقاومة… صدقني أنا شفت كتير، كل الأصناف، مافيش واحدة صمدت أكثر من أسبوع أو عشرة أيام، مجرد إحساسها إنها غير مطلوبة يشعل فيها نارين: نار الغيرة ونار أخرى أشد وهي الرغبة، وساعتها تتمحك، تبدي أنه ليس لديها مانع، أزجرها، وأرفض، أنبه على الجميع أمامها بألا يراها رجل، يوم آخر أو يومان وتطلب هي بنفسها، أرفض تتوسل أرفض، تنهار تماماً، أضربها، أمنعها، ثم أتنازل وأسمح لها، ساعتها تكون قد أصبحت امرأة أخرى تماماً، صالحة لكي تدخل مملكة (الوعد).
الغريب أن كل واحدة تقريباً تمر بنفس التجربة، مع ذلك ما من واحدة تفشي أسرارها للقادمة الجديدة، كل واحدة تتمنى أن تنغرس كل نساء العالم معها في الوعد».
كانت “الكرخانات” هي المكان المعد لممارسة البغاء، وهو عبارة عن منزل متواضع يُعد لهذا الغرض، وكان أغلبها عبارة عن غرف صغيرة ذات أثاث بسيط، وكذا كانت هناك بعض الأماكن غير الآدمية وهي عبارة عن عشش من الخوص تمارس فيها البغي الدعارة، بل إن المصادر تقول إن بعض العاهرات كن يمارسن البغاء في حفر أُعدت لذلك؛ ففي منطقة تل زينهم مئات الحفر التي يصل عمقها أحياناً إلى مترين، وكان سكان القاهرة يطلقون على هذه الحفر (نُقر زينهم)، كما أورد د. نيازي حتاتة في موسوعته عن البغاء.
كانت تلك الأماكن بؤراً للإجرام؛ فشرب الحشيش والمنزول والأفيون ولعب القمار كان شيئاً عادياً، بل إن كثيراً من جرائم السرقة التي تخبرنا بها المصادر والوثائق حدثت في تلك الأماكن؛ حيث تعرض الكثير من الزبائن للسرقة، فكانت العاهرة تسرق الزبائن بتحريض من البدرونة ولحسابها.
وغالباً ما كانت المومس هي الضحية؛ ففي إحدى المرات التي سرقت فيها المومس خمسة جنيهات من أحد الزبائن، قام الزبون بطعنها بسكين، وأخرى مومس بالإسكندرية تم قتلها بمعرفة بحار فنلندي بسبب الادعاء بسرقته (راجع “البغايا في مصر” لعماد هلال).
ريا وسكينة وقضية القتل الكبرى
وفي عام 1920 استيقظ المصريون على أخطر قضية قتل متسلسل في القرن العشرين؛ 17 امرأة تم قتلهن بمعرفة عصابة ريا وسكينة. يخبرنا سيدني سميث في مذكراته أنه اكتشف أن جميع الجثث التي تم العثور عليها تخص نساء، وأن جميعهن احتفظن بشعر العانة، وأن المألوف في مصر أن تزيل النساء المتزوجات هذا الشعر كعلامة من علامات النظافة ولا تبقيه سوى العاملات في مجال الدعارة كنوع من الإثارة.
لكن لماذا تم اختيار المومسات كهدف للقتل من قِبل عصابة ريا وسكينة؟ يخبرنا سيدني سميث أن العاهرات «كن يحولن كل ما لديهن من مال إلى ذهب وحلي ليرتدينه معهن، تحت تصور أن ذلك أكثر أماناً من تركه في المنزل أو إيداعه في البنك، لكن في حقيقة الأمر فإن ذلك كان مثيراً لطمع الآخرين وباعثاً على الخطر».
وكأن حياة العاهرة مأساة كبرى، سواء أكنّ القائمات بالجريمة أم كنّ هن محلاً للجريمة.
كانت المومسات كثيراً ما يتمنين أن يتركن تلك المهنة المهينة؛ فمنهن من كانت تقول: «يا عالم بالأهوال، نجنا من دا الحال»، ومنهن من تقول: «يا عالم بالقلوب، نجنا من دي الذنوب»، وكثير من البغايا كن يُعلنّ اشتياقهن للحياة الزوجية والهروب من مملكة الوعد مرددات: «ياريت ياريت راجل وبيت» (راجع محمد نيازي حتاتة “الموسوعة العالمية للانحرافات الجنسية”).
تبرير الإمام الشعراني للعمل بالبغاء
أورد الإمام الشعراني في كتابه “البحر المورود في المواثيق والعهود” قوله: «إبرار بنات الخطأ أيضاً عدم وقوع الفساد في الأرض، فقلت في سري: وأي فساد فوق الزنا ببنات الخطأ؟ فقال الهاتف: أعظم فسقاً من بنات الخطأ الزنا بنساء أكابر العلماء والأفراد والتجار… فلولا بنات الخطأ لأسور الفساق والمتمردون من العزاب إلى حيطان الناس ونزلوا بيوتهم فزنوا بنسائهم كرهاً أو طوعاً فكان يحصل بذلك كثرة القتل والنفي».
وهذا تبرير غريب من الإمام الشعراني هاجمه عليه الكثير من العلماء المعاصرين له ومن أتوا خلفه، ولابد أن نوضح أن مفهوم كلام الإمام الشعراني ليس إباحة الزنا وإنما هو تبرير لوجود ظاهرة البغاء.
ذلك التبرير الغريب يجعلنا نتساءل: هل هذه هفوة عالم؟ أم أن ما أورده الإمام الشعراني في معرض الرد على معارضيه على ما ورد في هذا الكتاب أنه تم الدس عليه من قِبل حاسديه هو الصحيح؟
في النهاية لابد أن نوضح أنني ضد أي تبرير للعودة لتقنين مهنة البغاء؛ أحقر وأحط مهنة عرفها الإنسان، كونها تخالف تعاليم جميع الأديان السماوية، وكونها إمتهاناً قاسياً للمرأة التي كرمها الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وكونها سبباً في انتشار الأمراض السرية التي كانت منتشرة في المجتمع في تلك الفترة.
………………………………………….
المراجع:
-
البغايا في مصر: دراسة تاريخية اجتماعية (1834-1949) – عماد هلال.
-
البغاء على شاشة السينما المصرية (1975-1985) – د. خالد بهجت.
-
الموسوعة العالمية للانحرافات الجنسية – د. محمد نيازي حتاتة.
-
رواية السكن في الأدوار العليا – د. رفعت السعيد (تنويه: تم تصحيح الاسم من مصطفى السعيد إلى رفعت السعيد كما ورد في صلب النص).
-
خبايا القاهرة – أحمد محفوظ.
-
قارئ الجثث: مذكرات سيدني سميث.
-
مذكرات توماس راسل حكمدار القاهرة.





