عبد الحليم قنديل: إيران نقلت الحرب إلى الداخل الأمريكي

.. الصين لن تتدخل إلا بما يخدم مصالحها

كتبت: هدى الفقى

ناقش الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبدالحليم قنديل، خلال مشاركته على قناة «إكسترا نيوز»، مستجدات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاساته على الداخل الأمريكي، إلى جانب احتمالات التحرك الصيني، وتأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكي وأسعار الطاقة، وحدود قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة العمليات العسكرية دون موافقة الكونجرس.

تصويت الكونجرس

وقال قنديل إن التصويت الأخير في مجلس النواب الأمريكي، والذي جاء بأغلبية 220 صوتًا مقابل 204، يمثل التصويت الثالث من نوعه لتقييد العمليات العسكرية التي تنفذها الإدارة الأمريكية ضد إيران دون تصريح من الكونجرس، مشيرًا إلى أن الجديد هذه المرة هو تلاشي الفارق الطفيف بين الجمهوريين والديمقراطيين، بعد انضمام عدد من النواب الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت لصالح القرار.

وأوضح أن هذا التحول يرتبط بدرجة كبيرة باقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في أوائل نوفمبر المقبل، إذ يخشى عدد من النواب الجمهوريين خسارة مقاعدهم بسبب تراجع شعبية الحرب والرئيس الأمريكي على حد سواء.

وأضاف أن استطلاعات الرأي، وفق ما أشار إليه، تضع نسبة التأييد لترامب وللحرب عند حدود 33%، معتبرًا أن الحرب «غير شعبية تمامًا» داخل الولايات المتحدة، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، حديث ترامب المتكرر عن قرب انتهاء الحرب، مع محاولة تأجيل الحسم إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي.

مخاوف الجمهوريين من خسارة الأغلبية

وأشار قنديل إلى أن مجلس النواب الأمريكي يجري تجديده بالكامل كل عامين، بينما يجري تجديد ثلث أعضاء مجلس الشيوخ على ثلاث دفعات، موضحًا أن الجمهوريين يخشون فقدان أغلبيتهم المحدودة في المجلسين.

وتابع أن خسارة الجمهوريين للأغلبية، ولا سيما في مجلس النواب، قد تفتح الباب أمام جلسات استماع وتحقيقات تتناول ملفات مرتبطة بترامب وأفراد أسرته ومساعديه، ومن بينهم جاريد كوشنر، فضلًا عن إعادة طرح قضايا العزل السياسي التي واجهها ترامب خلال ولايته الأولى.

وأوضح أن مجلس النواب يؤدي دور جهة الاتهام والتحقيق، بينما يتولى مجلس الشيوخ دور المحكمة في إجراءات العزل، مؤكدًا أن فتح هذه الملفات قد يحرم ترامب من مساحة واسعة للتحرك المنفرد، ويجعله منشغلًا بالدفاع عن نفسه خلال النصف الثاني من ولايته.

«رشوة انتخابية» واشتباك مع القضاء

وانتقد قنديل ما وصفه بمحاولات التأثير المباشر على الناخب الأمريكي، مشيرًا إلى تصريحات تحدثت عن منح كل ناخب مبلغ 5 آلاف دولار حال فوز الحزب الجمهوري، على أن تمول هذه الأموال من عائدات الرسوم الجمركية التي تفرضها الإدارة الأمريكية على واردات الدول الأخرى.

واعتبر أن هذا الطرح يمثل، بحسب تعبيره، «رشوة انتخابية علنية»، مشيرًا إلى أن مثل هذه الممارسات لا يعلن عنها عادة بهذه الصراحة في الدول الأخرى.

كما تحدث عن محاولات ترامب تقييد التصويت بالبريد، وهو نظام معمول به في الولايات المتحدة منذ نحو 150 عامًا، من خلال فرض اشتراطات إضافية على الناخبين، مثل تقديم جواز السفر أو شهادة الميلاد وإثبات الجنسية.

وأضاف أن المحكمة العليا الأمريكية رفضت هذه التعديلات واعتبرتها غير دستورية، بينما رد ترامب، وفق قنديل، بمهاجمة القضاة الذين سبق أن عينهم، معتبرًا أن ذلك يعكس تصعيدًا ضد القضاء والمحكمة العليا.

الحرب تضغط على الاقتصاد الأمريكي

وأكد قنديل أن التداعيات الاقتصادية للحرب أصبحت أكثر وضوحًا أمام الناخب الأمريكي، خاصة مع ارتفاع أسعار البنزين والديزل وتزايد الضغوط التضخمية.

وربط بين الحرب وقرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة، موضحًا أن البنك المركزي برر القرار بالحاجة إلى مواجهة التضخم عبر امتصاص السيولة من الأسواق، وهو ما يمثل، بحسب رؤيته، مؤشرًا على أن الأوضاع الاقتصادية لا تتفق مع تصريحات ترامب بشأن تراجع التضخم وتحقيق «الازدهار الاقتصادي».

وقال إن ترامب يحاول إقناع الأمريكيين بأن انتهاء الحرب سيؤدي إلى تراجع أسعار المحروقات، لكنه في الوقت نفسه يربط وقف الحرب بما بعد انتخابات التجديد النصفي، وكأنه يطلب من الناخبين منحه فرصة سياسية جديدة قبل إنهاء العمليات العسكرية.

إيران نقلت الحرب إلى الداخل الأمريكي

ورأى قنديل أن إيران نجحت في نقل جزء من المواجهة إلى الداخل الأمريكي، من خلال استنزاف الإدارة الأمريكية سياسيًا واقتصاديًا، مشيرًا إلى أن طهران كانت تدرك منذ بداية الحرب أن الضربة الخاطفة لن تؤدي بالضرورة إلى رد خاطف، بل إلى حرب طويلة وممتدة زمنيًا وجغرافيًا.

وأوضح أن التصريحات الإيرانية في بداية الحرب تحدثت عن أيام معدودة، ثم أسابيع، قبل أن تمتد المواجهة إلى أشهر، وهو ما وضع ترامب أمام مأزق معقد، إذ لم تحقق الخيارات العسكرية النتائج التي كان يتوقعها، في ظل ما وصفه قنديل بالصمود الإيراني اللافت.

وأضاف أن التناقض في التصريحات الأمريكية بشأن الملاحة في مضيق هرمز يعكس حجم الأزمة؛ ففي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن عودة الملاحة إلى طبيعتها، يشير مسؤولون أمريكيون آخرون إلى أنها لم تعد إلا إلى نحو نصف مستوياتها السابقة.

وأكد أن المواطن الأمريكي لا يتابع التفاصيل العسكرية بقدر ما يشعر بارتفاع الأسعار وتكلفة الوقود، وهو ما ينعكس مباشرة على موقفه من الحرب والإدارة الأمريكية.

الصين تدخل المشهد من موقع مختلف

وفيما يتعلق بالدور الصيني، قال قنديل إن بكين بدأت تتحرك سياسيًا بصورة أكثر وضوحًا، مشيرًا إلى تصويت الصين وروسيا ضد قرار أمريكي غربي في مجلس الأمن يتعلق بتمديد عمل لجنة العقوبات على إيران، وهو ما أدى إلى إحباط القرار.

وأضاف أن تقارير صحفية أمريكية تحدثت عن مساعدات عسكرية أو استخباراتية تقدمها الصين وروسيا لإيران، من بينها صور فضائية دقيقة للقواعد الأمريكية في المنطقة، أو معلومات وإحداثيات قد تساعد في تفسير دقة بعض الضربات الإيرانية.

وأشار إلى أن الصين رفضت الانضمام إلى سياسة الخنق الاقتصادي التي تتبعها واشنطن ضد إيران، مؤكدة أن العقوبات الأمريكية إجراءات تخص الولايات المتحدة وحدها، وأن بكين ليست ملزمة بمقاطعة طهران.

واستبعد قنديل إلغاء زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، معتبرًا أن السلوك الصيني يتسم عادة بالرصانة وعدم الانفعال، وأن بكين تملك أوراق ضغط مؤثرة في مواجهة واشنطن، خصوصًا في ملف المعادن النادرة والتجارة الثنائية.

بكين تستفيد من انشغال واشنطن بإيران

وأوضح قنديل أن الصين ترى أن انشغال الولايات المتحدة بالحرب في إيران يخدم مصالحها الاستراتيجية؛ فإذا خرجت واشنطن منتصرة من المواجهة، فقد تتجه لاحقًا إلى التركيز على تايوان والصراع مع الصين، أما إذا تعثرت في إيران، فإن المواجهة حول تايوان قد تتأجل إلى أجل غير معلوم.

وأضاف أن الصين لم تعد تركز فقط على محيطها الإقليمي، بل أصبحت تتبنى توجهًا عالميًا يتضح في ملفات التجارة الدولية، والعلاقات مع أوروبا وكندا، والصراع على قواعد النظام الاقتصادي العالمي.

وقال إن السياسات التجارية التي يتبعها ترامب تساعد الصين، بصورة غير مباشرة، على الاقتراب من موقع الصدارة العالمية، في ظل تحول التنافس بين واشنطن وبكين إلى صراع على قيادة النظام الدولي.

الصين لا تميل إلى الوساطة المباشرة

وحول احتمالات دخول الصين على خط الوساطة بين واشنطن وطهران، أوضح قنديل أن بكين لا تميل عادة إلى لعب دور الوسيط المباشر، لكنها قد تدفع أطرافًا أخرى، مثل باكستان، إلى أداء هذا الدور.

وأشار إلى أن علاقة الصين بباكستان قوية، وأن بكين قد تشجع الوساطة الباكستانية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الظهور بمظهر الطرف الذي يضغط على إيران لتقديم تنازلات للولايات المتحدة.

وأضاف أن الصين تفضل تقديم دعم غير معلن لطهران، مع الحفاظ على خطاب دبلوماسي يقوم على احترام السيادة وعدم الاعتداء وحسن الجوار والقانون الدولي.

وأكد أن الموقف الصيني، رغم إعلانه الدعوة إلى السلام وحرية الملاحة، يتضمن دعمًا ضمنيًا لإيران، لأن بكين ترى أن إغراق الولايات المتحدة في مستنقع إيراني يصب في مصلحتها الاستراتيجية.

استنزاف أمريكي يخدم بكين

ولفت قنديل إلى أن إسقاط إيران عددًا من الطائرات الأمريكية المسيّرة، ومن بينها طائرات من طراز «إم كيو-9» و«إم كيو-1»، يمثل عاملًا إضافيًا في استنزاف القدرات الأمريكية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك مخزونًا محدودًا نسبيًا من هذه الطائرات.

وقال إن استمرار استنزاف واشنطن في إيران يخدم الصين من زاويتين؛ الأولى إبعاد الولايات المتحدة عن التركيز على الصين وتايوان، والثانية إظهار حدود التفوق العسكري الأمريكي أمام خصم إقليمي يمتلك قدرة على الصمود والرد.

وأوضح أن الصين تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج، ولذلك تصوغ موقفها في إطار القانون الدولي وحرية التجارة وأمن الممرات البحرية، مع اعتبار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، من وجهة نظرها، حربًا غير مشروعة.

ترامب يبحث عن مخرج

وفي ختام حديثه، قال قنديل إن ترامب يريد الخروج من الحرب الإيرانية، لكنه لا يجد طريقًا واضحًا لذلك؛ فالخيار العسكري اصطدم، بحسب تعبيره، بالصمود الإيراني، بينما لم تحقق المسارات الدبلوماسية نتائج حاسمة.

وأضاف أن الاتفاقات أو التفاهمات السابقة التي جرى التوصل إليها لم تكن، في تقديره، في مصلحة واشنطن، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية تتردد بين الاستمرار في التصعيد والبحث عن مخرج تفاوضي.

وأكد أن إيران لا تتحرك بصورة عشوائية، فهي تجمع بين إعلان الاستعداد للحرب وإبداء الاستعداد للتفاوض، بما يسمح لها بالحفاظ على خياراتها مفتوحة، بينما تواصل الولايات المتحدة مواجهة ضغوط داخلية واقتصادية واستراتيجية متزايدة.

طالع المزيد: عبد الحليم قنديل يكتب: لعبة القط والفأر فى حرب “هرمز”

Exit mobile version