سعيد السعيطي: ارتفاع الفائدة العالمية يختبر قدرة الدول النامية على تمويل النمو دون استنزاف المستقبل

كتب: علي يوسف
أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة، أن ارتفاع الفائدة العالمية لم يعد مجرد متغير مالي يخص أسواق المال والبنوك المركزية، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول النامية على تمويل النمو دون استنزاف المستقبل أو تحميله تكلفة قرارات غير محسوبة.
وأوضح السعيطي أن الفائدة المرتفعة لا تعني توقف التنمية، لكنها تفرض سؤالًا أكثر صعوبة: هل التمويل المستخدم يخلق قدرة جديدة على الإنتاج والسداد، أم يكتفي بتأجيل الضغوط إلى سنوات لاحقة؟ فالدول لا تستنزف مستقبلها لأنها تقترض، بل لأنها تقترض دون أن تبني قدرة اقتصادية قادرة على رد تكلفة هذا الاقتراض.
وأشار خبير الإدارة الاستراتيجية إلى أن التمويل في ذاته ليس خطرًا، بل قد يكون ضرورة في مراحل التوسع والتنمية، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاقتراض إلى بديل عن الإصلاح، أو عندما يذهب إلى إنفاق لا يضيف إنتاجًا أو صادرات أو فرص عمل أو كفاءة تشغيلية واضحة. فالتمويل لا يصبح قيمة إلا إذا تحوّل إلى أصل منتج أو قدرة تنافسية.
وأضاف السعيطي أن ارتفاع تكلفة الاقتراض عالميًا يجعل هامش الخطأ أضيق أمام الدول النامية، لأن المشروع ضعيف العائد الذي كان يمكن احتماله في زمن التمويل الرخيص، قد يتحول اليوم إلى عبء طويل الأجل. ولذلك لم يعد السؤال: كم تستطيع الدولة أن تقترض؟ بل: أين ستنفق؟ وما العائد؟ ومتى يبدأ هذا العائد في تقليل الضغط على الموازنة والاقتصاد؟
وأكد خبير التميز المؤسسي والاستدامة أن الفائدة العالمية المرتفعة تكشف الفارق بين التمويل المنتج والتمويل المستنزف. فالتمويل المنتج يذهب إلى صناعة، أو زراعة تصديرية، أو لوجستيات، أو طاقة، أو تعليم فني، أو تكنولوجيا تطبيقية، أو بنية تحتية تفتح بابًا للاستثمار والتشغيل. أما التمويل المستنزف فيغطي فجوات مؤقتة دون أن يعالج أسبابها.
ولفت السعيطي إلى أن خطورة الفائدة العالمية المرتفعة تظهر بوضوح في أرقام خدمة الدين، حيث تشير تقديرات دولية إلى أن أعباء خدمة الدين ما زالت تضغط على قدرة الدول منخفضة الدخل على تمويل التنمية، بينما وصلت مدفوعات الفائدة على الدين الخارجي للدول منخفضة ومتوسطة الدخل إلى نحو 415.4 مليار دولار في عام 2024. كما يكشف البنك الدولي أن الدول النامية دفعت بين عامي 2022 و2024 نحو 741 مليار دولار أكثر مما حصلت عليه من تمويل جديد، وهو ما يوضح أن القضية لم تعد حجم الاقتراض فقط، بل قدرة التمويل على خلق عائد حقيقي قبل أن يتحول إلى نزيف مستمر للموارد.
وأوضح خبير الإدارة الاستراتيجية أن الدول النامية تحتاج في هذه المرحلة إلى إدارة أكثر صرامة لأولويات التمويل، بحيث لا تحصل المشروعات على الأموال لمجرد أنها جاهزة إداريًا، بل لأنها ذات عائد اقتصادي واضح. فالمشروع الذي لا يرفع الإنتاجية، ولا يحسن التصدير، ولا يقلل الاستيراد، ولا يخلق تشغيلًا حقيقيًا، يجب أن يُراجع قبل أن يتحول إلى دين جديد.
وأضاف السعيطي أن إدارة الفائدة المرتفعة لا تكون بالقرارات المالية وحدها، بل برفع كفاءة الاقتصاد نفسه. فكل تحسن في الإنتاجية، وكل خفض للهدر، وكل زيادة في المكون المحلي، وكل تحسين في دورة التشغيل، يقلل الحاجة إلى تمويل مكلف. ومن هنا تصبح الإدارة الرشيدة للموارد جزءًا من مواجهة الفائدة العالمية، وليست ملفًا منفصلًا عنها.
وأشار خبير التميز المؤسسي إلى أن القطاع الخاص يجب أن يكون شريكًا رئيسيًا في تمويل النمو، لكن بشروط تضمن توجيه رأس المال نحو الإنتاج لا المضاربة، ونحو الصناعة والخدمات القابلة للتصدير لا الأنشطة سريعة العائد فقط. فالدولة التي تريد تقليل عبء الدين تحتاج إلى اقتصاد أوسع إنتاجًا، لا إلى موازنة أكثر اقتراضًا.
وشدد السعيطي على أن المرحلة الحالية تفرض على الدول النامية أن تربط أي تمويل جديد بمؤشرات أداء محددة: حجم الصادرات الناتجة عنه، عدد فرص العمل، نسبة المكون المحلي، أثره على الإنتاجية، قدرته على جذب استثمار خاص، ومساهمته في تخفيض فجوة الاستيراد أو تحسين جودة الخدمات. فبدون هذه المؤشرات يتحول التمويل إلى رقم في الموازنة لا إلى قيمة في الاقتصاد.
وأضاف خبير الإدارة والاستدامة أن المؤسسات الدولية والدائنين أيضًا أمام اختبار مهم، لأن رفع تكلفة التمويل على الدول النامية دون آليات أكثر عدالة لإعادة الهيكلة والتمويل التنموي قد يضعف قدرة هذه الدول على الاستثمار في الغذاء والطاقة والبنية التحتية والمناخ. والاستقرار العالمي لا يتحقق إذا عجزت الدول النامية عن تمويل احتياجاتها الأساسية بشروط قابلة للاستدامة.
واختتم الدكتور سعيد السعيطي بالتأكيد على أن ارتفاع الفائدة العالمية يختبر قدرة الدول النامية على تمويل النمو دون استنزاف المستقبل، وأن النجاح في هذا الاختبار لا يتحقق بكثرة الاقتراض ولا بتجميد التنمية، بل بحسن الاختيار. فالنمو لا يُبنى بحجم الأموال المتاحة فقط، بل بجودة القرار الذي يحدد أين تُنفق، وما العائد منها، ومن سيدفع تكلفتها غدًا.





