كتب: عاطف عبد الغنى
يتجه الذكاء الاصطناعي إلى احتلال موقع متقدم على أجندة القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في واشنطن، في وقت تتحول فيه المنافسة على التكنولوجيا المتقدمة إلى أحد أبرز ميادين الصراع الاستراتيجي بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم.
ورغم أن البلدين يدركان بصورة متزايدة المخاطر التي يمكن أن تفرضها التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، فإنهما لا يزالان بعيدين عن التوصل إلى تفاهمات جوهرية بشأن إبطاء التطوير أو وضع قواعد مشتركة للسلامة والرقابة.
وتأتي القمة في 24 سبتمبر وسط سباق محتدم بين واشنطن وبكين للحفاظ على التفوق في مجال بات يُنظر إليه باعتباره عنصرًا مؤثرًا في الاقتصاد والأمن القومي والقدرات العسكرية. وتقول تحليلات أمريكية إن السؤال لم يعد فقط من يمتلك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي، وإنما من سيتمكن من نشر هذه التكنولوجيا على نطاق عالمي وجعلها جزءًا من البنية الرقمية والاقتصادية للدول الأخرى.
الصين تقلص الفجوة
لطالما اعتُبرت الولايات المتحدة متقدمة على الصين في مجال نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا، لكن الفجوة شهدت تقلصًا سريعًا خلال الفترة الأخيرة.
وحققت شركات صينية مثل DeepSeek وMoonshot AI تقدمًا لافتًا من خلال نماذج ذات أوزان مفتوحة يمكن تنزيلها وتعديلها وتشغيلها، وأصبحت بعض هذه النماذج قادرة على الاقتراب من أداء نماذج أمريكية متقدمة، ولكن بتكاليف أقل وبإتاحة أوسع للمطورين.
وكان إطلاق نموذج Kimi K3 من شركة Moonshot AI في يوليو الماضي من أبرز المؤشرات على هذا التحول؛ إذ أشارت تقييمات مستقلة إلى قدرته على منافسة نماذج أمريكية رائدة في عدد من الاختبارات، بينما تسبب الطلب الكبير عليه في اضطرار الشركة إلى تعليق تسجيل مشتركين جدد مؤقتًا بسبب ضغط الاستخدام على قدراتها الحوسبية.
وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط الاختلاف بين النموذجين الأمريكي والصيني؛ فبينما تعتمد شركات أمريكية كبرى مثل OpenAI وAnthropic على نماذج مغلقة وإتاحة تجارية، تميل شركات صينية إلى نماذج مفتوحة الأوزان يمكن للمطورين تنزيلها وتعديلها وتشغيلها، وهو ما يقلل تكلفة الوصول إليها ويوسع نطاق انتشارها.
الرقائق.. ورقة الضغط الأمريكية
لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بأفضلية مهمة في أحد المكونات الأساسية للسباق، وهو الوصول إلى الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات الضخمة اللازمة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ولهذا اعتمدت واشنطن خلال السنوات الماضية على قيود تصدير تستهدف الحد من وصول الصين إلى أشباه الموصلات الأكثر تقدمًا، وعلى رأسها رقائق Nvidia المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن سياسة إدارة ترامب شهدت بعض المرونة في ملف التراخيص، مع السماح في حالات محددة بتصدير رقائق أقل تقدمًا إلى الصين، بالتزامن مع استمرار القيود على تقنيات أخرى. وأثار هذا النهج خلافًا داخل واشنطن بين من يريد تشديد الخناق التكنولوجي على بكين ومن يرى أن الإفراط في القيود قد يضر بالمصالح الأمريكية نفسها ويمنح الصين حافزًا أكبر لتطوير بدائل محلية.
كما دخلت قضية اتهامات سرقة الملكية الفكرية واستخدام تقنيات التقطير Distillation في قلب الخلاف؛ فقد اتهم مسؤولون أمريكيون شركة Moonshot باستخدام مخرجات نماذج أمريكية متقدمة للمساعدة في تطوير نموذج K3، وهي اتهامات نفتها بكين، بينما تقول واشنطن إنها تدرس إجراءات محتملة ضد شركات صينية إذا ثبتت سرقة الملكية الفكرية.
«إذا أبطأنا.. ستتقدم الصين»
في الولايات المتحدة، باتت حجة المنافسة الصينية إحدى أهم الحجج التي يستخدمها المدافعون عن استمرار التطوير السريع للذكاء الاصطناعي.
ويقول رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون إن فرض قيود طارئة واسعة على القطاع قد يؤدي إلى خسارة السباق أمام الصين، فيما عبّر ترامب نفسه عن رفضه للدعوات التي يرى أنها قد تؤدي إلى إبطاء الصناعة الأمريكية.
وهذه الحجة اكتسبت زخمًا جديدًا مع التطور السريع للنماذج الصينية؛ إذ يرى بعض المسؤولين والخبراء الأمريكيين أن فرض قيود واسعة على شركات التكنولوجيا الأمريكية في الوقت الذي تستمر فيه الصين في تطوير نماذجها قد يخلق فجوة لا تستطيع واشنطن تعويضها بسهولة.
لكن في المقابل، تتزايد داخل الولايات المتحدة الدعوات إلى وضع ضوابط للسلامة، خصوصًا بعد سلسلة من الحوادث والتحذيرات التي أعادت المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي إلى واجهة النقاش العام.
الصين أيضًا ترى الذكاء الاصطناعي «ساحة معركة»
ولا تنظر بكين إلى المسألة باعتبارها سباقًا تجاريًا فحسب.
فوزير أمن الدولة الصيني تشن يي شين وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «ساحة المعركة الرئيسية» للمنافسة العالمية ومسار جديد للتنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، في إشارة إلى أن بكين تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها جزءًا من ميزان القوة الدولي وليس مجرد صناعة ناشئة.
وهذا الموقف يفسر جزئيًا صعوبة التوصل إلى اتفاق أمريكي صيني بشأن إبطاء التطوير؛ فكل طرف يخشى أن يؤدي أي تباطؤ من جانبه إلى منح الطرف الآخر فرصة لتوسيع الفجوة.
«معضلة السجين» بين واشنطن وبكين
ويصف محللون الوضع بأنه يشبه «معضلة السجين» على مستويين؛ فمختبرات الذكاء الاصطناعي نفسها تخشى التباطؤ إذا واصلت الشركات المنافسة العمل بالسرعة ذاتها، والدولتان تواجهان المشكلة نفسها على المستوى الاستراتيجي.
وبعبارة أخرى، حتى إذا اقتنع الطرفان بأن سرعة تطوير الذكاء الاصطناعي تخلق مخاطر تحتاج إلى إدارة، فإن السؤال الأصعب هو: من يضمن أن الطرف الآخر سيلتزم أيضًا بالتهدئة؟
ويقول محللون إن واشنطن تخشى أن يؤدي تباطؤها إلى منح بكين فرصة للتقدم، بينما تنظر الصين بحذر إلى أي مقترحات أمريكية للحد من تطوير التكنولوجيا، خشية أن تكون هذه المقترحات وسيلة غير مباشرة لإبطاء تقدمها في الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة تطوير قدراتها.
وهذا هو جوهر المعضلة التي تجعل الوصول إلى اتفاق كبير حول وقف أو إبطاء سباق الذكاء الاصطناعي أمرًا بالغ الصعوبة.
هل يمكن أن تبدأ القمة بحوار حول «المخاطر المشتركة»؟
رغم ذلك، لا يعني غياب التوافق الاستراتيجي الكامل استحالة الحوار.
فوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أعلن أن واشنطن مستعدة لمناقشة «المخاطر المشتركة» للذكاء الاصطناعي مع الصين خلال المحادثات رفيعة المستوى التي تسبق لقاء ترامب وشي، وهو ما يمثل مساحة محدودة يمكن أن يبدأ منها الطرفان. ومن المقرر أن تشمل المحادثات أيضًا التجارة والمعادن النادرة وقضايا اقتصادية أخرى.
كما أن اجتماع بيسنت مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنج يأتي قبل أيام من لقاء ترامب وشي، ويعكس محاولة لإعداد ملفات القمة، ومن بينها أمن الذكاء الاصطناعي.
لكن مساحة الاتفاق المحتملة تبدو أضيق من حجم الخلاف. فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على تفوقها التكنولوجي ومنع الاستخدامات العسكرية الخطرة للذكاء الاصطناعي، بينما تسعى الصين إلى حماية مسار نموها التكنولوجي ورفض ما تعتبره محاولات لاحتواء تقدمها.
من يضع قواعد الذكاء الاصطناعي؟
ولهذا قد تكون أهمية قمة واشنطن أكبر من مجرد البحث عن اتفاق محدد.
فالذكاء الاصطناعي يتجه إلى أن يصبح جزءًا من التنافس على النفوذ الدولي، سواء من خلال النماذج نفسها أو الرقائق أو مراكز البيانات أو التطبيقات العسكرية أو الخدمات الرقمية التي يمكن أن تصل إلى الأسواق النامية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن السباق لم يعد محصورًا في إنتاج «أذكى نموذج»، بل ينتقل تدريجيًا إلى سؤال آخر: من يستطيع نشر التكنولوجيا على أوسع نطاق وبأقل تكلفة؟
وفي هذا المجال، تمنح النماذج الصينية المفتوحة والأقل تكلفة بكين ورقة مختلفة، بينما تظل واشنطن محتفظة بأفضلية مهمة في الرقائق المتقدمة والبنية التحتية وشركات الذكاء الاصطناعي الأكثر رسوخًا.
ومن ثم، فإن قمة ترامب وشي قد لا تنتهي باتفاق تاريخي حول الذكاء الاصطناعي، لكنها ستكشف إلى أي مدى يمكن للقوتين إدارة سباق تكنولوجي تتداخل فيه المنافسة الاقتصادية مع الأمن القومي، وحماية الملكية الفكرية، والرقابة على التكنولوجيا، ومخاطر استخدامها عسكريًا.
وفي النهاية، تبدو المفارقة واضحة: كل من واشنطن وبكين تدرك أن الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر عالمية، لكن كلتيهما تخشى أن يكون إبطاء السباق من جانب واحد هو الخطر الأكبر عليها. ولهذا قد يكون أصعب سؤال في قمة ترامب وشي ليس كيف يتعاون البلدان في الذكاء الاصطناعي، وإنما كيف يتعاونان من دون أن يعتقد أي منهما أنه يخسر السباق.
