الذكاء الاصطناعي يتحول من ثورة تكنولوجية إلى معركة على مستقبل القوة

.. ترامب يراهن على ربع الاقتصاد الأمريكي

كتب: على طه

لم تكن تدوينة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة عن الذكاء الاصطناعي مجرد دفاع عن قطاع التكنولوجيا في مواجهة الأصوات المطالبة بفرض قيود أكثر صرامة عليه، وإنما حملت تصورًا أوسع بكثير لمكانة هذه التكنولوجيا في الاقتصاد الأمريكي ومستقبل القوة العالمية.

فترامب وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «الثورة الصناعية القادمة»، وشبه حجمه وتأثيره بالإنترنت، قبل أن يذهب إلى تقدير بالغ الدلالة عندما قال إن تأثيره الاقتصادي قد يصل إلى ربع الناتج المحلي الإجمالي.

هذه العبارة تحديدًا هي مفتاح فهم موقف الإدارة الأمريكية؛ فحين يتحدث رئيس الولايات المتحدة عن تكنولوجيا يمكن أن تمتد آثارها إلى ما يعادل نحو 25% من الاقتصاد، فإن القضية لا تعود مرتبطة بتطبيقات مثل روبوتات المحادثة أو إنتاج الصور والنصوص، وإنما تصبح مرتبطة بإعادة تشكيل قطاعات الإنتاج والخدمات والعمل والاستثمار والتجارة وحتى أدوات القوة الدولية.

«الثورة الصناعية القادمة».. ماذا يقصد ترامب؟

قال ترامب في تدوينته إن الذكاء الاصطناعي يمثل «الثورة الصناعية القادمة، مثل الإنترنت، لكنه سيكون أكبر وأكثر تأثيرًا»، مضيفًا أنه ربما يصل إلى ربع الناتج المحلي الإجمالي.

ويبدو التشبيه بالإنترنت مقصودًا؛ فالإنترنت لم ينشئ قطاعًا اقتصاديًا منفصلًا فحسب، بل أعاد تشكيل قطاعات كانت قائمة قبل ظهوره، من التجارة والإعلام والاتصالات إلى الخدمات المالية والنقل والتعليم والإعلان.

وهذا هو تحديدًا ما يجعل الذكاء الاصطناعي مختلفًا عن كثير من موجات التكنولوجيا السابقة.

فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على إنتاج منتج جديد، وإنما يستطيع الدخول إلى طريقة إنتاج المنتجات والخدمات نفسها؛ فيحلل البيانات، ويكتب البرمجيات، ويساعد في التصميم، ويؤتمت بعض الأعمال المكتبية، ويدعم الأبحاث العلمية، ويشارك في اكتشاف الأدوية، ويراقب المصانع، ويحلل الصور الطبية، ويعالج كميات ضخمة من المعلومات.

ومن هذه الزاوية، فإن تقدير ترامب لا يعني بالضرورة أن «قطاع الذكاء الاصطناعي» سيصبح وحده مساويًا لربع الناتج المحلي الأمريكي، وإنما يمكن فهمه باعتباره تصورًا لحجم الأثر الاقتصادي المتراكم الذي يمكن أن تحدثه التكنولوجيا عبر قطاعات الاقتصاد المختلفة.

وهذا فارق مهم للغاية.

لماذا الرقم «ربع الناتج المحلي» مهم؟

إذا أخذنا عبارة ترامب باعتبارها تقديرًا لحجم التأثير المحتمل، فإنها تكشف حجم الرهان الذي تضعه الإدارة الأمريكية على التكنولوجيا.

فالناتج المحلي الإجمالي لا يمثل شركة أو صناعة واحدة، وإنما القيمة الإجمالية للنشاط الاقتصادي داخل الدولة. وبالتالي فإن وصول تأثير تكنولوجيا ما إلى نسبة ضخمة من الاقتصاد يعني أنها أصبحت جزءًا من البنية الأساسية للإنتاج وليس مجرد صناعة هامشية.

والتاريخ الاقتصادي يقدم أمثلة على هذه التحولات.

فالإنترنت لم يكن مجرد صناعة جديدة، بل أصبح بنية تحتية تعتمد عليها قطاعات واسعة من الاقتصاد. والأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على الكهرباء والاتصالات وأشباه الموصلات.

وفي حالة الذكاء الاصطناعي، قد تكون المسألة أكثر اتساعًا لأنه يدخل مباشرة في عملية اتخاذ القرار والإنتاج المعرفي.

وهنا تكمن النقطة التي تجعل تقدير ترامب مثيرًا للاهتمام: الرئيس الأمريكي لا يتحدث عن شركة بعينها أو عن قيمة سوقية لشركات التكنولوجيا، وإنما يضع الذكاء الاصطناعي في إطار تحول اقتصادي شامل.

ترامب: لا وقت لإبطاء السباق

من هنا يمكن فهم موقف ترامب من الدعوات التي تطالب بإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي.

فإذا كانت هذه التكنولوجيا يمكن أن يكون لها تأثير بهذا الحجم على الاقتصاد، فإن إبطاء تطويرها، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، قد يعني تأخير الاستثمارات والابتكار والإنتاجية، وربما السماح لمنافسين دوليين، وعلى رأسهم الصين، بتقليص الفارق مع الولايات المتحدة.

ولهذا أكد ترامب أن إدارته لن تؤخر أو تعيق نمو القطاع، معتبرًا أن الولايات المتحدة مطالبة بالحفاظ على تفوقها في الذكاء الاصطناعي.

وتزداد أهمية هذا الموقف لأن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أهم ميادين المنافسة التكنولوجية بين واشنطن وبكين، إلى جانب الرقائق الإلكترونية والحوسبة المتقدمة والاتصالات والتقنيات ذات الاستخدامات العسكرية والمدنية.

وبذلك يصبح السؤال بالنسبة إلى البيت الأبيض مزدوجًا:

كيف تحافظ الولايات المتحدة على أمنها من مخاطر الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه لا تسمح للصين بتجاوزها في التكنولوجيا التي قد تحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة؟

الاقتصاد أولًا.. أم السلامة أولًا؟

في الجانب الآخر من المشهد، تأتي تحذيرات من داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها.

الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، داريو أمودي، دعا إلى مزيد من الضوابط والتقييمات المستقلة للأنظمة المتقدمة، بينما تحدث سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـOpenAI، وإيلون ماسك، مؤسس xAI، عن مخاطر مرتبطة بتطور الأنظمة شديدة القدرة.

واللافت هنا أن النقاش لا يدور بين مؤيدي التكنولوجيا ورافضيها، وإنما داخل المعسكر الذي يقود الثورة نفسها.

فالشركات الكبرى تريد استمرار التطوير والاستثمار، لكنها في الوقت نفسه تواجه سؤالًا متزايدًا حول حدود قدرة البشر على مراقبة النماذج الأكثر تقدمًا، خصوصًا مع زيادة قدرتها على تنفيذ مهام معقدة بصورة شبه مستقلة.

وهذا يفسر تصاعد الحديث عن الاختبارات المستقلة، وضوابط الاستخدام، ومراقبة النماذج، والإبلاغ عن الحوادث، والمسؤولية القانونية.

الخطر الحقيقي قد لا يكون «نهاية العالم»

ربما يكون من المهم التمييز بين نوعين من المخاطر.

هناك سيناريوهات قصوى يتحدث فيها بعض الباحثين عن احتمال أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي متفوقة على البشر في مجالات واسعة وتتصرف بطريقة يصعب السيطرة عليها.

وهناك مخاطر بدأت تظهر بالفعل، ولا تحتاج إلى سيناريوهات مستقبلية، مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونية، والتضليل، والاحتيال، واكتشاف الثغرات، وأتمتة بعض الأنشطة الإجرامية.

وهنا تبدو المشكلة أكثر واقعية: حتى لو لم يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تهديد وجود البشرية، فإن قدرته الحالية والمتنامية تكفي لإحداث تغيير كبير في الأمن والاقتصاد وسوق العمل.

ولهذا فإن رفض ترامب لمخاوف الذكاء الاصطناعي باعتبارها مبالغًا فيها لا يلغي الحاجة إلى التعامل مع المخاطر الواقعية التي بدأت بالفعل في الظهور.

ربع الاقتصاد.. ولكن لمن؟

تطرح تدوينة ترامب سؤالًا آخر ربما يكون أكثر أهمية من الرقم نفسه:

إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على توليد قيمة اقتصادية تعادل ربع الاقتصاد، فمن سيحصل على هذه القيمة؟

هل ستذهب بصورة أساسية إلى شركات التكنولوجيا العملاقة التي تملك النماذج ومراكز البيانات والرقائق؟

أم ستنتشر المكاسب على الشركات الصغيرة والعمال والمستهلكين؟

وهل يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى رفع إنتاجية العامل، أم إلى استبدال عدد متزايد من الوظائف؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلات اقتصادية، لأن توزيع المكاسب والخسائر قد يصبح أحد أكبر التحديات الاجتماعية والسياسية خلال السنوات المقبلة.

فقد تحقق الشركات إنتاجًا أكبر بتكلفة أقل، لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن كل العاملين سيحصلون على نصيب مماثل من المكاسب.

وهنا يظهر الفرق بين زيادة حجم الاقتصاد وبين توزيع ثمار النمو الاقتصادي.

من الإنترنت إلى الذكاء الاصطناعي.. مرحلة جديدة

عندما شبه ترامب الذكاء الاصطناعي بالإنترنت، فإنه في الواقع وضع يده على نقطة جوهرية.

الإنترنت غير شكل العالم دون أن يحل محل كل القطاعات القائمة. بل تسلل إليها وأعاد تشكيلها من الداخل.

والذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه، لكن مع فارق أساسي: الإنترنت غيّر طريقة انتقال المعلومات، بينما الذكاء الاصطناعي يقترب من تغيير طريقة إنتاج المعلومات وتحليلها واستخدامها واتخاذ القرارات بناءً عليها.

ولهذا فإن أثره المحتمل قد يتجاوز قطاع التكنولوجيا ذاته.

ومن هنا أيضًا يمكن تفسير إنفاق شركات التكنولوجيا العملاقة عشرات ومئات المليارات على مراكز البيانات والطاقة والرقائق والحوسبة؛ فالمنافسة لا تدور فقط حول من يملك أفضل نموذج لغوي، وإنما حول من يملك البنية التحتية القادرة على تشغيل الجيل المقبل من الذكاء الاصطناعي.

الصين في خلفية المشهد

لا يمكن قراءة تدوينة ترامب بمعزل عن الصين.

فالولايات المتحدة لا تريد فقط الاستفادة من الذكاء الاصطناعي اقتصاديًا، وإنما تريد ضمان ألا تتحول هذه التكنولوجيا إلى مصدر قوة استراتيجي لدى منافسها الأكبر.

ولهذا أصبحت الرقائق المتقدمة، ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والنماذج المتقدمة، جزءًا من المنافسة الأمريكية الصينية.

وهكذا يتضح أن عبارة ترامب عن أن الذكاء الاصطناعي قد يمثل ربع الناتج المحلي ليست مجرد مبالغة خطابية؛ إنها تعكس حجم الرهان الذي تضعه واشنطن على أن تكون الولايات المتحدة صاحبة النصيب الأكبر من القيمة الاقتصادية والاستراتيجية التي ستنتجها هذه الثورة.

المعركة الحقيقية ليست حول الذكاء الاصطناعي فقط

في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان ترامب محقًا في تقديره بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصل تأثيره إلى ربع الناتج المحلي.

فهذا الرقم يظل تقديرًا سياسيًا مستقبليًا وليس توقعًا اقتصاديًا مثبتًا يمكن التعامل معه كحقيقة.

لكن الأهمية الحقيقية للتدوينة تكمن في أنها تكشف طريقة تفكير الإدارة الأمريكية: الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى واشنطن ليس مجرد تكنولوجيا جديدة، وإنما بنية اقتصادية واستراتيجية ستحدد جزءًا من موازين القوة المقبلة.

ولهذا يرفض ترامب إبطاء السباق.

وفي المقابل، فإن التحذيرات القادمة من بعض قادة الصناعة تقول إن السرعة وحدها لا تكفي، وأن التكنولوجيا إذا سبقت القوانين والرقابة وآليات السلامة بفارق كبير، فقد تتحول مكاسبها الاقتصادية إلى مصدر لمخاطر جديدة.

وبين الرؤيتين يقف العالم أمام واحدة من أكثر التحولات التكنولوجية تأثيرًا منذ ظهور الإنترنت.

ترامب يرى ربع الاقتصاد في الأفق.. والمنافسون يرون سباقًا على ربع المستقبل.

طالع المزيد: مشروع قانون حكومى لمواجهة جرائم الانفلات الرقمى والذكاء الاصطناعى.. ماذا عن الحرية؟

Exit mobile version