مصادر – موقع بيان الإخبارى
دخلت حركة الملاحة في مضيق هرمز مرحلة جديدة من المخاطر، بعدما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO تعرض ناقلة نفط كانت تدخل المضيق لمقذوف مجهول، ما أدى إلى إصابة اثنين من أفراد طاقمها بإصابات طفيفة، في حادث يأتي وسط تراجع حاد في حركة السفن عبر أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم.
وأصدرت UKMTO، التابعة للبحرية الملكية البريطانية، تحذيرها رقم 140-26 في الساعة 07:30 بتوقيت جرينتش، الاثنين 21 سبتمبر 2026، مؤكدة أن السلطات العسكرية أبلغتها بأن ناقلة كانت تقوم بعبور باتجاه الدخول إلى مضيق هرمز تعرضت للإصابة بمقذوف لم تحدد طبيعته أو مصدر إطلاقه حتى الآن.
وبحسب التحذير، لم يؤد الهجوم إلى تعطيل الناقلة؛ إذ واصلت السفينة طريقها إلى ميناء وجهتها التالي اعتمادًا على قوتها الذاتية، كما لم تسجل حتى وقت صدور التحذير أي آثار بيئية ناتجة عن الحادث. وأكدت السلطات أنها بدأت التحقيق في الواقعة، فيما دعت السفن المارة إلى توخي الحذر والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه.
لا اتهام للجهة المنفذة حتى الآن
ورغم تصنيف UKMTO الواقعة ضمن تحذير «هجوم»، فإن المعلومات المتاحة لا تحدد الجهة التي أطلقت المقذوف، كما لم تحدد السلطات نوع السلاح المستخدم أو مكان إطلاقه.
وهذه نقطة مهمة في قراءة الحادث؛ إذ إن نسبة الهجوم إلى طرف بعينه في هذه المرحلة ستكون سابقة لأوانها، خصوصًا أن التحقيقات لا تزال جارية.
ولم تكشف UKMTO كذلك عن اسم الناقلة أو علمها أو الشركة المالكة لها، وهي تفاصيل لم تكن متاحة في التقارير الأولى عن الواقعة.
لماذا يمثل الحادث تطورًا مهمًا؟
تكمن خطورة الواقعة في المكان والتوقيت أكثر من حجم الأضرار المباشرة.
فمضيق هرمز يمثل واحدة من أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية. وتوضح بيانات وكالة الطاقة الدولية أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط مر عبر المضيق في عام 2025، بما يعادل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، بينما تمر عبره أيضًا كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
وتشير الوكالة إلى أن صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات التي تمر عبر هرمز تمثل قرابة 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ولا توجد طرق بديلة مماثلة لإخراج هذه الكميات إلى الأسواق العالمية.
وهذا يجعل أي هجوم على ناقلة داخل المضيق أكثر من مجرد حادث أمني يخص سفينة واحدة؛ فهو يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى سوق ملاحي يعاني أصلًا من اضطرابات شديدة.
حركة السفن تتراجع إلى مستويات محدودة
ويأتي حادث الناقلة في وقت تشير فيه بيانات الملاحة إلى انكماش كبير في حركة السفن القابلة للرصد داخل مضيق هرمز.
فبحسب بيانات الشحن التي أوردتها رويترز الاثنين، عبر 12 سفينة تجارية تحمل سلعًا المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقابل 35 سفينة في عطلة نهاية الأسبوع السابقة، بينما كانت المنطقة قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير تستقبل في المتوسط نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا، تشمل ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع والحاويات.
وتشير رويترز إلى أن أرقام السفن المرئية لا تعكس بالضرورة كل حركة الصادرات، إذ يواصل بعض منتجي النفط في الشرق الأوسط نقل شحناتهم على ناقلات أغلقت أجهزة التعريف الخاصة بها، ما يجعل من الصعب تكوين صورة كاملة عن حجم التدفقات الفعلية عبر المضيق.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: المضيق ليس متوقفًا بالكامل، لكنه لم يعد يعمل بالمستوى الطبيعي لحركة التجارة العالمية.
الناقلات تدخل منطقة المخاطر
الحادث الأخير يحمل دلالة إضافية لأنه وقع أثناء دخول الناقلة إلى المضيق، وليس بعد عبورها إلى الخليج أو أثناء خروجها منه.
وبالتالي فإن الخطر لا يتعلق فقط بالسفن الموجودة في المياه الداخلية للخليج، وإنما يمتد إلى منطقة العبور ذاتها، وهي مساحة تضطر السفن التجارية إلى المرور بها للوصول إلى موانئ ومنشآت تصدير رئيسية في الخليج.
وتصبح المخاطر أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى شركات الشحن والتأمين، إذ لا يكفي أن تكون السفينة نفسها سليمة أو أن يكون الطريق مفتوحًا نظريًا؛ فقرار الإبحار يرتبط أيضًا باحتمالات التعرض لهجوم، وتكلفة التأمين، وإمكانية استمرار الرحلة، وقدرة السفينة على الوصول إلى الميناء المستهدف.
تأثير يتجاوز النفط
ولا تقتصر أهمية هرمز على النفط الخام.
فالمضيق يمثل أيضًا قناة رئيسية لصادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه ذا انعكاسات على أسواق الطاقة في آسيا وأوروبا.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 93% من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال و96% من صادرات الإمارات تمر عبر المضيق، كما أن نحو 90% من الغاز الطبيعي المسال الذي يمر عبر هرمز كان متجهًا إلى الأسواق الآسيوية في 2025.
ولهذا فإن استمرار المخاطر الأمنية قد لا يرفع فقط تكلفة نقل النفط، وإنما يمكن أن يؤثر كذلك في أسعار الغاز وتكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد الصناعية.
وقد أظهرت بيانات رويترز بالفعل ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا خلال سبتمبر، مع تأثر الإمدادات القادمة من منطقة الخليج باستمرار الأزمة في هرمز.
ما الذي يعنيه الهجوم بالنسبة للملاحة؟
يمكن قراءة حادث الناقلة في ثلاثة مستويات متزامنة.
المستوى الأول أمني: السفن التجارية أصبحت تواجه خطرًا مباشرًا أثناء عبورها منطقة استراتيجية، حتى عندما لا تكون هي طرفًا في العمليات العسكرية.
المستوى الثاني اقتصادي: كل حادث جديد يزيد من المخاطر التي تدخل في حسابات شركات الشحن والتأمين، وقد يدفع مزيدًا من الشركات إلى تجنب المنطقة أو استخدام طرق أطول وأكثر تكلفة.
المستوى الثالث جيوسياسي: استمرار استهداف السفن أو تهديدها يمكن أن يحول مضيق هرمز من مجرد ممر بحري متأثر بالحرب إلى أداة ضغط استراتيجية على الاقتصاد العالمي.
وهذه النقطة تحديدًا هي الأكثر حساسية؛ لأن قيمة هرمز لا تأتي من اتساعه، وإنما من أن بدائله محدودة ومكلفة، خصوصًا بالنسبة إلى صادرات النفط والغاز من بعض دول الخليج.
هل يعود المضيق إلى الحركة الطبيعية؟
هذا هو السؤال الأصعب في المرحلة الحالية.
فحتى في حال عدم وقوع هجمات واسعة النطاق، فإن استعادة حركة الملاحة الطبيعية لا تتوقف فقط على بقاء الممر مفتوحًا من الناحية الجغرافية، وإنما تحتاج إلى عودة الثقة لدى شركات النقل والناقلات وشركات التأمين.
والبيانات الحالية لا تشير إلى عودة هذه الثقة بالكامل؛ إذ هبطت حركة السفن المرئية إلى مستويات منخفضة للغاية مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
وفي المقابل، فإن استمرار بعض السفن في العبور، إلى جانب استمرار صادرات النفط بواسطة ناقلات لا تظهر على أنظمة التتبع، يشير إلى أن النشاط التجاري لم يتوقف تمامًا.
ومن ثم، فإن الصورة الأدق ليست «إغلاق مضيق هرمز» بالمعنى الكامل، ولا «عودة الملاحة» بالمعنى الطبيعي، وإنما ممر استراتيجي يعمل تحت مستوى مرتفع من المخاطر والقيود.
حادث جديد يعيد اختبار أمن أهم ممرات الطاقة
حادث 21 سبتمبر لا يكشف حتى الآن عن هوية الجهة التي أطلقت المقذوف، ولا يقدم دليلًا مستقلًا على أن طرفًا محددًا يقف وراءه. لكن المؤكد وفق التحذير البريطاني أن ناقلة أصيبت أثناء دخولها المضيق، وأن اثنين من طاقمها أصيبا، وأن السفينة واصلت طريقها دون تسجيل أثر بيئي حتى لحظة إصدار التحذير.
وتأتي الواقعة في وقت تتقلص فيه حركة الملاحة بصورة حادة، بينما يظل المضيق قناة رئيسية لجزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية.
وبذلك فإن أهمية الحادث لا تكمن فقط في الناقلة التي أصابها المقذوف، وإنما في الرسالة التي تحملها الواقعة لسوق الشحن العالمي: المرور عبر هرمز ما زال ممكنًا، لكنه لم يعد يساوي المرور الآمن.
وهذه المعادلة وحدها كفيلة بإبقاء أسواق الطاقة والشحن والتأمين تحت ضغط، إلى أن تتغير الظروف الأمنية والسياسية التي جعلت واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم يعمل في ظل هذا المستوى من المخاطر.
