تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
لم تكن الكلمات وحدها محل متابعة خلال القمة رفيعة المستوى التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في واشنطن، إذ حظيت لغة الجسد بين الزعيمين باهتمام لافت، من المصافحات القوية إلى الضحكات واللمسات المتبادلة، في مشاهد حملت إشارات غير لفظية بالتزامن مع مباحثات تجري خلف الأبواب المغلقة حول ملفات شديدة الحساسية.
وفى هذا الصدد راقبت خبيرة لغة الجسد الأمريكية باتي وود التفاعلات بين الرئيسين منذ لحظة استقبال ترامب وقرينته ميلانيا ترامب للرئيس الصيني وزوجته بنغ لي يوان عند أسفل سلم الطائرة في قاعدة أندروز الجوية.
وترى وود أن استقبال ترامب لشي عند أسفل سلم الطائرة حمل في حد ذاته رسالة احترام للرئيس الصيني، قبل أن تنتقل لغة الجسد بين الرجلين إلى مستوى أكثر تعقيدًا خلال مراسم الاستقبال والمصافحات والمحادثات الثنائية.
استقبال غير معتاد ورسالة احترام
بدأ اللقاء العلني بين الرئيسين باستقبال ترامب وقرينته للرئيس شي وزوجته عند قاعدة أندروز، في خطوة لافتة ضمن مراسم زيارة شي إلى الولايات المتحدة.
وتزامن ذلك مع مظاهر احتفاء رسمية شملت المراسم العسكرية، قبل أن ينتقل الرئيسان إلى البيت الأبيض لعقد المحادثات الثنائية.
وتشير قراءة وود إلى أن طريقة استقبال شي عند سلم الطائرة تختلف عن بعض الإشارات التي ارتبطت سابقًا بمصافحات ترامب مع عدد من القادة، إذ حملت هذه اللحظة، بحسب تحليلها، قدرًا من الاحترام الرسمي للرئيس الصيني.
مصافحة قوية.. ثم لمسات وضحكات
مع تقدم اللقاء، ظهرت إشارات أخرى في لغة الجسد، من بينها المصافحات القوية ولمسات الذراع والضحكات المتبادلة.
وترى وود أن بعض إيماءات ترامب بدت وكأنها تعكس رغبة في تأكيد موقعه القيادي خلال التفاعل، بينما حافظ شي، وفق تقييمها، على طابع رسمي أكثر، مع ظهوره مرتاحًا خلال اللقاء.
ولا تعني هذه الإشارات بالضرورة وجود موقف تفاوضي محدد، إذ يمكن للغة الجسد أن تعكس أنماطًا شخصية أو بروتوكولية، كما أن تفسيرها يظل تقديرًا يعتمد على السياق ولا يمكن أن يحل محل ما يقوله المسؤولون أو ما ينتج عن المفاوضات.
لكن أهمية هذه التفاصيل تنبع من طبيعة اللقاء نفسه؛ فالرئيسان يمثلان قوتين عالميتين تخوضان منافسة ممتدة في التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والموارد والنفوذ الدولي.
ترامب وشي.. بين الارتياح الرسمي وإدارة القوة
يظهر الاختلاف في أسلوب الرجلين بوضوح أمام الكاميرات. فترامب يميل في لقاءاته العلنية إلى استخدام حركات جسدية واسعة ومصافحات مباشرة وتفاعل واضح مع الطرف الآخر، بينما يتسم أسلوب شي بدرجة أكبر من الثبات والرسميات.
وفي القمة الحالية، بدا أن الطرفين حرصا على تقديم صورة ودية أمام الجمهور، من خلال الابتسامات والمصافحات والضحكات، في وقت بقيت فيه الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات شديدة التعقيد.
وتأتي هذه الصورة بعد استقبال أمريكي استثنائي للرئيس الصيني، تضمن مراسم عسكرية، في وقت تسعى فيه واشنطن وبكين إلى إدارة علاقة تجمع بين التعاون والتنافس.
ذاكرة المصافحة بين ترامب والقادة
ولا تعد مصافحة ترامب موضوعًا جديدًا في تحليلات لغة الجسد. ففي عام 2017، درست خبيرة لغة الجسد باتي وود مصافحة ترامب، وقالت إن شد يده وجذبها باتجاهه وإطالة المصافحة ثم التربيت على اليد يمكن أن تُقرأ باعتبارها محاولة لإظهار السيطرة في التفاعل.
لكن المشهد الحالي مع شي يأتي في سياق مختلف؛ فالرئيس الصيني ليس ضيفًا في لقاء بروتوكولي عابر، وإنما شريك في واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا، ويخوض مع ترامب مفاوضات تتعلق بمصالح استراتيجية واقتصادية واسعة.
ما وراء الابتسامات
وراء المصافحات والابتسامات، تبقى القضايا التي يناقشها الرئيسان هي الاختبار الحقيقي للعلاقة. فالقمة تنعقد بينما تتنافس واشنطن وبكين على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، إلى جانب الملفات التجارية والموارد والمعادن الحيوية وقضايا الأمن الدولي.
ولهذا، فإن الاهتمام بلغة الجسد لا يتعلق بمحاولة استنتاج نتائج القمة من حركة يد أو ابتسامة، وإنما يكشف جانبًا من الطريقة التي يختار بها الطرفان تقديم علاقتهما أمام العالم.
وفي المشهد الذي التقطته الكاميرات، ظهر ترامب مستخدمًا إشارات جسدية أكثر مباشرة وحيوية، بينما حافظ شي على أسلوب أكثر تحفظًا ورسميًا، مع استمرار التفاعل الودي بينهما.
وهكذا، بدت قمة واشنطن وكأنها تحمل مستويين متوازيين: لغة سياسية تتشكل داخل غرف التفاوض، ولغة جسد تتحرك أمام عدسات الكاميرات؛ الأولى ستحدد ما يمكن أن تخرج به القمة من تفاهمات، بينما تمنح الثانية الجمهور لمحة عن طبيعة التفاعل بين الرجلين في واحدة من أكثر القمم متابعة على الساحة الدولية.
