موقع بيان الإخبارى
منذ وفاة الزميل العزيز المصور الصحفي بقطاع الأخبار في ماسبيرو محمد اللو، في الرابع من أغسطس الماضي، وأنا أحاول الكتابة عنه لكنني فشلت في أكثر من محاولة، أظن أن السبب في ذلك أننا حين نفقد شخصاً غالياً تسقط معه ورقة من شجرة الروح، وتموت معه قطعة من القلب، تجعلنا نحتاج إلى مُهلة من الوقت ليندمل جرح الفراق بعض الشئ.
في الثامنة من صباح يوم الرابع من أغسطس 2026 رن هاتفي كان المتصل الصديق والزميل محمد المحمدي، أثار الاتصال الذي أيقظني من النوم قلقي فليس من المعتاد أن يتصل بي المحمدي في هذا التوقيت المبكر من الصباح، جاء صوته حزيناً ولم يبدأ حديثه بـ”يا نجم” كما هو معتاد كان جاداً هذه المرة أكثر من اللازم قال لي في جملة مقتضبة: “صباح الخير البقاء لله محمد اللو توفاه الله”. أنتابتني الصدمة قبل أن يكمل حديثه هو في المستشفى وسيأتي الجثمان إلى قليوب لتكون الصلاة عليه بعد الظهر”.
بعد انتهاء الاتصال استرجعت شريطاً طويلاً من الذكريات تجمعني بمحمد اللو، هذا المصور المبُدع الذي تمثل صوره لوحات فنية بديعة، فيما يحمل في قلبه رقة وبراءة الأطفال، عبر سنوات طويلة بيننا لم أتذكر له أي موقف لا يبتسم فيه فهو شخصاً بشوشاً حتى حين يحدثك عن شئ يثير الغُصة في قلبه كانت بشاشة الوجه لا تفارقه مع سخرية لطيفة وكأن أمراً سعيداً حدث له.
في فبراير من عام 2012 وصل محمد اللو للعالمية بفوز صورته للرئيس الراحل محمد حسني مبارك وهو طريح الفراش أثناء نقله لأولى جلسات محاكمته بجائزة المركز الثالث فى مسابقة “world press photo” العالمية، ليتفوق بهذا المركز على 5247 مصوراً تقدموا بحوالى 101254 صورة من 124 دولة على مستوى العالم.
حين هاتفته لأبارك له على هذا الإنجاز العالمي، كان رد فعله عادي جداً فحمد الله وأشار إلى أن ما حدث ما هو إلا مجرد توفيقاً من الله، وأخبرته في برغبتي في الحصول منه على تصريح خاص لجريدة كنت أعمل بها، حينها، قال لي شكراً يا أبوحميد الموضوع لا يستحق، لكن مع إصراري استجاب لطلبي ونشر تصريحه الخاص في الصفحة الأولى بالجريدة مع صورته الفائزة لمبارك وهو يرقد وسط حراسة مشددة.
محمد اللو لم يكن مُبدعاً فقط في التصوير الصحفي، لكنه كان أيضاً مُبدعاً في العلاقات الإنسانية، فكان اللو شخصاً اجتماعياً بامتياز يسير إلى جانبي في طرقات ماسبيرو يوزع الابتسامات والسلامات وكأنه يوزع الشيكولاتة البونبوني على الأحبة والزملاء، فيما ترتاح الكاميرا على صدره ليرفعها فجأة فيسجل لحظات سعيدة لكل من يلتقيه دون أن يدري أحد إلا بعد أصبحت صوره ضمن أرشيف اللو الضخم، إلى جانب تسجيله كواليس لعشرات البرامج في قطاع الأخبار بالتليفزيون المصري.
كان يسعدني الحظ كثيراً في الركوب إلى جوار اللو داخل سيارته، فحين يراني في ماسبيرو يبادر بالسؤال: “مروح قليوب؟” ليكون جوابي غالباً بنعم، ليعطيني الزمن وقتاً من السعادة والمتعة والحكايات، التي لا تخلو من سخريتي اللطيفة من سيارته التي كانت منزلاً متنقلاً حرفياً فكل ما يخطر على بالك يتواجد داخلها، وكان هذا لاستعداده الدائم للسفر والتنقل لمسافات بعيدة، كما أنني كنت دائماً ما أتندر على طقوسه في قيادة السيارة وكانت أغربها أنه يخلع حذائه قبل أن يتحرك ويرتدي “شبشب”، وحين سألته عن هذا الطقس الغريب أخبرني أنه لا يستطيع قيادة السيارة إلا حافي القدمين، وكان حين يضطر للنزول من السيارة بشكل مفاجئ يضطر للنزول حافياً ما يثير موجة من الضحك لكل من يراه ما جعله يحتفظ بـ”شبشب القيادة” في السيارة.
رحل محمد اللو بجسده، لكنه بكل تأكيد مازال متواجداً في قلوبنا نحن أحبابه، وفي كل صورة التقطها لتسجل لحظة سعادة مفاجئة لكل من يعرفه، لتظل صوره شاهدة على رجل دائماً ما كان شعاره في الحياة “اضحك الصورة تطلع حلوة”.
……………………………………………….
كاتب السردية: أحمد علي عُكة: صحفي وإعلامي وشاعر عامية مصري، يشغل موقع رئيس تحرير بقناة “النيل للأخبار” بالتليفزيون المصري.
