سمر يس تكتب: هل يسقط الشجر أم نتخلى نحن عن الأوراق؟

موقع بيان الإخبارى
تأتي لحظةٌ في الغروب الداخليّ لكلٍّ منا، يقفُ فيها المرءُ على ناصيةِ العمر، يتأملُ تلك المساحاتِ الشاسعةَ التي قطعها بين الركضِ والوصول، بين دهشةِ البدايات وهدوءِ الخواتيم.

في تلك اللحظة بالذات، يتسللُ إلى الفؤادِ سؤالٌ فلسفيٌّ كاشف هل هذا الشحوبُ الذي يغشانا هو فعلُ الزمن والسنوات، أم أنه فعلُ أرواحنا التي تعبت من حملِ ما لا يلزم؟ هل يسقطُ الشجرُ حقيقةً تحت بطشِ الخريف، أم أننا نحنُ من نتخلى، بملء إرادتنا وعميق وعينا، عن الأوراق؟
لقد اعتاد البشرُ أن ينسبوا كل ذبولٍ للزمن، وأن يلبسوا “خريف العمر” ثوبَ الخسارة.

لكنّ النظرَ المترسّخ في جوهر الأشياء يخبرنا بحقيقةٍ أكثر عمقاً ورحابة؛ فالخريفُ في أصله ليس مقبرةً للأوراق، بل هو طقسٌ نقيٌّ من طقوس التطهر والتحرر.

الشجرةُ العاقلة لا تسقط، بل تخلعُ عن كاهلها ما صار ثقيلاً وجافاً لتستبقي عافيةَ الجذور، وهي لا تفقد أوراقها قسراً، بل تسلمها للريح بعد أن أدت رسالتها في قراءة الضوء وصنع الظل.
كذلك نحنُ حين نتقدمُ في المسار، لا نكبرُ لننطفئ، بل نكبرُ لننجلي.

إن تساقطَ الاهتماماتِ الهشة، وتلاشي الرغبةِ في إثبات الذات للآخرين، وانحسارَ صخبِ العلاقاتِ الزائفة، ليس إعلاناً بالهزيمة ولا انكساراً أمام تجاعيدِ السنين، بل هو التخلي الصادق عن كل ما كان يشغلنا ولا يشبهنا.

نحنُ نسقطُ الأوراقَ المتعبة لنفسحَ المجالَ للروح كي تتنفس، نخلعُ عن وجداننا إرهاقَ الركضِ خلف الأوهام، لنستقرَّ أخيراً في حقيقةِ الوصول.
إن الخريفَ الحقيقيَّ ليس مرحلةً زمنية تُفرض علينا من الخارج، بل هو انطباعٌ داخليٌّ تشكله بصائرنا.

هو حالةٌ ذهنياً وشعورٌ نحن أصحابُ القولِ الفصلِ فيه؛ فإما أن نراهُ شحوباً ونهاية، وإما أن نعيشه كـ “عمرٍ ذهبيّ” تصفو فيه الرؤية، ويثمرُ فيه النضج، وتصبحُ فيه الحكمةُ هي الأثرَ الباقي.

نحنُ لسنا حطاماً تذروه الرياح، بل نحن الساقُ والصلابة والجذور؛ نقدرُ في كل لحظةٍ على إعادةِ تعريفِ فصولنا، وعلى استحضارِ إشراقةِ الربيع في أعمقِ أعماقنا، حين ندركُ أن تساقطَ الأوراقِ لم يكن إلا بدايةً صادقةً للحرية.

طالع المزيد: سمر يس تكتب: العطاء أثرٌ يربو ولا يتضاءل

↑
Exit mobile version