صراع النفوذ فوق أرض الشام: براجماتية المصالح تدير “العداوة الباردة” بين أنقرة وتل أبيب

تقرير يكتبه: أشرف التهامي

غالباً ما يكتب التاريخ الأحداث الكبرى في الشرق الأوسط بالدماء، لكنها تُدار في الغرف المغلقة بالبراغماتية الباردة. وفي سماء الشام المفتوحة على كل الاحتمالات، لا يدور المشهد بين تركيا وإسرائيل حول مجرد نفوذ في جغرافيا متهالكة، بل هو تصادُم مكتوم بين طموح إقليمي يتزيّن بعباءة التاريخ وبأس “حلف الناتو”، وبين عقيدة أمنية إسرائيلية غاشمة ترى في ظهور أي قدرة عسكرية موازية على حدودها الشمالية تهديداً وجودياً لا يرحم.

وبين صراخ الميكروفونات في المهرجانات الخطابية وشبكات النفط والتجارة التي تعبر الحدود في صمت، يقف الطرفان على خيط حريري مشدود؛ حيث خطأ حسابي واحد في قصف قاعدة عسكرية أو اعتراض مسيّرة قد يحول “الردع المتبادل” إلى حريق لا يستطيع أحد إطفاءه.

سوريا.. ساحة الصدام وميدان نفوذ “الشرع”

لم تعد التوترات بين أنقرة وتل أبيب مجرد سجال صحفي، بل أضحت مواجهة مكشوفة فوق الأراضي السورية، لا سيما منذ بدء الرئاسة المؤقتة لأحمد الشرع في دمشق قبل عامين تقريباً.

فالشرع، الذي تربطه علاقات وثيقة وممتدة بتركيا، حظي بدعم عسكري وسياسي واقتصادي كاسح من أنقرة، بالتزامن مع توسيع الأخيرة لنطاق حضورها الأمني داخل العمق السوري.

هذا التمدد التركي قوبل برعب استراتيجي في أروقة صنع القرار الإسرائيلي. وبحسب تقارير مراكز أبحاث غربية وإسرائيلية — وفي مقدمتها “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” (FDD) عبر تحليل لـ “سنان سيدي” و”أحمد شعراوي” — أضحت تركيا الراعي الأساسي للحكومة السورية الجديدة، وهو ما تراه تل أبيب “تهديداً استراتيجياً مباشراً” يرسي معادلة عسكرية جديدة على حدودها الشمالية.

ترجمة القلق

ويرى الباحثان أن هذا القلق تُرجم ميدانياً الشهر الماضي، عندما وجهت إسرائيل ضربة جوية لقاعدة “أبو الظهور” العسكرية في شمال سوريا؛ لمنع القوات التركية من الانتشار في الموقع — بحسب الرواية الإسرائيلية التي نفاتها أنقرة.

غير أن هذه الواقعة أثبتت أن الشرارة قد تنتقل في أي لحظة من دائرة الخطاب العدائي إلى المواجهة العسكرية المباشرة، وهو ما حذر منه “ضياء ميرال”، مدير شركة “رافن” للأبحاث في لندن، مشيراً إلى أن أي عمل عسكري محدود قد يجر المنطقة إلى نتائج وخيمة.

عقيدة “الناتو” مقابل الهيمنة الإسرائيلية

وتدرك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن المواجهة مع تركيا لا تشبه أي صراع سابق مع أطراف عربية؛ إذ صرح الخبير الإسرائيلي د. “هاي إيتان كوهين ياناروكاك” بأن: “أسلوب تركيا في الحرب ليس أسلوب دولة متهالكة، بل هو أسلوب حلف الناتو القتالي بمستواه العالي جداً”.

من جانبه، أقر “ليرون روز”، الرائد في احتياط الجيش الإسرائيلي ومقدم بودكاست “هايانشوف” للأمن القومي، عبر شبكة “ذا ميديا لاين”، بأن “القطار قد غادر المحطة” ولم يعد بوسع إسرائيل تغيير طبيعة الوجود التركي في سوريا، مضيفاً بروح تعكس جوهر العقيدة الصهيونية: “ما دمنا أقوياء ومهيمنين، فستظل تركيا معادية.. وأفضل ما نأمله ألا يتدهور الوضع أكثر”.

ورغم التحذيرات، يستبعد المحللون قفز أنقرة نحو حرب شاملة؛ إذ تدرك تركيا حجم التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي، والقدرة على توجيه ضربات دقيقة وعابرة للحدود، بينما تحرص في الوقت ذاته على فرض حضورها كقوة إقليمية كبرى يُحسب لها ألف حساب.

ازدواجية المشهد: بلاغة الهجوم وانسيابية النفط!

وتتجلى المفارقة الأشد غرابة في هذه العلاقة الاستراتيجية في المساحة الفاصلة بين الموقف المعلن والواقع الميداني.

على المستوى السياسي والشعبي، يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هجومه الحاد على إسرائيل منذ معركة “طوفان الأقصى” وحرب غزة، واصفاً الصهيونية بأنها “أيديولوجية إبادة جماعية”.

وعلى المستوى العملي والاستخباراتي، تتدفق شحنات النفط الأذربيجاني إلى إسرائيل بسلاسة عبر خطوط الأنابيب المارة بالأراضي التركية.

أما على المستوى التجاري والجوي، فرغم الحظر التجاري الرسمي المعلن من أنقرة، تمر البضائع والتبادلات المليارية عبر أطراف ثالثة وترتيبات خاصة لحاجة الاقتصاد التركي لها، فضلاً عن استمرار عبور الطيران الإسرائيلي في المجال الجوي التركي.

وكما يؤكد “ليرون روز”، فإن قنوات التواصل الأمنية بين أنقرة وتل أبيب تعزف ألحانها خلف الكواليس لتفادي الاصطدام غير المحسوب، مما يضمن ألا تُقطع خيوط الاتصال بالكامل.

“زواج إكراه جيوسياسي”

في النهاية، قد لا تطلق أنقرة وتل أبيب رصاصة الحرب الشاملة أبداً، ليس حباً في السلام، بل لأن “عداوة الظل” أشد فائدة وأقل تكلفة لكلا الطرفين.

إنها المفارقة الكبرى للسياسة في الشرق الأوسط: أن تتراشق القوتان بأقسى اتهامات “الإبادة” و”التهديد الاستراتيجي”، بينما يواصل النفط تدفقه في الأنابيب ليغذّي محركات الآلات التي يراقب بها كل طرف حركة الآخر!

وسيبقى الصقر التركى والذئب الإسرائيلى يعزفان لحن العداء المتبادل على المسرح العسكري والشعبي، بينما تواصل أجهزة الاستخبارات في الغرف المغلقة التأكد من عدم انكسار آخر لوح زجاجي بينهما.

إنه ليس صلحاً ولا حلفاً، بل هو “زواج إكراه جيوسياسي”، يدرك فيه الخصمان أن التعايش مع “عدو عاقل ومألوف” على أرض الشام، يظل أفضل ألف مرة من القفز المتهور نحو مجهول قد يبتلع الجميع.

طالع المزيد: ترامب: أوقفنا هروب سجناء أوروبيين من سوريا

↑
Exit mobile version