وكالات – موقع بيان الإخبارى
أعاد تقرير محدث صادر عن خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي (CRS) تسليط الضوء على الهيكل المعقد لمجتمع الاستخبارات في الولايات المتحدة، موضحًا كيفية توزيع المسؤوليات بين أجهزته المختلفة، وآليات تمويلها، وطبيعة التنسيق بينها، في ظل وجود 18 عنصرًا تشكل مجتمع الاستخبارات الأمريكي.
وتم تحديث تقرير «الدليل الدفاعي: الاستخبارات الوطنية والدفاعية» في 24 سبتمبر 2026، ويقدم نظرة مركزة على المؤسسات التي تجمع وتحلل وتنتج المعلومات الاستخباراتية لصالح الرئيس والكونجرس والجيش وأجهزة إنفاذ القانون وصناع القرار في الحكومة الأمريكية.
18 جهازًا.. و 9 داخل وزارة الدفاع
بحسب التقرير، يتكون مجتمع الاستخبارات الأمريكي قانونيًا من 18 عنصرًا؛ اثنان منها مستقلان، بينما ترتبط العناصر الأخرى بست وزارات اتحادية مختلفة. ومن بين هذه المنظومة توجد 9 عناصر تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، من بينها وكالة استخبارات الدفاع، ووكالة الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية، والمكتب الوطني للاستطلاع، إلى جانب أجهزة الاستخبارات التابعة للقوات البرية والبحرية والجوية ومشاة البحرية والقوة الفضائية.
وفي الجانب غير التابع لوزارة الدفاع، تضم المنظومة مكتب مدير الاستخبارات الوطنية ووكالة الاستخبارات المركزية، إلى جانب وحدات استخباراتية تابعة لوزارات الخارجية والعدل والأمن الداخلي والطاقة والخزانة.
ولا تعمل هذه المؤسسات باعتبارها كيانات منفصلة تمامًا؛ إذ يؤكد تقرير CRS أن الاستخبارات الوطنية والاستخبارات الدفاعية ليستا منظومتين منفصلتين بصورة مطلقة، وأن العناصر الـ18 مطالبة بالتعاون لسد الثغرات المعلوماتية وتبادل المنتجات الاستخباراتية مع الجهات الحكومية المصرح لها بالاطلاع عليها.
قصتان للتمويل.. NIP وMIP
أحد أهم مفاتيح فهم المنظومة الاستخباراتية الأمريكية يكمن في وجود مسارين رئيسيين للتمويل.
البرنامج الوطني للاستخبارات (NIP) يمول الأنشطة المرتبطة بالاحتياجات الاستراتيجية لصناع القرار، ويشمل تمويل مكتب مدير الاستخبارات الوطنية ووكالة الاستخبارات المركزية، فضلًا عن الأنشطة الاستراتيجية التابعة لأجهزة استخبارات وزارة الدفاع مثل وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية ووكالة استخبارات الدفاع والمكتب الوطني للاستطلاع.
أما برنامج الاستخبارات العسكرية (MIP) فيركز على أنشطة الاستخبارات الدفاعية ذات المتطلبات التكتيكية أو العملياتية المرتبطة بوزارة الدفاع والعمليات العسكرية.
وبالتالي يمكن أن يحصل النشاط الاستخباراتي الواحد، عندما يخدم أهدافًا وطنية وعسكرية في الوقت نفسه، على تمويل من البرنامجين، وهو ما يجعل العلاقة بين المسارين أكثر تعقيدًا من مجرد تقسيم بسيط بين «استخبارات مدنية» و«استخبارات عسكرية».
من يدير المنظومة؟
يوضح التقرير أن التنسيق العام يقوم بصورة رئيسية على مسؤولين بارزين هما مدير الاستخبارات الوطنية (DNI) ووكيل وزارة الدفاع للاستخبارات والأمن (USD[I&S]).
مدير الاستخبارات الوطنية هو المستشار الرئيسي للرئيس في شؤون الاستخبارات، ويقود جهود دمج عمل مجتمع الاستخبارات. أما وكيل وزارة الدفاع للاستخبارات والأمن فيتولى مسؤوليات الاستخبارات داخل وزارة الدفاع، ويقوم في الوقت نفسه بدور مدير استخبارات الدفاع (DDI)، بحيث يرفع في هذا الدور تقاريره إلى مدير الاستخبارات الوطنية ويقدم له المشورة بشأن الاستخبارات الدفاعية ومكافحة التجسس والأمن.
وهنا تظهر إحدى النقاط المهمة في هيكل المنظومة: المسؤول نفسه يشغل وظيفتين تحت سلطتين مختلفتين، بحسب الدور الذي يؤديه، وهو ترتيب يعكس محاولة الربط بين المتطلبات الاستخباراتية الوطنية والاحتياجات العسكرية.
لماذا تثار مسألة الإشراف؟
تعدد الأجهزة والوزارات ومسارات التمويل يعني أن الكونجرس يتعامل مع منظومة موزعة بين سلطات وهياكل مختلفة، فيما تتم عملية تمويل البرنامج الوطني للاستخبارات عبر مسار منفصل عن البرنامج العسكري.
وتشير مواد CRS الخاصة بتمويل الاستخبارات إلى أن مدير الاستخبارات الوطنية يدير موارد NIP عبر عملية تخطيط وموازنة خاصة بمجتمع الاستخبارات، بينما تتم إدارة MIP بصورة منفصلة داخل وزارة الدفاع، مع وجود تنسيق بين الجانبين لدمج الجهود الاستخباراتية.
وهذا الفصل لا يعني غياب التنسيق، لكنه يخلق تحديًا مستمرًا أمام الرقابة والتأكد من اتساق الأولويات وتوزيع الموارد بين الاحتياجات الوطنية والعمليات العسكرية.
«وزارة الحرب».. تغيير في المسمى لا في القانون
ومن النقاط اللافتة في النسخة الأحدث من تقرير CRS اعتمادها تسمية «وزارة الحرب» (Department of War) بوصفها لقبًا ثانويًا لوزارة الدفاع.
ويعود ذلك إلى الأمر التنفيذي 14347 الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب في 5 سبتمبر 2025، وسمح باستخدام «وزارة الحرب» و«وزير الحرب» كمسميات ثانوية في المراسلات والاتصالات الرسمية وبعض السياقات غير التشريعية. وفي الوقت نفسه، نص الأمر التنفيذي صراحة على أن الإشارات القانونية إلى «وزارة الدفاع» و«وزير الدفاع» تظل هي المرجعية إلى أن يغيّر الكونجرس القانون.
ولهذا يظهر المسمى الجديد في تقرير CRS باعتباره جزءًا من الوصف المؤسسي الحالي، من دون أن يعني ذلك أن الاسم القانوني لوزارة الدفاع قد تغير بالفعل.
أين تكمن أهمية التقرير؟
القصة الأساسية في وثيقة الكونجرس ليست الكشف عن جهاز استخبارات جديد، وإنما شرح خريطة المنظومة الأمريكية كما تعمل حاليًا: 18 عنصرًا، تسعة منها داخل وزارة الدفاع، ومساران رئيسيان للتمويل، إلى جانب شبكة من السلطات والمسؤوليات المشتركة.
ويبرز التقرير كذلك أن الاستخبارات الأمريكية تعمل على ثلاثة مستويات رئيسية؛ استراتيجية وعملياتية وتكتيكية. فالاستخبارات الاستراتيجية تخدم كبار المسؤولين في صياغة السياسات والاستراتيجيات، بينما تركز الاستخبارات العملياتية على قدرات ونوايا الخصوم والبيئة العسكرية، وتخدم الاستخبارات التكتيكية القادة في التخطيط للمعارك والعمليات ومواجهة التهديدات الآنية.
وهكذا يقدم تحديث CRS صورة أكثر وضوحًا عن كيفية توزيع القوة الاستخباراتية في الولايات المتحدة، وكيف تتقاطع المؤسسات والميزانيات وسلاسل القيادة داخل واحدة من أكثر المنظومات الحكومية تعقيدًا وحساسية.
