كتب: ياسين عبد العزيز
حصل أول لقاح للأنفلونزا يعتمد على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال mRNA على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA، ليصبح متاحًا للبالغين من عمر 50 عامًا فأكثر، بعد تقييم بيانات السلامة والفعالية الخاصة به، ويفتح اعتماده مسارًا جديدًا في تطوير لقاحات الأنفلونزا خلال السنوات المقبلة.
ترامب يدعو لتقليل لقاحات الأطفال وسط تحذيرات طبية
وذكرت تقارير صحفية نقلًا عن جامعة جونز هوبكنز الأمريكية أن الموافقة جاءت بعد دراسة نتائج التجارب السريرية للقاح، الذي يستهدف الوقاية من الأنفلونزا لدى البالغين، وتأتي الخطوة مع استمرار الحاجة إلى تطوير لقاحات تتعامل مع التغير المستمر في سلالات الفيروس، خاصة خلال مواسم انتشار الأنفلونزا.
وتعتمد تقنية mRNA على إعطاء الخلايا تعليمات مؤقتة لإنتاج بروتين معين من الفيروس، بحيث يتعرف الجهاز المناعي على هذا البروتين ويكوّن استجابة دفاعية ضده، ولا يحتاج هذا الأسلوب إلى إدخال فيروس أنفلونزا حي إلى الجسم ضمن مكونات اللقاح.
وتختلف تقنية mRNA عن طريقة تصنيع بعض لقاحات الأنفلونزا التقليدية، التي تعتمد على إنتاج الفيروس داخل البيض ثم تعطيله واستخدامه في تصنيع اللقاح، وتحتاج هذه العملية إلى فترة زمنية قبل طرح الجرعات، كما تتطلب توقع السلالات التي ستنتشر خلال موسم الأنفلونزا قبل بدء الموسم بوقت كاف.
وتتيح تقنية mRNA تغيير التعليمات الجينية التي يعتمد عليها اللقاح، دون الحاجة إلى زراعة الفيروس وإنتاج كميات كبيرة منه، ويمكن أن يساعد هذا الأسلوب في تقليل الوقت المطلوب لتحديث اللقاحات إذا ظهرت سلالات جديدة أو تغيرت السلالات المنتشرة خلال موسم الأنفلونزا.
وقالت آنا دوربين، أستاذة في قسم الصحة الدولية بجامعة جونز هوبكنز ومديرة مركز أبحاث اللقاحات، إن سرعة إنتاج لقاحات mRNA قد تكون ذات أهمية عند التعامل مع فيروسات تتغير بمرور الوقت، مثل فيروس الأنفلونزا، لأنها قد تسمح بإجراء تعديلات على اللقاح خلال فترة أقرب إلى موسم انتشار الفيروس.
وأظهرت نتائج تجربة سريرية من المرحلة الثالثة، نشرت في New England Journal of Medicine، أن اللقاح القائم على mRNA حقق فعالية أعلى بنحو 26.6% مقارنة بلقاح الأنفلونزا التقليدي المستخدم في المقارنة، وذلك في منع الإصابة بالأنفلونزا المؤكدة معمليًا لدى البالغين الذين تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر.
وشملت التجربة أكثر من 40 ألف مشارك، وركزت على قياس قدرة اللقاح على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا، إلى جانب تقييم الاستجابة المناعية والآثار الجانبية التي ظهرت لدى المشاركين خلال فترة الدراسة، بما وفر بيانات استخدمتها الجهات المختصة في تقييم اللقاح قبل الموافقة.
وأظهرت البيانات أيضًا تسجيل بعض الأعراض الجانبية الموضعية والعامة بمعدلات أعلى لدى الأشخاص الذين تلقوا لقاح mRNA مقارنة ببعض المشاركين الذين حصلوا على اللقاح التقليدي، وشملت الأعراض ألم مكان الحقن والإرهاق والصداع وآلام العضلات.
واستمرت معظم هذه الأعراض لفترة محدودة وكانت في الغالب ضمن درجات خفيفة إلى متوسطة، بينما واصلت الجهات البحثية متابعة بيانات المشاركين لرصد سلامة اللقاح وتقييم النتائج التي ظهرت خلال التجارب السريرية، خاصة مع الفئات العمرية التي تستهدفها الموافقة الأمريكية.
وأظهرت البيانات استجابة مناعية أقوى لدى بعض الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر مقارنة ببعض اللقاحات التقليدية، وتكتسب هذه الفئة اهتمامًا في دراسات لقاحات الأنفلونزا بسبب ارتفاع احتمالات تعرض كبار السن لمضاعفات مرتبطة بالعدوى، ما يجعل الوقاية من الأنفلونزا محورًا رئيسيًا في برامج التطعيم.
وأوضحت مجلة Nature أن الموافقة الأمريكية على لقاح mRNA للأنفلونزا صدرت في أغسطس 2026، وأن استخدامه خلال موسم الأنفلونزا 2026-2027 سيتيح جمع بيانات إضافية حول أداء اللقاح في الاستخدام الفعلي، بعد انتقاله من نطاق التجارب السريرية إلى الاستخدام لدى الفئة المستهدفة.
وتظل لقاحات الأنفلونزا التقليدية متاحة خلال موسم الأنفلونزا الحالي، ولا تعني الموافقة على لقاح mRNA إيقاف استخدام الأنواع الأخرى، إذ تستمر خيارات التطعيم القائمة بالتوازي، بينما تحتاج اللقاحات المعتمدة على mRNA إلى مزيد من البيانات الواقعية لتقييم أدائها على نطاق واسع ومقارنتها بالخيارات المتاحة.
ويركز الباحثون خلال الفترة المقبلة على إمكانية استخدام تقنية mRNA في تحديث لقاحات الأنفلونزا خلال وقت أقصر، خاصة مع استمرار تغير الفيروس وظهور سلالات مختلفة من موسم إلى آخر، وهي عوامل تؤثر في عملية اختيار السلالات التي تدخل ضمن تركيبة اللقاح قبل بدء موسم انتشار المرض.
وتقتصر الموافقة الحالية على الولايات المتحدة وعلى الفئة العمرية المحددة التي تبدأ من 50 عامًا، ولا تعني حصول اللقاح تلقائيًا على اعتماد للاستخدام لدى جميع الأعمار أو في جميع الدول، كما ستحتاج الجهات الصحية والباحثون إلى متابعة بيانات موسم الأنفلونزا 2026-2027 لتقييم النتائج بعد بدء الاستخدام الفعلي للقاح.
