كارثة المأوى في “بنجاب الباكستانية” .. تساقط منازل الفقراء تحت أمطار 2026
مصادر – وكالات
في السابع والعشرين من يوليو 2026، التفت إحدى الأسر في حي “هاربانسبورا” بمدينة لاهور الباكستانية للاحتفال بعيد ميلاد أحد أفرادها.
لم تدم لحظات الفرحة طويلاً؛ إذ انهار المنزل المكون من ثلاثة طوابق فجأة، طابقاً تلو الآخر، ليتحول الاحتفال في لحظات إلى مأساة أسفرت عن مقتل 11 شخصاً وإصابة 6 آخرين.
وقبل ذلك بأقل من شهر، تحديداً في الثلاثين من يونيو، شهدت منطقة “كاهنا” في لاهور كارثة مماثلة إثر انهيار مبنى سكني يُستخدم كمعهد تعليمي، ما أدى إلى مقتل 14 طفلاً، كان أصغرهم يبلغ من العمر خمس سنوات فقط.
تأتي هذه الحوادث المتتابعة بالتزامن مع موسم الأمطار الموسمية الهشة، لتطرح تساؤلات حادة حول مدى قدرة منازل الأسر ذات الدخل المحدود على الصمود أمام الصدمات المناخية، وعما إذا كانت سياسات الإسكان في إقليم البنجاب — والتي تركز بشكل أساسي على القروض وبناء وحدات جديدة — تولي اهتماماً كافياً لترميم السلامة الإنشائية للمنازل الآيلة للأسقوط.
أرقام موجعة وخسائر متصاعدة
وفقاً لإحصاءات الهيئة الوطنية إدارة الكوارث (NDMA)، أسفرت موجات الأمطار المتتالية في إقليم البنجاب بين 26 يونيو و22 سبتمبر 2026 عن مصرع 69 شخصاً وإصابة 392 آخرين. وكشفت البيانات أن 71% من حالات الوفاة (49 ضحية) كانت بسبب انهيار المنازل، فضلاً عن تدمير 104 منازل بشكل كامل وإلحاق أضرار جزئية بـ 122 منزلاً آخر.
تأتي هذه الخسائر استمراراً للوضع الحرج الذي شهده الإقليم خلال فيضانات عام 2025، حيث سجل البنجاب أعلى معدل خسائر في قطاع الإسكان على مستوى باكستان، بتدمير 55,134 منزلاً بالكامل وتضرر 157,963 منزلاً بشكل جزئي.
مبادرات حكومية تحت المجهر
أمام هذه الفواجع، أطلقت حكومة البنجاب برئاسة مريم نواز برنامج “أبني شات، محفوظ شات” (سقفي.. سقف آمن) لتوسيع نطاق مبادرة “أبني شات، أبنا غار” (سقفي.. بيتي) الصادرة في أغسطس 2024.
وصرح سيكندر زيشان، مدير عام وكالة الإسكان والتخطيط العمراني بالبنجاب (PHATA)، بأن البرنامج يقدم قروضاً حسنة تصل إلى 500 ألف روبية لترميم الأسقف أو إضافة غرف، وقروضاً تصل إلى مليون روبية لبناء طوابق إضافية، تُسدد على أقساط ميسرة تصل إلى 9 سنوات. وأكد زيشان أن المبادرة تستهدف الوصول إلى 300 ألف أسر بحلول عام 2028، واصفاً إياها بأنها “ثورة في منظومة الإسكان منخفض التكلفة”.
لكن على الجانب الآخر، يرى خبراء ومطورون عقاريون أن هذه المبادرات لا تعالج جذور المشكلة، مؤكدين أن بناء جدران جديدة لا يكفي دون توفير البنية التحتية وضمان أمان المباني.
يقول جواد أسلم، الرئيس التنفيذي لشركة “أنصار” للمشروعات الاجتماعية: “من الصعب تصديق الأرقام المعلنة حول تسليم مئات الآلاف من المنازل الآمنة؛ حيث تغيب الأدلة الميدانية الشفافة حول المدى الحقيقي لانتشار هذه المشاريع واستفادة الفئات الأشد احتياجاً منها”.
كما أشار المواطنون إلى صعوبات إضافية؛ إذ تؤكد سَمينة (عاملة منزلية) أن سداد قسط شهري يصل إلى 14 ألف روبية يُعد أمراً مستحيلاً لشخص لا يتجاوز دخله 40 ألف روبية، بينما يرى آخرون أن الحصول على هذه القروض يخضع لنفوذ المحسوبية والوساطة.
تحديات البنية التحتية والوصول للمرافق
في مناطق مثل “أهلو رود” ببلدة كاهنا، تتجاور المنازل الحديثة التي بُنيت جزئياً بقروض حكومية مع برك من مياه الصرف الصحي والقمامة المتراكمة إثر الأمطار.
تقول نسرين، إحدى المقيمات بالمنطقة، إنها استطاعت بناء هيكل منزلها بقرض قدره 1.5 مليون روبية، لكن القرض نُفد قبل تركيب الأبواب أو طلاء الجدران، لتظل العائلة يعوزها الأمان الكامل داخل منزل غير مكتمل الخدمات، وفي بيئة تفتقر للحد الأدنى من شبكات الصرف الصحي والخدمات الأساسية.
من جانبه، أوضح الدكتور ناصر جاويد، الخبير في التنمية العمرانية والرئيس التنفيذي السابق للوحدة الحضرية، أن ربط القروض بملكية الأراضي يدفع الأسر الفقيرة إلى أطراف المدن والمناطق الهامشية، مما يزيد من أعباء التنقل ويحرمهم من الوصول للخدمات الأساسية، وهو ما يتنافى مع أهداف التنمية المستدامة (SDG 11.1) التي تنص على توفير سكن آمن وملائم للجميع.
مراجعات دولية وتحذيرات من التعثر
وعلى صعيد الدعم الدولي، كشفت وثائق البنك الدولي المتعلقة بـ “برنامج البنجاب للإسكان الميسر” (PAHP) بتمويل قدره 200 مليون دولار، عن خفض تقييم أداء البرنامج إلى “غير مرضٍ بدرجة متوسطة”، رفعاً لمستوى المخاطر إلى “جسيمة”، نظرًا لبطء التنفيذ وتأخر مشاركة القطاع الخاص، حيث لم يتم تسليم أية وحدات سكنية ميسرة عبر هذا البرنامج حتى مايو 2026.
ويؤكد خبراء العقارات والتخطيط أن الحل المستدام يكمن في إيجاد قاعدة بيانات دقيقة للأسر الأشد احتياجاً، وتوفير بيئة تنظيمة تشجع المطورين، إلى جانب وضع استراتيجية وشاملة لترميم المنازل القائمة وتوفير مرافق الصرف والخدمات الأساسية، بدلاً من التركيز فقط على منح قروض لبناء جدران قد تنهار مع أول موجة أمطار قادمة.





