«الهندسة الاجتماعية» كيف تتحول إلى آلة للقتل الجماعي؟.. رحلات صيد “التوتسى” نموذجا
دراسة أكاديمية ترصد دور الدعاية والإذاعة والتنظيم المحلي في تحويل العنف إلى ممارسة يومية خلال إبادة التوتسي عام 1994
موقع بيان الإخبارى
لم تكن الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994 مجرد انفجار مفاجئ للعنف، أو نتيجة مباشرة لصراع سياسي وعسكري بين أطراف متنازعة، وإنما جاءت ــ وفق تحليل أكاديمي نشره موقع E-International Relations ــ نتيجة تراكم تاريخي وسياسي واجتماعي، تداخلت خلاله أدوات السلطة والدعاية والتنظيم المجتمعي في إنتاج بيئة جعلت العنف ممكنًا ومقبولًا، بل وتحول في بعض المناطق إلى ممارسة يومية منظمة.
وتبحث الدراسة التي أعدها Asees Puri، ونُشرت أصلًا عام 2020 تحت عنوان The Rituals of a Massacre: Mapping Violence During the Rwandan Genocide، في سؤال أساسي: كيف أمكن أن يتحول المجتمع إلى بيئة يقتل فيها الجيران جيرانهم، وبالوسائل شديدة القرب الجسدي، خلال فترة قصيرة من الزمن؟
ويركز الباحث على مفهوم «الهندسة الاجتماعية»، أي استخدام المؤسسات والخطاب والممارسات المنظمة للتأثير في سلوك المجتمع وإعادة تشكيل تصوراته عن الواقع، معتبرًا أن هذا المفهوم يساعد في تفسير كيفية جعل العنف «مقبولًا» من الناحية الاجتماعية و«ممكنًا» من الناحية العملية.
أربعة أشهر من الرعب
وقعت الإبادة الجماعية في رواندا خلال الفترة الممتدة من 7 أبريل إلى يوليو 1994، بعد سنوات من التوترات السياسية والعرقية والحرب الأهلية.
ويشير التحليل إلى أن واحدة من أكثر السمات صدمة في تلك المأساة تمثلت في أن جانبًا كبيرًا من عمليات القتل لم يحدث على ساحات معارك تقليدية، وإنما داخل القرى والبلدات، وعلى أيدي أشخاص يعرف الضحايا بعضهم بعضًا.
وكان استخدام الأسلحة البيضاء، ولا سيما المناجل، من السمات البارزة للعنف، وهو ما أعطى عمليات القتل طابعًا شديد القرب والوحشية مقارنة بالقتل باستخدام الأسلحة النارية من مسافات بعيدة.
كما امتدت أعمال العنف إلى أماكن كان يُنظر إليها عادة باعتبارها آمنة أو مقدسة، ومنها الكنائس والمدارس، ما كشف عن انهيار الحدود التقليدية بين الحياة اليومية وممارسة العنف.
من التمييز الاجتماعي إلى بناء «العدو»
يربط الباحث بين العنف الذي شهدته رواندا وبين تاريخ طويل من التمييز والتصنيف العرقي.
ويشير إلى الدور الذي لعبته الحقبة الاستعمارية البلجيكية في ترسيخ تصنيفات عرقية بين الهوتو والتوتسي والتوا، ومن بينها ما عُرف تاريخيًا بـ«فرضية الهاميت»، التي ساهمت في بناء تصورات عن اختلافات عرقية وطبقية بين المجموعات السكانية.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه التصنيفات من أفكار اجتماعية إلى ممارسات وسياسات ومؤسسات، واستمرت بدرجات مختلفة خلال العهد الملكي ثم الجمهورية التي قادها الهوتو.
وبحسب الدراسة، فإن هذه الخلفية ساعدت في تشكيل بيئة أصبح فيها تصنيف الآخر جزءًا من البنية الاجتماعية والسياسية، قبل أن يتم توظيف هذه التصنيفات بصورة أكثر تطرفًا خلال الإبادة.
الراديو.. عندما تتحول الدعاية إلى أداة تعبئة
تحتل وسائل الإعلام، وخاصة الإذاعة، موقعًا محوريًا في تحليل الباحث.
فإذاعات رواندية استخدمت الخطاب السياسي والدعاية لتقديم رسائل تستهدف تشكيل تصورات الجمهور عن الصراع، وإعادة تعريف التوتسي باعتبارهم «آخر» أو تهديدًا للمجتمع.
ويشير التحليل إلى أن خطاب التحريض لم يكن منفصلًا عن الحياة اليومية، بل دخل إلى المجال الذي يتحرك فيه المواطن العادي، وحوّل المشاركة في العنف من فعل استثنائي إلى سلوك يمكن تبريره باعتباره دفاعًا عن الجماعة.
وهنا تظهر أهمية ما يسميه الباحث «إعادة تشكيل الواقع»، إذ لا تقتصر الدعاية على نشر معلومات أو شعارات، وإنما يمكن أن تسهم في تغيير الطريقة التي يرى بها الأفراد أنفسهم والآخرين، وفي تحديد ما يعتبرونه سلوكًا مقبولًا أو غير مقبول.
من «القتل» إلى «الصيد»
واحدة من أبرز النقاط التي تتناولها الدراسة هي الطريقة التي جرى بها تنظيم عمليات القتل.
فبدلًا من تقديمها للمنفذين باعتبارها عمليات قتل مباشرة، استخدمت بعض الخطابات تعبيرات مثل «الصيد»، وهو توصيف يحمل دلالة مهمة في عملية نزع الصفة الإنسانية عن الضحية.
ويستشهد الباحث بشهادات نقلها الكاتب والصحفي جان هاتزفيلد عن بعض المشاركين في عمليات الإبادة، حيث وصف بعضهم التجمعات والتحركات اليومية باعتبارها أشبه برحلات صيد جماعية.
وبهذا المعنى، لم يكن الأمر مجرد تحريض على العنف، وإنما إعادة صياغة الفعل نفسه داخل اللغة اليومية، بحيث يصبح قتل الإنسان شبيهًا بممارسة جماعية مألوفة.
تنظيم العنف وفق إيقاع الحياة اليومية
يرى الباحث أن سهولة المشاركة في أعمال العنف لم تكن منفصلة عن طريقة تنظيمها.
فقد جرى ــ بحسب الدراسة ــ استخدام أماكن مألوفة للتجمع، مثل ملاعب كرة القدم، إلى جانب نقاط التفتيش وبطاقات الهوية، بما جعل عمليات التعرف على الأشخاص واستهدافهم أكثر تنظيمًا.
كما ساهم استخدام المناجل في خفض الحاجة إلى التدريب العسكري المتخصص، في حين أن معرفة المشاركين بالقرى والمناطق المحيطة بهم جعلت عمليات البحث عن الضحايا أكثر سهولة.
ويشير التحليل إلى أن تنظيم عمليات القتل ضمن ساعات محددة من اليوم، ووجود مجموعات من الأصدقاء والأقارب والجيران، ساعد في تحويل العنف إلى نشاط جماعي ذي إيقاع متكرر.
وكانت مظاهر التضامن بين المشاركين، وتناول المشروبات معًا قبل عمليات القتل أو بعدها، إضافة إلى احتمالات الحصول على ممتلكات الضحايا، من العوامل التي ساهمت ــ وفق الدراسة ــ في خلق حوافز اجتماعية ومادية للمشاركة.
لماذا كان «الجيران» قادرين على قتل جيرانهم؟
لا يحاول الباحث تقديم إجابة نفسية مبسطة عن سؤال لماذا تحول أشخاص عاديون إلى قتلة، وإنما يغير زاوية السؤال نفسها.
فبدلًا من السؤال عن سبب قتل الفرد لجاره، يبحث في الظروف التي جعلت ممارسة العنف ممكنة ومقبولة داخل المجتمع.
وهنا تظهر فكرة أساسية في الدراسة: العنف لا يصبح واسع النطاق بمجرد وجود الكراهية، بل يحتاج أيضًا إلى بنية اجتماعية وتنظيمية تسمح بممارسته.
ومن خلال الدعاية والتصنيف العرقي، جرى ــ وفق هذا التحليل ــ تقليص الحاجز النفسي أمام العنف، بينما ساعد التنظيم المحلي واستخدام الأدوات والمواقع المألوفة وشبكات العلاقات الاجتماعية على تقليل الصعوبات العملية للمشاركة فيه.
وبذلك اجتمعت آليتان: جعل العنف أكثر قبولًا من الناحية النفسية والاجتماعية، وجعله أكثر سهولة من الناحية التنظيمية والعملية.
الدولة والدعاية والتنظيم
تضع الدراسة مفهوم «الحوكمة» أو Governmentality في قلب تفسيرها، مستندة إلى أفكار ميشيل فوكو بشأن قدرة السلطة على تشكيل السلوك والعقلية والواقع الاجتماعي.
وفي الحالة الرواندية، يرى الباحث أن مؤسسات الدولة والتنظيمات المرتبطة بها والخطاب الإعلامي ساهمت في بناء بيئة اجتماعية يمكن فيها تعبئة قطاعات من السكان للمشاركة في العنف.
كما يشير إلى دور تنظيمات مثل الإنتراهاموي والحرس الرئاسي واللجان التي تشكلت في سياق الأزمة، معتبرًا أن هذه البنية التنظيمية لم تكن مجرد تجمعات عشوائية، وإنما ساعدت في تحويل العنف إلى نشاط يمكن تعبئته وإدارته على المستوى المحلي.
ليست كل المشاركة واحدة
ومع ذلك، يشدد التحليل على أن «الهندسة الاجتماعية» لا تعني أن جميع أفراد المجتمع استجابوا بالطريقة نفسها.
فقد شارك بعض الهوتو في قتل التوتسي، بينما اختار آخرون حماية جيرانهم أو مساعدتهم على الهرب.
وهذه النقطة مهمة؛ لأن وجود دعاية وتحريض وتنظيم لا يعني أن الفرد يفقد قدرته على الاختيار بالكامل، وإنما يعني أن البيئة المحيطة به تتغير، وأن الحوافز والضغوط والعقوبات والفرص المتاحة أمامه تتغير معها.
ومن ثم، لا تقدم الدراسة تفسيرًا حتميًا لسلوك كل فرد، بل تبحث في الظروف الاجتماعية التي وسعت نطاق العنف وجعلت المشاركة فيه ممكنة على نطاق واسع.
الإبادة لم تبدأ في أبريل 1994
ومن أبرز استنتاجات الدراسة أن الإبادة الجماعية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حدثًا منفصلًا بدأ وانتهى في عام 1994.
فالإبادة، وفق هذا المنظور، كانت نتيجة مسار تاريخي طويل شمل الاستعمار البلجيكي، والتصنيف العرقي، والتحولات السياسية، والحرب الأهلية، والصراعات على السلطة، وتراكم مشاعر العداء.
وبالتالي فإن فهم الأشهر التي شهدت المجازر يتطلب العودة إلى البنية السياسية والاجتماعية التي سبقتها.
كما أن الدراسة تميز بين الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، رغم تداخلهما في السياق الرواندي؛ فالحرب الأهلية تضمنت صراعًا مسلحًا بين أطراف متحاربة، بينما تستهدف الإبادة جماعة محددة على أساس هويتها بقصد تدميرها كليًا أو جزئيًا.
«الواقع البديل» الذي يجعل العنف طبيعيًا
الخلاصة الرئيسية التي يصل إليها الباحث هي أن الإبادة الجماعية في رواندا شهدت نشوء ما يمكن وصفه بـ«واقع اجتماعي بديل»، أصبحت فيه ممارسة العنف ضد التوتسي جزءًا من السلوك الطبيعي الذي تتوقعه الجماعة من أفرادها.
هذا الواقع لم يُخلق بواسطة أداة واحدة، وإنما من خلال تداخل الدعاية، والتصنيف العرقي، والسلطة المركزية، والتنظيم المحلي، والرقابة، ونقاط التفتيش، وشبكات العلاقات الاجتماعية، والحوافز المادية.
وبهذا المعنى، لم يكن القتل مجرد قرار فردي منفصل، وإنما أصبح ممارسة اجتماعية منظمة.
وتشير الدراسة إلى أن فهم هذه الآليات لا يقتصر على تفسير الحالة الرواندية، بل يقدم درسًا أوسع بشأن الطريقة التي يمكن بها للسلطة والدعاية والتنظيم الاجتماعي أن تعيد تعريف الحدود بين المقبول والمرفوض، وبين الحياة اليومية والعنف.
الدرس الأخطر من رواندا
تكمن أهمية دراسة التجربة الرواندية في أنها تطرح سؤالًا يتجاوز تاريخ ذلك البلد: كيف يمكن لمجتمع طبيعي أن ينتقل، خلال فترة زمنية قصيرة، إلى حالة يصبح فيها العنف الجماعي جزءًا من الحياة اليومية؟
والإجابة التي يقدمها التحليل ليست أن الكراهية وحدها تصنع الإبادة، وإنما أن الكراهية عندما تتقاطع مع مؤسسات السلطة، والدعاية، ونزع إنسانية الآخر، وشبكات التعبئة والتنظيم، يمكن أن تتحول إلى عنف واسع النطاق.
وهنا تكمن خطورة «الهندسة الاجتماعية» التي يتناولها الباحث: فهي لا تحتاج دائمًا إلى خلق مشاعر جديدة من الصفر، وإنما يمكنها استثمار الانقسامات الموجودة أصلًا، وإعادة تنظيمها وتوجيهها، حتى يصبح ما كان مرفوضًا في السابق سلوكًا يبدو ــ داخل الواقع الجديد ــ عاديًا أو ضروريًا.
المصدر الأصلي: دراسة The Rituals of a Massacre: Mapping Violence During the Rwandan Genocide للباحث Asees Puri، المنشورة على موقع E-International Relations عام 2020، مع الاستناد في الدراسة إلى مجموعة من المراجع والأعمال الأكاديمية والتاريخية حول الإبادة الجماعية في رواندا.





