يحدث فى أثيوبيا: «مكلي» ليست الهدف الوحيد وتحالف تيجراي يدفع إثيوبيا إلى حافة التفكك
تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
دخل الصراع في شمال إثيوبيا مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، بعدما تحولت المواجهات حول إقليم تيجراي إلى جزء من أزمة أوسع تتداخل فيها جبهات عسكرية متعددة، وتحالفات بين قوى كانت حتى وقت قريب تقاتل بعضها بعضًا.
وفي قلب المشهد تقف جبهة تحرير شعب تيجراي (TPLF) وقوات دفاع تيجراي، في مواجهة القوات الفيدرالية الإثيوبية، بينما يتزامن التصعيد مع تحالف أعلنته سبع حركات سياسية ومسلحة تحت اسم «التحالف الإثيوبي لقوى البقاء»، بهدف إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية. ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيجراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير أوغادين الوطنية، وتنظيمًا مسلحًا من إقليم عفار، وحركتين من بني شنقول-جوموز.
وبالتوازي، تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، فيما تتبادل أديس أبابا وأسمرا الاتهامات بشأن دعم أطراف مسلحة، وسط مخاوف إقليمية من تحول الصراع الإثيوبي إلى مواجهة تتجاوز الحدود.
مكلي في قلب المعركة
في الأول من أكتوبر، قال رئيس جبهة تحرير شعب تيجراي، دبرصيون جبرميكائيل، إن قوات تيجراي تخوض حربًا دفاعية ومستعدة لمعركة طويلة، في وقت كانت فيه القوات الفيدرالية والقوات المتحالفة معها تضغط باتجاه عاصمة الإقليم مكلي.
وجاءت تصريحاته بعد أيام من سيطرة القوات الحكومية على ألماتا، الواقعة جنوب مكلي، في تطور اعتبرته مصادر متابعة للصراع تقدمًا مهمًا للقوات الفيدرالية على المحور الجنوبي.
وبحسب تقييم صادر في 2 أكتوبر عن مركز Critical Threats Project، تقدمت القوات الفيدرالية الإثيوبية شمالًا من ألماتا باتجاه كورييم وماي تشو على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكلي، مع استمرار الاشتباكات مع قوات تيجراي.
لكن السيطرة على ألماتا لا تعني بالضرورة أن الطريق إلى مكلي أصبح مفتوحًا أمام القوات الحكومية؛ فالمنطقة الواقعة بين ألماتا ومكلي تضم تضاريس جبلية وممرات يمكن أن تمنح القوات المدافعة أفضلية ميدانية.
وفي 2 أكتوبر، أفادت رويترز بأن القوات الإثيوبية وحلفاءها يواصلون التقدم باتجاه مكلي، في وقت أعلنت فيه قوات تيجراي عن تحركات مضادة بالقرب من العاصمة الإقليمية، ما يعكس استمرار القتال وعدم حسم المعركة حتى الآن.
من معركة على مكلي إلى حرب متعددة الجبهات
المفارقة الأساسية في المشهد الحالي أن المعركة لا تدور في تيجراي وحده.
فإلى جانب الجبهة الجنوبية المؤدية إلى مكلي، توجد جبهات في أمهرة وعفار وأوروميا وبني شنقول-جوموز، وهو ما يضع الحكومة الإثيوبية أمام معادلة عسكرية معقدة: كل وحدة عسكرية يتم دفعها إلى الشمال لمواجهة قوات تيجراي تصبح أقل قدرة على التعامل مع التمردات المسلحة في مناطق أخرى.
وهنا تظهر أهمية «التحالف الإثيوبي لقوى البقاء».
فالتحالف، الذي أُعلن في 20 سبتمبر، لا يعمل حتى الآن باعتباره جيشًا موحدًا تحت قيادة عملياتية واحدة، لكن أهميته تكمن في اتساع نطاق القوى المنضوية تحته جغرافيًا وسياسيًا. ويضم حركات من تيجراي وأمهرة وأوروميا وعفار والصومال الإثيوبي وبني شنقول-جوموز.
وتكمن خطورة هذا الوضع بالنسبة للحكومة الفيدرالية في أن الخصوم لا يحتاجون بالضرورة إلى شن هجوم موحد على أديس أبابا؛ يكفي أن يفرض كل طرف على القوات الحكومية الاحتفاظ بوجود عسكري في منطقته، بحيث تصبح عملية نقل القوات من جبهة إلى أخرى أكثر صعوبة.
تحالف بين خصوم الأمس
أحد أكثر عناصر التطور الحالي إثارة للاهتمام هو أن التحالف يجمع أطرافًا كانت في الحرب السابقة على طرفي نقيض.
فجبهة تحرير شعب تيجراي خاضت الحرب ضد الحكومة الإثيوبية وحلفائها، بينما كانت قوات فانو الأمهرية إلى جانب القوات الحكومية في الحرب بين 2020 و2022.
واليوم أصبح الطرفان جزءًا من تحالف واحد ضد حكومة آبي أحمد.
لكن ذلك لا يعني أن الخلافات التاريخية بين هذه القوى اختفت. فما زالت هناك ملفات شديدة الحساسية، خصوصًا وضع الأراضي المتنازع عليها في غرب تيجراي، إلى جانب اختلافات جوهرية بشأن شكل الدولة الإثيوبية وتقاسم السلطة ومستقبل النظام الفيدرالي.
وتشير مصادر متابعة للتحالف إلى أن أعضاءه يحتفظون بقياداتهم وهياكلهم العسكرية الخاصة، ما يعني أن التعاون الحالي لا يرقى بالضرورة إلى إنشاء قيادة عسكرية موحدة.
الطريق إلى جيبوتي.. نقطة الضغط الأخطر
لا تتوقف الحسابات العسكرية عند مكلي.
فإقليم عفار يمثل أهمية اقتصادية واستراتيجية خاصة بالنسبة لإثيوبيا، لأنه يرتبط بالممر الذي يصل البلاد بميناء جيبوتي، وهو الطريق الرئيسي الذي تعتمد عليه إثيوبيا في جانب كبير من تجارتها الخارجية وإمداداتها.
ولهذا فإن أي اضطراب مستمر على هذا المحور لا يمثل مجرد مشكلة عسكرية محلية، بل يمكن أن يتحول إلى ضغط اقتصادي مباشر على الحكومة الإثيوبية.
وهنا تتقاطع الجغرافيا العسكرية مع الاقتصاد؛ فالحكومة تحتاج إلى الحفاظ على خطوط الإمداد في الوقت نفسه الذي تحاول فيه الضغط على تيجراي، بينما يسعى خصومها إلى فتح أكبر عدد ممكن من الجبهات وإجبار القوات الحكومية على الانتشار.
إريتريا تدخل منطقة شديدة الحساسية
التطور الأخطر إقليميًا جاء من خارج المعركة المباشرة، مع انهيار العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا.
فالدولتان كانتا حليفتين خلال الحرب الإثيوبية في تيجراي بين 2020 و2022، قبل أن تتدهور العلاقات لاحقًا وسط خلافات حول الأمن والحدود والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
وفي 2 أكتوبر أعلنت إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، بعد تصاعد الاتهامات المتبادلة، في وقت اتهمت فيه أديس أبابا أسمرا بدعم خصومها المسلحين، وهو ما تنفيه إريتريا.
وترتبط الأزمة أيضًا بحديث آبي أحمد المتكرر عن أهمية الوصول الإثيوبي إلى البحر، وهي مسألة تثير مخاوف في أسمرا، خصوصًا فيما يتعلق بميناء عصب.
وبذلك أصبحت الحرب الداخلية في إثيوبيا مرتبطة بصورة متزايدة بحسابات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ماذا تعلمت تيجراي من حرب 2020-2022؟
تعتمد القراءة التي قدمها الكاتب مارتن بلاوت في مقاله المنشور في 3 أكتوبر على أن قيادة تيجراي لا تتعامل مع مكلي باعتبارها هدفًا يجب الدفاع عنه بأي ثمن، وإنما كجزء من استراتيجية أوسع تقوم على استنزاف القوات الحكومية.
ويستند هذا التقدير إلى تجربة الحرب السابقة.
ففي نوفمبر 2020 تمكنت القوات الفيدرالية وحلفاؤها من السيطرة على مكلي، لكن قوات تيجراي أعادت تنظيم صفوفها في المناطق الجبلية، قبل أن تشن هجومًا مضادًا في 2021 وتستعيد العاصمة الإقليمية.
وبحسب بلاوت، فإن الدرس الذي خرجت به قيادة تيجراي هو عدم الدخول في معركة تقليدية طويلة من أجل السيطرة على أرض مكشوفة، بل الحفاظ على القوة القتالية، واستغلال التضاريس، وانتظار اللحظة التي تصبح فيها القوات الحكومية موزعة على جبهات متعددة.
لكن هذه القراءة تظل تحليلًا استراتيجيًا للكاتب وليست حقيقة محسومة بشأن نيات قيادة تيجراي.
المعادلة التي تواجه آبي أحمد
القوات الحكومية الإثيوبية تمتلك عناصر قوة مهمة؛ من بينها سلاح الجو والطائرات المسيّرة والقدرة على استخدام القوات النظامية والمليشيات المتحالفة معها.
لكن المشكلة تكمن في اتساع رقعة الالتزامات العسكرية.
فالحكومة لا تواجه تيجراي وحدها، وإنما تخوض مواجهات أو عمليات أمنية في مناطق أخرى، بينها أمهرة وأوروميا، فيما أصبح إقليم عفار جزءًا أكثر حساسية من المعادلة.
وتشير وكالة رويترز إلى أن الحكومة الإثيوبية تواجه في الوقت نفسه اتهامات من خصومها بدعم إريتريا لبعض الجماعات المسلحة، بينما تنفي الدول المتهمة هذه الادعاءات، وهو ما يجعل تحديد حجم الدعم الخارجي للمعارضة الإثيوبية أمرًا يحتاج إلى أدلة مستقلة، وليس مجرد بيانات صادرة عن أطراف الحرب.
هل نحن أمام إعادة إنتاج لحرب 2020؟
هناك بالفعل عناصر تشبه الحرب السابقة: عودة القتال في تيجراي، استخدام الطائرات المسيّرة، التحشيد على الحدود، وعودة التوتر بين أديس أبابا وأسمرا.
لكن هناك اختلافًا مهمًا هذه المرة، يتمثل في ظهور تحالف أوسع يضم قوى من مناطق مختلفة في البلاد.
وقد وصفت وكالة أسوشيتد برس التحالف بأنه يضم سبع مجموعات تسعى إلى إطاحة حكومة آبي أحمد، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن مدى التعاون العسكري الفعلي بينها لا يزال غير واضح، فضلًا عن استمرار الانقسامات السياسية والمناطقية بينها.
وهذا يعني أن قوة التحالف لا يمكن قياسها فقط بعدد التنظيمات الموقعة على بيانه، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذا الاتفاق السياسي إلى تنسيق عسكري مستمر.
بين الحرب الداخلية والتدويل
الأكثر إثارة للقلق هو احتمال انتقال الصراع من حرب داخلية إلى شبكة من الصراعات الإقليمية.
فإثيوبيا تتهم إريتريا بدعم خصومها، كما وجهت اتهامات إلى السودان ومصر، بينما تنفي القاهرة والخرطوم التدخل في القتال الإثيوبي، ولا توجد حتى الآن أدلة علنية مستقلة تثبت وجود قيادة عملياتية مشتركة بين هذه الدول لتوجيه الهجوم الحالي.
وفي المقابل، فإن التوتر الإثيوبي-الإريتري بات واقعًا دبلوماسيًا بعد قطع العلاقات، فيما ترى تحليلات إقليمية أن استمرار القتال قد يخلق تداعيات على السودان والبحر الأحمر.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع القوات الحكومية استعادة مكلي؟
بل أصبح: هل تستطيع الدولة الإثيوبية إدارة عدة أزمات أمنية في وقت واحد دون أن يتحول انتشار قواتها إلى نقطة ضعف استراتيجية؟
مكلي ليست وحدها في المعركة
المعطيات الميدانية حتى 3 أكتوبر 2026 تشير إلى استمرار تقدم القوات الفيدرالية على المحور المؤدي إلى مكلي، مع استمرار المقاومة والتحركات المضادة لقوات تيجراي، بينما لم يحسم القتال مصير العاصمة الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، يمثل تحالف «جبهة البقاء» تطورًا سياسيًا وعسكريًا جديدًا، لكنه لا يزال يواجه اختبارًا حقيقيًا يتمثل في قدرته على الحفاظ على التنسيق بين حركات ذات أجندات ومصالح متباينة.
أما إريتريا، فإن قطعها العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى الصراع.
وبذلك تبدو معركة مكلي جزءًا من معادلة أوسع بكثير من السيطرة على عاصمة إقليمية؛ إذ تتقاطع فيها الصراعات الداخلية على السلطة والهوية والأرض، مع حسابات الحدود والبحر الأحمر والممرات التجارية.
وفي حال استمرت الجبهات المتعددة في الاشتعال، فإن العبء الأكبر لن يكون عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا وإنسانيًا أيضًا، خصوصًا أن إثيوبيا لم تتعافَ بالكامل من آثار حرب تيجراي السابقة.
……………………………………………………………………………………………………….
المصدر الأساسي للتحليل: الكاتب البريطاني مارتن بلاوت، Red Sea Axis، 3 أكتوبر 2026، مع تحديث الوقائع الميدانية والسياسية بالاستناد إلى رويترز، وأسوشيتد برس، ومركز Critical Threats Project ومصادر أخرى.





