
تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
لم تعد صياغة العلاقات بين الصين والولايات المتحدة مجرد اختيار دبلوماسي لعبارات تبدو إيجابية، بل أصبحت جزءًا من التنافس على تحديد قواعد العلاقة بين قوتين تتعارضان في ملفات التجارة والتكنولوجيا والأمن والنفوذ الدولي.
ومن هنا تكتسب العبارة الجديدة التي اتفق عليها الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الأمريكي دونالد ترامب أهمية خاصة، بعدما أضاف الطرفان إلى مفهوم «العلاقة البناءة القائمة على الاستقرار الاستراتيجي» مبادئ «الاحترام والعدالة والمعاملة بالمثل».
وجاء الاتفاق خلال لقاء شي وترامب في البيت الأبيض يوم 25 سبتمبر 2026، امتدادًا للصيغة التي برزت خلال قمتهما في بكين في مايو الماضي.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست» الصينية الصادرة بالإنجليزية في 10 أكتوبر، فإن إضافة المبادئ الجديدة جاءت بعد نقاش دبلوماسي بشأن الصياغة؛ إذ دفعت واشنطن باتجاه تضمين «العدالة والمعاملة بالمثل»، بينما أصرت بكين على إدراج «الاحترام».
مفردات دبلوماسية تكشف أولويات مختلفة
تكمن أهمية الصياغة الجديدة في أنها تجمع بين ثلاثة مبادئ لا تعني بالضرورة الشيء نفسه لدى الطرفين.
فالحديث عن «الاستقرار الاستراتيجي» يعكس رغبة مشتركة في احتواء التوتر ومنع الخلافات من التحول إلى مواجهة أوسع، لكنه لا يعني انتهاء التنافس أو التوصل إلى تسوية بشأن القضايا العالقة.
أما «الاحترام»، الذي أصرت بكين على تضمينه، فيرتبط بالرؤية الصينية لطبيعة العلاقة بين القوتين. فقد أوضح وزير الخارجية الصيني وانج يي أن المقصود يشمل احترام سيادة كل دولة وسلامة أراضيها، واختيارها نظامها الاجتماعي ومسارها التنموي، فضلًا عن احترام المصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية للطرف الآخر.
وبهذا المعنى، لا تقتصر الكلمة على المجاملات الدبلوماسية، بل ترتبط مباشرة بالخلافات المتعلقة بالسيادة والأمن ومجال الحركة الاستراتيجية لكل دولة.
في المقابل، تعكس عبارة «العدالة والمعاملة بالمثل» أولوية أمريكية تتمثل في ربط استقرار العلاقات بنتائج عملية، خصوصًا في التجارة والاستثمار والوصول إلى الأسواق.
فواشنطن تريد، وفق ما أظهرته مواقفها خلال القمم الأخيرة، معالجة ما تعتبره اختلالات في التبادل التجاري، وضمان تدفق المعادن الأرضية النادرة والمواد الحيوية، إلى جانب زيادة المشتريات الصينية من المنتجات الأمريكية.
وبذلك، فإن الخلاف حول الكلمات يعكس اختلافًا أعمق في تعريف العلاقة المطلوبة: بكين تريد إطارًا يعترف بمكانتها ومصالحها ويحد من الضغوط التي تتعرض لها، بينما تسعى واشنطن إلى صيغة تتيح لها المطالبة بمنافع اقتصادية وتجارية أكثر وضوحًا.
وهذه قراءة لدلالات التفاوض على الصياغة، وليست دليلًا على أن الطرفين اتفقا بالفعل على تسوية جميع تلك الملفات.
بكين: الاعتراف بالمصالح والسيادة قبل توسيع التعاون
تتعامل الصين مع مبدأ الاحترام باعتباره مدخلًا لإدارة الخلافات من دون أن يتحول التنافس إلى محاولة لفرض خيارات سياسية أو استراتيجية على الطرف الآخر.
ويكتسب ذلك أهمية في ظل الخلافات المتعلقة بتايوان، والقيود الأمريكية على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، والضغوط التجارية، فضلًا عن التنافس على النفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ومن المنظور الصيني، لا يمكن بناء استقرار طويل الأمد إذا اقترن الحوار باستمرار الإجراءات التي ترى بكين أنها تمس مصالحها الجوهرية أو تحد من فرصها في التنمية.
لذلك، يمنح إدراج «الاحترام» الصين أساسًا سياسيًا للمطالبة بأخذ مخاوفها الأمنية والسيادية في الاعتبار عند إدارة العلاقات الثنائية.
كما يتيح الإطار الجديد لبكين السعي إلى بيئة خارجية أكثر قابلية للتنبؤ، بما يساعدها على التركيز على أولوياتها الاقتصادية والتكنولوجية، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية وخارجية.
ويشير تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي إلى أن استمرار الاستقرار يخدم أيضًا رغبة الصين في التركيز على اقتصادها، في ظل استمرار انعدام الثقة بين مؤسسات البلدين.
لكن قبول واشنطن بهذه اللغة لا يعني تبنيها التفسير الصيني الكامل لمفهوم الاحترام، ولا يعني موافقتها على جميع مطالب بكين بشأن تايوان أو التكنولوجيا أو الأمن الإقليمي.
فالصياغة المشتركة تترك مساحة واسعة لكل طرف لتفسير المبادئ وفق مصالحه.
واشنطن: المعاملة بالمثل واختبار النتائج الاقتصادية
على الجانب الأمريكي، تبرز المعاملة بالمثل باعتبارها معيارًا لقياس مدى استفادة الولايات المتحدة من العلاقة مع الصين، فالإدارة الأمريكية لا تكتفي بإعلان الرغبة في الاستقرار، بل تربط هذا الاستقرار بملفات عملية تشمل التجارة وسلاسل الإمداد والوصول إلى الأسواق والمواد الحيوية.
وتوضح التحليلات التي أعقبت قمة مايو أن واشنطن ركزت على نتائج تجارية ملموسة، بينها ضمان استمرار تدفقات المعادن الأرضية النادرة، وزيادة المشتريات الصينية من السلع الزراعية والطائرات الأمريكية، في حين ركزت بكين بدرجة أكبر على تثبيت إطار سياسي جديد للعلاقات الثنائية.
ومن هنا، يمكن فهم إصرار واشنطن على تضمين «العدالة والمعاملة بالمثل» بوصفه محاولة لربط الخطاب الدبلوماسي بمطالب اقتصادية محددة.
غير أن هذا المبدأ يظل قابلًا للتأويل؛ فما تعتبره الولايات المتحدة معاملة غير متكافئة قد تراه الصين نتيجة لاختلاف بنية الاقتصادين أو انعكاسًا لقيود أمريكية مفروضة على الشركات والتكنولوجيا الصينية.
وعليه، فإن الاتفاق على المبدأ لا يحسم الخلاف حول تطبيقه، ولا يضمن وحده تراجع الرسوم الجمركية أو القيود التقنية أو النزاعات بشأن الاستثمارات. فهذه الملفات تحتاج إلى تفاهمات تنفيذية وآليات متابعة، وليس إلى توافق لغوي فقط.
الاستقرار لا يعني نهاية التنافس
رغم ما تحمله الصياغة الجديدة من إشارات إلى رغبة الطرفين في ضبط العلاقة، فإنها لا تمثل إعلانًا عن انتهاء المنافسة الاستراتيجية بينهما.
فالقضايا التي تسببت في التوتر خلال السنوات الماضية ما زالت قائمة، وفي مقدمتها تايوان، والقيود على أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة، والمعادن الحيوية، والتوازن العسكري في المحيطين الهندي والهادئ.
ويحذر تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي عقب قمة مايو من أن مفهوم «الاستقرار الاستراتيجي» قد يساعد على تقييد التنافس، لكنه قد يترك أيضًا خلافات جوهرية من دون حل، أو يفتح المجال أمام تفاهمات ثنائية لا تراعي بالضرورة مصالح الأطراف الأخرى المتأثرة بالعلاقة بين القوتين.
وتظهر هنا المفارقة الأساسية: فالصين والولايات المتحدة تحتاجان إلى قدر من الاستقرار لتقليل مخاطر التصعيد وحماية المصالح الاقتصادية، لكن كلتيهما تواصل السعي إلى تعزيز موقعها التنافسي.
لذلك، قد يكون الهدف الواقعي من الصياغة الجديدة هو تنظيم الخلافات ووضع حدود لإدارتها، لا إزالتها.
ماذا تعني الصياغة الجديدة للعالم؟
تتجاوز آثار العلاقة الصينية الأمريكية حدود البلدين، بالنظر إلى تأثيرهما في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والأمن الدولي.
وأي تحسن في القدرة على إدارة التوتر قد يخفف بعض الضغوط على الأسواق والشركات والدول التي ترتبط مصالحها بالطرفين.
وفي المقابل، فإن تحول الاستقرار إلى تفاهمات ثنائية ضيقة قد يثير مخاوف لدى دول أخرى من أن تُحسم قضايا إقليمية أو اقتصادية تؤثر فيها من دون مشاركة كافية منها.
وتتابع دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، على وجه الخصوص، انعكاسات التقارب على التجارة والتكنولوجيا وتايوان والتوازنات الأمنية.
ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن بعض هذه الدول قد تخشى أن يؤدي تحسن العلاقات بين واشنطن وبكين إلى تقليص هامش حركتها أو التأثير في حساباتها الأمنية والاستثمارية.
وبالنسبة إلى الاقتصادات النامية، فإن أهمية التطورات لا تتوقف عند احتمال تراجع التوتر، بل تشمل أيضًا أثر أي تفاهمات تجارية جديدة على تدفقات الاستثمار وأسعار المواد الخام وانتقال الصناعات والتكنولوجيا.
فالتنافس بين القوتين قد يتيح فرصًا لبعض الدول، لكنه قد يفرض عليها كذلك ضغوطًا للاختيار بين ترتيبات اقتصادية أو تقنية متعارضة.
اتفاق على إدارة الخلاف لا على إنهائه
وتكشف الصياغة الجديدة للعلاقات الصينية الأمريكية عن محاولة للجمع بين أولويتين مختلفتين: الاعتراف المتبادل بالمصالح والسيادة من جهة، وضمان العدالة والمعاملة بالمثل في التعاملات الاقتصادية من جهة أخرى.
وقد نجح الطرفان في إدراج المفردات التي أراداها داخل إطار مشترك، لكن ذلك لا يعني أنهما توصلا إلى تعريف موحد لكل مبدأ أو اتفقا على كيفية تطبيقه في الملفات الخلافية.
وسيظل الاختبار الحقيقي للعبارة الجديدة مرتبطًا بما إذا كانت ستنعكس على خطوات ملموسة في التجارة والتكنولوجيا والاتصالات الأمنية وإدارة الخلافات الإقليمية.
أما إذا بقيت في حدود البيانات الرسمية، فقد تتحول إلى لغة مشتركة تخفي وراءها استمرار اختلاف الأولويات.
وفي المحصلة، لا تعلن بكين وواشنطن نهاية التنافس، بل تسعيان إلى صياغة قواعد لإدارته. والسؤال الأهم لم يعد ما إذا كان الطرفان يريدان الاستقرار، وإنما ما إذا كان كل منهما مستعدًا لقبول حدود عملية لطموحاته عندما تتعارض مع مصالح الطرف الآخر.
