تقرير يكتبه: أشرف التهامي
ملخص الحلقة (1)
في الجزء الثاني من هذا التقرير، ننتقل إلى جبهة أخرى من المواجهة مع إسرائيل، لا تُقاس نتائجها بعدد الصواريخ أو الدبابات، بل بمدى تراجع صورتها الدولية واتساع الضغوط القانونية والدبلوماسية والأكاديمية عليها.
فمن خلال تقرير نشره معهد القدس للاستراتيجية والأمن، نرصد كيف تنظر دوائر إسرائيلية إلى الاحتجاجات العالمية، والتحركات في المحاكم الدولية، وحملات التأثير الرقمي، باعتبارها أدوات في حرب متصاعدة على شرعية إسرائيل وقدرتها على التحرك.
كما يكشف التقرير عن مخاوف من توظيف أطراف إقليمية ودولية، بينها إيران وروسيا والصين وتركيا، للإعلام والتكنولوجيا وشبكات التأثير في توجيه الرأي العام، ويدعو إلى إنشاء هيئة إسرائيلية متخصصة لإدارة هذه المواجهة.
وبين ما يطرحه المعهد من تقديرات وما تكشفه التطورات منذ حرب غزة، يبرز السؤال: هل أصبحت معركة الرواية والصورة والشرعية ساحة موازية للصراع العسكري، وإلى أي مدى تستطيع إسرائيل مواجهة تداعياتها المتراكمة؟
ملخص الحلقة (2)
شبكات التمويل
وتُعد شبكات التمويل الركيزة التي تجعل هذا النظام بأكمله ممكناً؛ حيث تقوم الدول والمؤسسات المانحة والجهات المانحة الخاصة والمؤسسات الدينية والمنظمات غير الربحية وهيئات الإغاثة والمبادرات التعليمية بنقل الموارد، سواء بشكل مباشر أو عبر سلاسل من المنح والوسطاء.
وتُستخدم هذه الأموال لتمويل الأبحاث، وتدريب النشطاء، وتقديم الاستشارات القانونية، وإنتاج المحتوى، وعقد المؤتمرات، والأنشطة داخل الجامعات، وتطوير البنية التحتية الرقمية.
فبينما تقوم جهة ما بتمويل الأبحاث، تحولها جهة أخرى إلى حملة، وتستخدمها جهة ثالثة في عريضة، وتتولى جهة رابعة نشر النتائج عبر الإنترنت. لذا، لا تكمن التحدي في تتبع مصادر التمويل فحسب، بل في فهم كيفية تضافر مصادر التمويل -التي تبدو مدنية ومنفصلة عن بعضها- لتشكل نظاماً واحداً متكاملاً.
شبكة الإنترنت
ويمتد هذا التهديد ليشمل ساحات متعددة؛ فالنشاط عبر الإنترنت يوظف برمجيات آلية (بوتات)، وهويات وهمية، ومواقع إخبارية تنتحل صفة مواقع حقيقية، ومحتوى موجهاً لجمهور محدد، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، في حين تتولى وسائل الإعلام التقليدية ترويج أطر سردية متكررة، ونشر تسريبات، وإجراء تحقيقات أحادية الجانب.
الأوساط الأكاديمية والتعليمية و الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية
وفي الأوساط الأكاديمية والتعليمية، يمتد التأثير ليشمل الجيل القادم، واللغة المهنية، ومصادر المرجعية المعرفية ، وفي الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى، تتحول السرديات إلى تقارير ولجان وقرارات، بينما تؤدي الإجراءات القانونية في الساحة القضائية إلى تقييد حرية الحركة وتعريض كبار المسؤولين للمخاطر.
كما يواجه المسئولون الإسرائيليون المنتخبون والأحزاب ضغوطاً سياسية، وتتعرض الشركات للاستهداف عبر حملات المقاطعة، وقرارات الاستثمار، ومساعي قطع العلاقات.
وكما رأينا مؤخراً، فإن الضغوط الممارسة على المجتمعات اليهودية تضعف ارتباطها بإسرائيل، وتزيد في الوقت ذاته من شعورها بالتهديد ومن حجم التهديد الفعلي الذي تواجهه.
وتشكل هذه الأنشطة منظومة متكاملة (نظاماً بيئياً) بدلاً من كونها مجرد مجموعة من التحركات المعزولة؛ إذ يوفر أي حدث عسكري مادة خاماً تتولى الشبكة الرقمية نشرها وتعميمها.
تتولى جهة بحثية صياغة الخطاب المهني، وتحوله منظمة مجتمع مدني إلى حملة، وتعمل وسيلة إعلامية على تعزيز صداه، بينما يحوله المحامون إلى إجراء قانوني؛ في حين يضمن التمويل استمرار هذه الدورة.
لذا، يتعين على الرد الإسرائيلي الفعّال تحديد نقاط الربط ومراكز التأثير الرئيسية، ثم التحرك ضدها على المديين القصير والطويل.
حدود الاستجابة الحالية
تمتلك إسرائيل كوادر مهنية ماهرة، ووحدات استخباراتية متميزة، وقدرات سيبرانية متطورة، ودبلوماسيين وقانونيين وباحثين في مجال الشبكات يتمتعون بالخبرة، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني والجاليات اليهودية حول العالم.
ومع ذلك، فإن هذه القدرات مشتتة؛ إذ لا ترى كل منظمة سوى جزء من الصورة، وتعمل تحت سلطة مختلفة، وتمتلك معلومات متفاوتة، وتُقيَّم بناءً على أهدافها الخاصة.
وفي ظل غياب جهة واحدة تتولى مسؤولية الحملة وتحديد الأولويات وربط جمع المعلومات الاستخباراتية بالتحرك العملي، تكون النتيجة ازدواجية غير ضرورية في العمل في بعض المجالات، مقابل إهمال مجالات أخرى تماماً.
فرق “الهسبارا” (الدبلوماسية العامة) الإسرائيلية
تتواصل وزارة الخارجية مع الحكومات ووسائل الإعلام، لكنها ليست وكالة استخبارات وتفتقر إلى الأدوات اللازمة لإحباط الأنشطة المعادية ، وبإمكان فرق “الهسبارا” (الدبلوماسية العامة) صياغة الرسائل، لكنها غير مهيأة لتتبع مسارات التمويل، أو إنفاذ القانون، أو تنفيذ عمليات تأثير طويلة الأمد. وتتعامل الوزارات الحكومية مع قضايا الشتات، والأوساط الأكاديمية، والقانون، والاقتصاد، والتشريعات ، أما الأجهزة الأمنية، فيمكنها جمع المعلومات وتنفيذ العمليات، لكنها – وعن حق – تكرس معظم اهتمامها للتهديدات العسكرية والإرهاب والتهديدات السيبرانية ، تعمل كل هذه الجهات على قضايا منفصلة، ولا توجد قيادة مركزية تجمعها لمواجهة حملة منظمة.
ونتيجة لذلك، تكتفي إسرائيل برد الفعل بعد وقوع الحدث، محاولةً الحد من الأضرار؛ فعندما ينتشر فيلم تشهيري أو تنشر منظمة ما تقريراً مسيئاً، تبدأ الاستجابة حينها فقط.
وعندما تتبنى جامعة قراراً معادياً، لا يتم حشد الخريجين والمانحين إلا بعد فوات الأوان. وحين تُفتح الإجراءات القانونية، يبدأ سباق جمع الحقائق ، قد تكون كل استجابة مهنية في حد ذاتها، لكن الخصم يكون قد اختار بالفعل التوقيت، وطريقة الطرح، وميدان المواجهة.
ماذا تحتاج إسرائيل؟
تتجاوز المشكلة مجرد التنسيق؛ فإسرائيل بحاجة إلى هيئة ذات مسؤولية دائمة ، ورغم أن تشكيل لجنة وزارية مشتركة، أو منتدى للمديرين العامين، أو غرفة عمليات قد يحسن تبادل المعلومات، إلا أن أياً منها لا يمكن أن يحل محل هيئة كهذه.
فالتنسيق يترك كل منظمة مشاركة تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة، بينما تعني القيادة القدرة على تحديد المهمة، وتخصيص الموارد، وطلب المعلومات، وتوظيف الأدوات، وقياس النتائج، وتغيير مسار العمل.
يكمن الاختبار في أمر بسيط:
- هل يمكن لأي جهاز تنفيذي حكومي أن يقدم لرئيس الوزراء الإسرائيلي صورة موحدة عن شبكات التأثير والتمويل التي تعمل ضد إسرائيل؟
- هل يمكنها تحديد أولويات الأهداف، وجمع المعلومات الاستخباراتية ذاتياً، وتكليف هيئات الجمع بالمهام، وتشكيل فرق عمل، ونشر أدوات عملياتية وتكنولوجية وقانونية واقتصادية ودبلوماسية ورقمية؟
- هل يمكنها تحديد ما إذا كانت النتيجة المرجوة قد تحققت خلال فترة زمنية محددة؟
تُعد “وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية ونزع الشرعية” الجهة المسؤولة اسمياً عن هذا الجهد، إلا أن نطاق عملها وطبيعته يبدوان غير كافيين؛ إذ تتوزع هذه المسؤولية عملياً بين جهات عديدة:
- وزارة الخارجية الإسرائيلية .
- المقر الوطني لـ “الهسبارا” (الدبلوماسية العامة) في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي .
- المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي.
- ووزارة العدل، وغيرها.
وطالما ظل هذا الوضع قائماً، ستستمر إسرائيل في التقصير في مواجهة هذا التهديد.
- القصور الأول:
يتمثل القصور الأول في التغطية: إذ تحظى بعض التهديدات باهتمام محدود، بينما لا تحظى أخرى بأي اهتمام على الإطلاق ، فقد ترصد الأجهزة الأمنية أنشطة سيبرانية أو أعمالاً إرهابية، وقد تحدد وزارة الخارجية ضغوطاً دبلوماسية، وقد تساعد وزارة العدل في إجراءات قانونية؛ ومع ذلك، لا توجد جهة واحدة تربط بين هذه المعطيات وتدرك أنها تشكل أجزاءً من حملة موحدة.
وفي غياب صورة شاملة ومشتركة، يصعب تحديد “مركز الثقل”، واتخاذ قرار بشأن ما يتطلب اهتماماً فورياً، والتمييز بين الجهود التي تهدف إلى التضليل أو صرف الانتباه.
- القصور الثاني:
ويكمن القصور الثاني في الجانب الاستخباراتي: إذ تتفوق إسرائيل في جمع المعلومات حول القدرات العسكرية ونوايا العدو، لكنها لم تطور بعد منظومة استخباراتية متكاملة تغطي شبكات التأثير، والتمويل، والمؤسسات المعرفية، والواجهات التنظيمية، والجمهور المستهدف، وقنوات النشر.
وتستمر هذه المشكلة رغم وفرة المعلومات المتاحة في المصادر المفتوحة، وقواعد بيانات الشركات والمؤسسات غير الربحية، والمنشورات الجامعية، والتقارير المالية، ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتظل هذه المعرفة مجزأة ولا تتحول أبداً إلى ملفات أهداف محددة، لعدم وجود جهة واحدة تتولى طرح الأسئلة، وتنسيق تحليل البيانات، والدمج بين المعلومات المستمدة من المصادر المفتوحة والمعلومات السرية.
- القصور الثالث:
أما القصور الثالث فهو عملياتي: إذ تفتقر إسرائيل إلى آلية دائمة لتحويل المعلومات الاستخباراتية إلى إجراءات منسقة في العالمين الرقمي والواقعي ، في المقابل، يعمل العدو على بناء نفوذه على مدار سنوات، ويستقطب الكوادر البشرية، ويستثمر في المؤسسات، ويطور مفردات وخطاباً خاصاً به؛ بينما تنظم الوزارات عملها وفقاً للدورات الإدارية وفترات تولي المناصب والأحداث، وتعتمد منظمات المجتمع المدني على المانحين والأولويات المتغيرة، وتركز الأجهزة الأمنية على التهديدات التي تقع ضمن نطاق اختصاصها المباشر.
- القصور الرابع:
يتمثل القصور الرابع في الإخفاق في قياس النتائج واستخلاص الدروس؛ إذ يُقيَّم النجاح أحياناً بناءً على عدد المنشورات أو المشاهدات أو الاجتماعات، بدلاً من قياسه بناءً على التغيرات في سلوك الخصم أو في عملية اتخاذ القرار لديه.
وما لم يتم تحديد الأثر المرجو مسبقاً، يستحيل معرفة ما إذا كان الإجراء قد حقق هدفه، أو ما إذا كان ينبغي الاستمرار فيه، أو ما إذا كان قد تسبب في أضرار جانبية. وتتمثل النتيجة في استنزاف الموارد، وبقاء الدروس المستفادة حبيسة مؤسسات فردية، وتكرار أساليب الاستجابة ذاتها.
الاستجابة المقترحة
تحتاج إسرائيل إلى مقر قيادة عملياتي يتعامل مع “الحرب الناعمة” بوصفها ساحة مستقلة لها أهدافها وخصومها وبنيتها التحتية ومواردها ودوراتها العملياتية الخاصة.
ومن شأن هذا المقر أن يجمع بين جهود الاستخبارات والعمليات والشؤون القانونية والتمويل والتكنولوجيا والدبلوماسية والشراكات مع المجتمع المدني. وسيكون هدفه تحديد البنية التحتية للتهديدات مسبقاً، وتعطيلها وإحباط أنشطتها، فضلاً عن المبادرة بإجراءات تعزز حرية العمل الإسرائيلي وتدعم الشرعية.
ومن شأن ذلك أن يحل محل ردود الفعل المحلية والمجزأة حملةٌ استباقية ومستمرة تمتد عبر ساحات متعددة؛ بحيث لا تعود الوزارات مضطرة لمواجهة المقالات المعادية، وحملات المقاطعة، والإجراءات القانونية، والمظاهرات الجامعية، والتمويل المشبوه، والهجمات الإلكترونية بشكل منفرد.
وسيتولى المقر تطوير تقييم موحد للتهديد، وتحديد الأولويات، وتنسيق التحركات ضد البنية التحتية للخصم، كما سيعمل على تعزيز سردية إسرائيلية ويهودية ملائمة ومصممة خصيصاً لتناسب الجماهير وساحات العمليات المختلفة.
ينبغي للحكومة الإسرائيلية أن تتبنى مسارين متكاملين للعمل:
- الدفاع والتعطيل الاستباقي من جهة.
- الهجوم الاستباقي من جهة أخرى.
ويهدف المسار الأول إلى تحديد البنية التحتية، والروابط، ومصادر التمويل، والمشرفين، وقنوات التوزيع، والجمهور المستهدف في مرحلة مبكرة، وقبل أن يتسبب النشاط في أي ضرر.
أما المسار الثاني فيسعى إلى عرقلة عمل الخصم، وكشف شبكاته، وزيادة التكلفة عليه، وتعزيز الشركاء، وتشكيل بيئة العمل بدلاً من الاكتفاء برد الفعل.
تعتمد أي مؤسسة عسكرية جادة دورة عملياتية منتظمة كأمر بديهي، ومع ذلك، فإن هذه الدورة تكاد تكون غائبة تماماً عن ساحة التأثير الحالية.
وستتبع الهيئة المقترحة مثل هذه الدورة في كل ساحة عمل:
- رصد المشكلة وتحديدها.
- تكوين صورة استخباراتية ورسم خريطة للشبكة.
ثم تحديد الأثر المرجو، واختيار مسار العمل، وانتقاء الشركاء.
بعد مرحلة التنفيذ، يجري قياس النتائج واستخلاص الدروس، واتخاذ قرار بشأن مواصلة العمل أو توسيع نطاقه أو تغيير المسار.
يجب أن يصبح العمل الاستخباراتي المخصص لـ “الحرب الناعمة” مجالاً تخصصياً قائماً بذاته؛ إذ لا يكفي مجرد تحديد هوية العدو ونواياه ، بل يتعين على المحللين تحديد الجهات التي توفر التمويل، وتلك التي تعمل كوسطاء، أو تمنح الشرعية، أو تتولى صناعة المحتوى؛ كما يجب تتبع مسار انتشار هذا المحتوى وتحديد الجمهور المستهدف، وفهم الروابط بين الأنشطة العلنية والسرية، وتحديد نقاط الضعف التي يمكن استغلالها لإحداث تغيير في النظام. ولا تقتصر مخرجات هذا العمل على مجرد تقرير، بل تشمل إعداد ملف شامل للهدف يتيح كشف الحقائق، أو إنفاذ الإجراءات، أو ممارسة الضغط، أو تعطيل الأنشطة، أو تنفيذ تحركات عملية بالتعاون مع الشركاء.
ينبغي أن يعمل قسم العمليات جنباً إلى جنب مع قسم الاستخبارات، مع الاستعانة بفرق عمل دائمة وأخرى يتم تشكيلها خصيصاً لأهداف محددة.
فعلى سبيل المثال، قد تتطلب حملة ما في حرم جامعي وجود باحث متخصص في تحليل الشبكات، ومحامٍ، وخبير في شؤون التمويل، وإعلامي، ومتخصص لغوي، ومنسق للتواصل مع المجتمع المحلي.
أما شبكة التأثير التابعة لدولة ما، فقد تتطلب خبرات في مجالات الأمن السيبراني والاقتصاد والتشريعات والدبلوماسية ، ويجب أن تُخصص لكل مهمة فريق واحد وقائد واحد وهدف محدد، مع وضع معايير للأداء مسبقاً، وذلك لضمان تحديد المسؤولية بوضوح عن النتائج المحققة.
يحتاج هذا المقر أيضاً إلى امتلاك قدرات تكنولوجية خاصة به، بحيث تكون مدمجة في العمل الاستخباراتي والعملياتي بدلاً من أن تعمل كنظام منفصل. لقد أتاح الذكاء الاصطناعي والأتمتة حالياً إمكانية إنشاء آلاف الملفات التعريفية والرسائل ومقاطع الفيديو والردود بسرعة فائقة ، كما يمكن للتقنيات ذاتها رصد السلوكيات المنسقة، وتحليل الشبكات، وتحديد الأنماط الشاذة، ورسم خرائط تدفق المعلومات، وقياس مدى التأثير.
يمكن لإسرائيل الاستفادة من ميزة تفتقر إليها العديد من الدول، وهي:
مجتمع استخباراتي قوي، وصناعات تكنولوجية وسيبرانية متطورة، ونظام قانوني متقدم، وجاليات يهودية منتشرة حول العالم، وشبكة واسعة من الشركاء.
ومع ذلك، ففي غياب هيئة قادرة على توظيف هذه الموارد كمنظومة متكاملة، تظل هذه الميزة مجرد حبر على ورق ، وينبغي لهذه الهيئة الجديدة أن تؤسس ثلاثة مجالات للعمل:
- المجال الحكومي والأمني.
- المجال المدني والتكنولوجي.
- المجال الدولي الذي يضم الدول والمجتمعات والمنظمات الصديقة.
يُعد التعاون مع الشركاء من خارج الحكومة أمراً جوهرياً، ولكنه يتطلب تنفيذاً يتسم بالحذر والدقة؛ إذ تتمتع منظمة محلية في الولايات المتحدة أو أوروبا أحياناً بمصداقية وقدرة على الوصول وحرية في الحركة لا تتوفر لهيئة إسرائيلية.
ويتمثل دور الدولة في توفير المعلومات والأدوات الموثوقة وتمكين المنظمة من العمل، مع الحفاظ على استقلاليتها واحترام القوانين المحلية، بدلاً من تحويلها إلى ذراع تابعة للدولة؛ فالشراكة المُدارة بفعالية تعزز الشرعية.
يجب أن تكون الهيئة الوطنية قادرة على توضيح أهدافها، وما أنجزته فعلياً، وما طرأ من تغييرات، والدروس المستفادة ، فالنجاح يتطلب مؤشرات أداء محددة، إذ إن مجرد احتساب عدد المنشورات أو المقابلات أو مرات الظهور (الانطباعات) لا يعكس بالضرورة تحقيق إنجاز حقيقي.
وينبغي أن ترصد هذه المقاييس التغيرات في سلوك المنظمة المستهدفة، أو قطع مصادر التمويل، أو تقليص نطاق وصول حملة ما، أو تغيير قرار تنظيمي، أو الحيلولة دون اتخاذ إجراء قانوني، أو تعزيز موقف شريك، أو تقليص زمن الاستجابة.
ورغم أن هذه المقاييس قد لا تكون مثالية، إلا أن غيابها يجعل من السهل جداً الخلط بين مجرد “النشاط” وبين “التأثير” الفعلي.
ينبغي أن تتبع هذه الهيئة رئيس الوزراء مباشرة، مما يمنحها صلاحية اتخاذ القرار، وإمكانية الوصول إلى المعلومات، والقدرة على تكليف الجهات المعنية بالمهام عند الحاجة.
فمن خلال هذا المستوى القيادي فقط يمكن توحيد جهود مجتمع الاستخبارات، ووزارة الخارجية، ووزارة العدل، وفرق الدبلوماسية العامة (Hasbara)، ووكالات إنفاذ القانون، والوزارات الحكومية، وشركاء المجتمع المدني.
يتم تأسيس هذه الهيئة على مراحل؛ حيث تهدف المرحلة الأولى إلى إثبات القدرات، والتعلم، وصقل آليات توزيع المسؤوليات ، وسيتولى فريق مهني أساسي تحديد أسلوب عمل الهيئة، وحصر كافة الجهات الفاعلة ومجالات التحرك، وصياغة الأسئلة الاستخباراتية، وإعداد تقييم وطني أولي.
وبالتوازي مع ذلك، سيتم اختيار عدة حالات تجريبية يمكن تحقيق نتائج ملموسة بشأنها في فترة زمنية معقولة، مثل شبكات التمويل، أو الحملات الرقمية المنسقة، أو المبادرات القانونية الناشئة.
وتشمل المرحلة الثانية إنشاء وحدات عمل دائمة تغطي مختلف الجهات الفاعلة ومجالات التحرك، بما في ذلك: إيران ووكلاؤها، وقطر، وتركيا، والصين، وروسيا، والجهات الفاعلة الفلسطينية، وتيارات الإسلام السياسي، وشبكات التمويل، والأوساط الأكاديمية، والمجال القانوني، والمؤسسات الدولية.
وستعمل إلى جانب هذه الوحدات أقسام متخصصة لبناء القدرات في مجالات الاستخبارات والبحوث، والعمليات والتأثير، والجوانب القانونية والتنظيمية، والتمويل، والتكنولوجيا والبيانات، والعلاقات الخارجية، وآليات القياس ، وستجمع هذه الهيكلية بين الخبرات المتراكمة طويلة الأمد والقدرة على تشكيل فرق عمل سريعة الاستجابة للتعامل مع أهداف محددة.
أما المرحلة الثالثة فتتمثل في إرساء آليات روتينية لإدارة الحملة؛ حيث ستتولى الهيئة إعداد تقييمات دورية، وإدارة قاعدة بيانات للأهداف، وتحديد الأولويات، وتخصيص الموارد.
وستبدأ كل عملية بتحديد المشكلة والأثر المرجو تحقيقها، مروراً بمراحل جمع المعلومات والتخطيط المتكامل، وصولاً إلى قياس النتائج واستخلاص الدروس المستفادة.
كما ستضمن المراجعات الدورية -التي تُجرى على مستوى رئاسة الوزراء- بقاء العمل مركزاً على التهديدات الجوهرية، وتجنب الانشغال بردود الفعل تجاه الأحداث العابرة.
يتعين على هذه الهيئة بناء قدراتها التكنولوجية منذ البداية؛ إذ ستحتاج إلى بنية تحتية آمنة للبيانات تجمع بين المعلومات مفتوحة المصدر والمعلومات الحكومية المصرح باستخدامها، إلى جانب أدوات لتحليل الشبكات والروابط، ورصد الأنشطة المنسقة، وتتبع تدفقات التمويل، وتحليل النقاشات بلغات مختلفة، وتقييم مستويات التأثير.
كما ستتطلب الهيئة آليات للعمل بسرعة مع شركات التكنولوجيا والباحثين والمؤسسات البحثية، مع الالتزام بمتطلبات أمن المعلومات والقوانين المرعية.
سيشكل العنصر البشري العامل الأهم في تطبيق هذا الإطار الجديد؛ إذ لن تكفي عملية نقل الموظفين من الوزارات القائمة، بل ستحتاج الهيئة الجديدة إلى مزيج من الكفاءات غير المتوفر حالياً تحت سقف واحد: ضباط استخبارات، وباحثين في مجال الشبكات، وقانونيين، واقتصاديين، ومتخصصين في التمويل، وخبراء في التكنولوجيا والأمن السيبراني، ودبلوماسيين، ومتخصصين في اللغات والثقافات، وإعلاميين، ومديري عمليات.
ويتوجب على إسرائيل تأسيس مجال تخصصي جديد ذي لغة مهنية مشتركة، وإجراء تدريبات مخصصة لـ “الحرب الناعمة”.
وإلى جانب القدرات العملياتية، يتعين على الحكومة وضع ترتيبات مسبقة للرقابة والضبط، تحدد الجهة المخولة بالموافقة على استخدام المعلومات الحساسة، وآليات العمل مع الشركاء غير الحكوميين، والإجراءات التي تتطلب موافقة قانونية أو سياسية.
فى الختام
و ختاما ، في نهاية المطاف، يكشف هذا المأزق الإسرائيلي عن عجز فلسفي واستراتيجي بنيوي لا يمكن لأي هيئة عملياتية أو قيادة مركزية أن تعالجه؛ فمن يحاول هندسة “الوعي العالمي” بالقوة والدعاية الممنهجة، يصطدم حتماً بصخرة الحقيقة ودموع الضحايا وصمود الشعبي الحي الذي لا يموت.
إن عسكرة السردية وتطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي لغسل الجرائم لن تنجح في طمس معالم السقوط الأخلاقي لنظام أبارتهايد يعيش في زنزانة عزلته الكونية.
وأمام هذا التهاوي المستمر لسردية الظلم، يبرز السؤال الاستراتيجي الحاسم الذي يعري تماماً عجز القوة المطلقة أمام معركة الوعي:
إذا كانت أعتى آلات الدمار العسكري وعشرات مليارات الدعاية لمجابهة الحقيقة قد عجزت عن منع العالم أجمع من رؤية الوجه القبيح للاحتلال، فكيف يمكن لكيان مؤسس على العنصرية والجرائم و الدم أن يربح حرب وعيٍ أدرك فيها أطفال العالم قبل كباره أن حبل الكذب أوهن من أن يشنق حقيقة شعب يقاتل من أجل الحياة؟
……………………………………………………………………………………………………………………………………
رابط المصدر / https://jiss.org.il/en/siboni-winner-israel-needs-an-operational-command-for-soft-warfare/
نرشح لك أيضا:
سقوط الرواية: لماذا تعجز ترسانة إسرائيل عن حماية وعيها المنهار؟ (1من2)
