كتب: على طه
قراءة تحليلية متعمقة لمقال الكاتب الصحفي الكبير عبد الله حسن، المنشور السبت بموقع «فيتو» الإخباري، والمعنون بـ «قاضية أفريقية تفوز بجائزة نوبل للسلام»، تشير القراءة الأولية أن الكاتب يستعرض الأبعاد السياسية والإنسانية البارزة لقرار لجنة نوبل النرويجية، برئاسة يورجن فريدنيس، بتمحيص مستفيض لمنح الجائزة للحقوقية والقاضية الدولية نافي بيلاي.
ويبرز المقال كيف جاء هذا التتويج تقديراً لمسيرتها القانونية الاستثنائية في تعزيز أركان القانون الدولي، وتثبيت قواعد المحاسبة، والحيلولة دون اتساع رقعة العنف والحروب، وهو القرار الذي قوبل بإشادة واسعة وزغاريد فخر من رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، الذي اعتبر الفوز انتصاراً ناصعاً للإسهامات التقدمية في حماية الكرامة الإنسانية وإعادة الأمل للمظلومين عبر العالم.
ويسلط مقال حسن الضوء على التناقض الصارخ وحالة الغضب العارم التي اجتاحت الدوائر الأمريكية والإسرائيلية فور إعلان القرار؛ حيث سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مهاجمة الجائزة ووصفها بالمخزية، مدمجاً ذلك بزهو ذاتي بادعائه أنه كان الأحق بالفوز بها لإنهاء عدة صراعات.
في حين شنت الخارجية الإسرائيلية هجوماً حاداً واصفة الفوز بأنه «كذبة القرن الحادي والعشرين».
ويعزو الكاتب هذا الانزعاج الغربي والإسرائيلي الشديد إلى التاريخ الحقوقي الصلب للقاضية بيلاي، ولا سيما عقب تكليفها رسمياً من الأمم المتحدة عام 2023 بترؤس لجنة التحقيق المستقلة لتقصي الحقائق حول المذابح والمجازر البشعة في الأراضي الفلسطينية؛ وهي اللجنة التي واجهت بكل ثبات حملات تشكيك ومحاولات عرقلة واتهامات جاهزة بمعاداة السامية والانحياز، حتى انتهت إلى صياغة تقريرها التاريخي الحاسم بإدانة إسرائيل بممارسة جرائم الإبادة الجماعية في غزة.
وهو التقرير الذي شَكّل الركيزة الأساسية لقرارات محكمة العدل الدولية اللاحقة بملاحقة بنيامين نتنياهو باعتباره مجرم حرب مطارد دولياً.
ويربط الكاتب عبد الله حسن بين هذا الموقف الصلب في الملف الفلسطيني وبين الجذور النضالية العميقة لنافي بيلاي، التي ولدت في جنوب أفريقيا عام 1941، واستهلت مسيرتها كمحامية شجاعة ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، مدافهةً عن النشطاء والمعتقلين وفي مقدمتهم الزعيم التاريخي نيلسون مانديلا خلال سنوات سجنه الطويلة.
وأصبحت بعدها أول امرأة سمراء تتولى القضاء في المحكمة العليا بلادها، قبل أن تنتقل للعمل في أرفع المؤسسات القضائية الدولية بمحكمة العدل والجنائية الدولية ومفوضية حقوق الإنسان.
ويختتم الكاتب قراءته بمفارقة تاريخية وموقفيّة مكثفة؛ إذ تلقت بيلاي نبأ الفوز أثناء مشاركتها في احتفالية الذكرى الثمانين لمحاكمات “نورمبرج” الشهيرة عام 1946 لملاحقة قيادات النظام النازي، لتتقاطع عدالة الأمس مع انتهاكات اليوم.
وأمام عاصفة التصفيق التي هزت القاعة تهنئة لها، وعند إبلاغها بادعاءات ترامب بأنه الأحق بالجائزة، ردت القاضية الأفريقية بتهكم بليغ وسخرية سياسية لاذعة قائلة: «إذا رفعتم التصفيق أكثر فأكثر يمكنني التنازل له عن نصف الجائزة!»، في إشارة كاشفة لاستهانة القضاء الحر بغطرسة القوة وازدواجية المعايير الدولية.
