تايوان.. أزمة التجنيد تهدد الجاهزية العسكرية للجيش

.. البرلمان يحذر من تداعيات استمرار العجز فى الأفراد رغم تصاعد الإنفاق الدفاعي

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

تواجه القوات المسلحة التايوانية أزمة متفاقمة في توفير الأفراد، في وقت توسع فيه تايبيه مشترياتها العسكرية وتسعى إلى تطوير قدراتها الدفاعية.

وتثير هذه الأزمة تساؤلات بشأن قدرة الجيش على تشغيل الأسلحة الحديثة وصيانتها، والحفاظ على الجاهزية القتالية في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة عبر مضيق تايوان.

وكشف تقييم لمركز الموازنة التابع للبرلمان التايواني، بشأن مشروع موازنة عام 2027، أن معدل شغل الوظائف العسكرية بأفراد الخدمة التطوعية لا يزال دون المستوى المستهدف البالغ 80%، مع استمرار النقص في عدد من الوحدات القتالية، بما يشمل المشاة والمدفعية والصواريخ والدفاع الجوي.

وحذر التقييم من أن استمرار نقص الأفراد قد يرفع أعباء العمل والتدريب على العسكريين الموجودين بالخدمة، ويؤثر في الجاهزية العسكرية، خصوصًا مع دخول أنظمة تسليح جديدة إلى الخدمة تحتاج إلى أفراد مؤهلين لتشغيلها وصيانتها.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية في ظل سعي تايوان إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وتعزيز قدراتها في مواجهة الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءًا من أراضيها، بينما ترفض حكومة تايبيه مطالب بكين بالسيادة عليها.

 أرقام تكشف اتساع فجوة التجنيد

تظهر بيانات مركز الموازنة بالبرلمان التايواني تراجع قدرة القوات المسلحة على استكمال الوظائف المخصصة لأفراد الخدمة التطوعية. فبعد أن بلغ معدل شغل الوظائف نحو 87.57% في نهاية عام 2021، تراجع إلى 79.61% في نهاية 2023، ثم انخفض إلى 75.93% في نهاية 2024، قبل أن يرتفع إلى 77.31% في نهاية 2025.

وبحسب أحدث البيانات الواردة في تقييم المركز، بلغ المعدل 76.33% في نهاية أبريل 2026، بما يؤكد أن التحسن المسجل خلال 2025 لم يتحول إلى مسار مستقر لسد الفجوة البشرية.

وتكشف التفاصيل عن تفاوت واضح بين الرتب؛ إذ بلغ معدل شغل وظائف الضباط 79.33% في نهاية أبريل 2026، مقابل 77.79% لضباط الصف، بينما هبط المعدل بين الجنود إلى 69.53%.

وهذه الأرقام تخص أفراد الخدمة التطوعية مقارنة بالوظائف المقررة لهم، ولا تعني أن إجمالي القوة العسكرية التايوانية لا يتجاوز النسب نفسها، إذ تشمل المنظومة أيضًا المجندين الإلزاميين.

وأبرز مركز الموازنة أن استمرار هذا النقص يمثل مشكلة مباشرة أمام خطط التسلح، لأن المعدات التي تحصل عليها القوات لا تستطيع تحقيق الفعالية المنتظرة من دون عدد كافٍ من العسكريين المدربين.

 وحدات الخطوط الأمامية في قلب الأزمة

لا يقتصر النقص على الوظائف الإدارية أو المساندة، بل يمتد إلى وحدات في الخطوط الأمامية، من بينها المشاة والمدفعية والصواريخ والدفاع الجوي، وفق التقرير المنشور في صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست».

وتؤدي هذه الوحدات أدوارًا أساسية في أي تصور للدفاع عن الجزيرة؛ فالمشاة يحتاجون إلى أفراد مدربين على القتال الميداني، والمدفعية إلى أطقم تشغيل وصيانة، بينما تعتمد منظومات الصواريخ والدفاع الجوي على كوادر فنية وعسكرية قادرة على إدارة الأنظمة ومراقبتها والاستجابة السريعة للتهديدات.

ويعني نقص الأفراد في هذه التخصصات أن التحدي لا يتعلق بعدد الجنود وحده، بل بتوافر المهارات والتدريب والخبرات اللازمة لتشغيل المعدات بصورة آمنة وفعالة. كما أن زيادة الأعباء على العاملين قد تضغط على وقت التدريب والاستعداد، وهو ما حذر منه تقييم البرلمان.

ولا تثبت بيانات نقص التجنيد وحدها أن تايوان عاجزة عن تشغيل منظوماتها العسكرية، لكنها تكشف عن فجوة بين الموارد المادية التي يجري شراؤها والموارد البشرية اللازمة للاستفادة منها بالكامل.

أسلحة أمريكية متطورة.. من سيشغلها؟

تأتي الأزمة في مرحلة تعمل فيها تايوان على تحديث تسليحها، بما يشمل أنظمة أمريكية متقدمة، في إطار توجه يستهدف رفع تكلفة أي تحرك عسكري صيني ضد الجزيرة وتعزيز قدرة القوات التايوانية على الدفاع عنها.

وتشير تقارير البرلمان إلى أن خطط شراء الأسلحة، بما فيها منظومات مدفعية ذاتية الحركة مثل «M109A7»، تحتاج إلى أفراد كافين ومدربين حتى تحقق المعدات أهدافها العملياتية.

كما اتجهت تايوان إلى توسيع تدريب الاحتياط على أنظمة متقدمة، من بينها راجمات الصواريخ «هيمارس» والطائرات المسيّرة، في محاولة للاستفادة من موارد بشرية أوسع من القوات العاملة بدوام كامل.

وتكمن المشكلة في أن تشغيل الأسلحة الحديثة يتطلب أكثر من التدريب الأساسي؛ إذ تحتاج بعض الأنظمة إلى تأهيل متخصص، وخبرات فنية، وقدرة مستمرة على الصيانة والإمداد. ومن ثم، قد يؤدي تأخر توفير الأطقم المؤهلة إلى الحد من الفائدة العملية لبعض المشتريات، حتى إذا توافرت المعدات نفسها.

التراجع الديموغرافي يضيّق قاعدة التجنيد

يمثل انخفاض عدد الشباب أحد العوامل الهيكلية وراء أزمة التجنيد في تايوان. وبحسب البيانات التي استند إليها البرلمان، انخفض عدد الرجال المؤهلين للتجنيد إلى أقل من 100 ألف للمرة الأولى في عام 2023، فيما تشير التقديرات الرسمية إلى احتمال تراجعه إلى أقل من 80 ألفًا بحلول عام 2027.

ويعني هذا الاتجاه أن المنافسة على استقطاب الشباب إلى القوات المسلحة ستزداد صعوبة، مع تقلص حجم الفئات العمرية المتاحة للتجنيد، بالتزامن مع حاجة الاقتصاد المدني إلى العمالة.

كما أقرّت وزارة الدفاع التايوانية بأن التنافس مع القطاع الخاص على استقطاب الكفاءات، إلى جانب انخفاض معدلات المواليد، أسهما في تراجع الإقبال على الخدمة التطوعية. واتخذت الوزارة إجراءات لتحسين الأجور والبدلات، خصوصًا للعاملين في الوحدات القتالية.

وتكشف هذه العوامل عن أن الأزمة ليست مسألة مالية فقط؛ فرفع الرواتب قد يساعد في جذب المجندين والاحتفاظ بهم، لكنه لا يلغي أثر التغيرات السكانية أو المنافسة على الوظائف أو الحاجة إلى تحسين ظروف الخدمة والمسارات المهنية للعسكريين.

عام من الخدمة الإلزامية.. هل يكفي لسد الفجوة؟

في محاولة لتوسيع قاعدة القوة البشرية، أعادت تايوان اعتبارًا من عام 2024 العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية لمدة عام، بدلًا من أربعة أشهر من التدريب العسكري السابق، على الرجال المؤهلين المولودين في الأول من يناير 2005 وما بعده.

ويستهدف الإصلاح رفع مستوى التدريب الأساسي، وتعزيز المهارات القتالية، وتطوير قدرة المجندين على أداء مهام الدفاع الإقليمي وحماية المنشآت.

لكن البرلمان التايواني أوضح أن العودة إلى التجنيد الإلزامي لا تلغي الحاجة إلى أفراد الخدمة التطوعية، لأن هؤلاء ما زالوا يشكلون القوة الرئيسية للمهام القتالية وفق هيكل القوات المعتمد.

وبالتالي، فإن المجندين الإلزاميين يمثلون جزءًا من الحل، لكنهم لا يعوضون تلقائيًا النقص في الضباط وضباط الصف والكوادر المتخصصة التي تحتاج إلى خبرة وتدريب أطول.

الاحتياط والتدريب على الأسلحة الحديثة

تسعى تايوان أيضًا إلى رفع كفاءة قوات الاحتياط وتوسيع دورها في دعم الدفاع عن الجزيرة. ووفق تقرير نشرته «ساوث تشاينا مورنينج بوست» في يوليو 2026، استبدلت تايوان برنامج الاستدعاء السابق، الذي كان يستمر من خمسة إلى سبعة أيام، بتدريب إلزامي لمدة 14 يومًا للمؤهلين ضمن برنامج الاحتياط.

ويشمل البرنامج التدريب على أنظمة جديدة، من بينها الطائرات المسيّرة وراجمات «هيمارس»، مع توجه لإعادة أفراد الاحتياط إلى وحدات تتناسب مع وظائفهم السابقة خلال الخدمة الفعلية.

ويمثل هذا التوجه محاولة للاستفادة من الخبرات التي اكتسبها العسكريون السابقون، بدلًا من الاعتماد الكامل على أعداد أفراد الخدمة العاملة. كما يتيح توسيع قاعدة من لديهم معرفة مسبقة بالأسلحة وإجراءات التشغيل.

غير أن أثر هذه الخطوة يعتمد على جودة التدريب، ومدى جاهزية المعدات، وقدرة وحدات الاحتياط على الاندماج سريعًا في الهيكل العسكري وقت التعبئة، فضلًا عن استمرار معالجة مشكلة نقص الأفراد في القوات العاملة.

موازنة دفاعية قياسية لا تحل وحدها مشكلة الأفراد

تتزامن أزمة التجنيد مع زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري. ففي أغسطس 2026، أفادت وكالة «رويترز»، استنادًا إلى تقارير إعلامية رسمية تايوانية، بأن الحكومة تعتزم اقتراح زيادة موازنة الدفاع لعام 2027 بنحو 16%، لتتجاوز تريليون دولار تايواني جديد، أي ما يعادل نحو 31 مليار دولار أمريكي وفق سعر الصرف الوارد في التقرير، وبما يزيد على 3% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتشمل الموازنة المقترحة الإنفاق على خفر السواحل والمتقاعدين ومشروعات دفاعية خاصة، في إطار مساعي تايبيه إلى تعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة الضغوط الصينية.

لكن أزمة الأفراد تكشف جانبًا آخر من معادلة الدفاع: فزيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة تحسن الجاهزية بالوتيرة نفسها إذا لم تتوافر الموارد البشرية التي تحتاج إليها المنظومات الجديدة. ولذلك، فإن التحدي الذي تواجهه تايوان يتمثل في المواءمة بين شراء الأسلحة، وتوفير أطقم التشغيل والصيانة، واستقطاب العسكريين والاحتفاظ بهم، وتحسين التدريب.

ما الذي تعنيه أزمة التجنيد لأمن مضيق تايوان؟

تسعى تايوان إلى بناء قوة دفاعية قادرة على مواجهة قدرات الصين العسكرية المتنامية، لكن النقص في الأفراد يفرض ضغطًا على أحد العناصر الأساسية لأي قوة مسلحة: القدرة على تحويل المعدات والخطط إلى أداء عملياتي فعلي.

وتتداخل في هذه الأزمة ثلاثة تحديات؛ أولها ديموغرافي، يتمثل في تقلص عدد الشباب المتاحين للتجنيد، وثانيها مؤسسي يتعلق بجذب الأفراد والاحتفاظ بهم، وثالثها تقني يرتبط بالحاجة إلى كوادر مؤهلة لتشغيل منظومات تسليح أكثر تعقيدًا.

ولا تعني هذه المؤشرات حسم نتيجة أي مواجهة محتملة، إذ تتوقف القدرات العسكرية على عوامل أخرى، تشمل التدريب والقيادة واللوجستيات والاحتياط والقدرة على الصمود. لكنها تعني أن معالجة نقص الأفراد أصبحت جزءًا أساسيًا من خطط تايوان الدفاعية، لا ملفًا إداريًا يمكن تأجيله.

…………………………………………………………………….

مصادر التقرير:

طالع المزيد: بعد أيام قليلة من قمة واشنطن-بكين: تايوان تستقبل أول مقاتلتين F-16V من أمريكا

↑
Exit mobile version