تقرير استخباراتي ” جرف الصخر “.. المعسكر الأكثر غموضاً في الشرق الأوسط 

.. من جرف الصخر إلى باب المندب.. خريطة الدم والربط الإقليمي

تقرير يكتبه: أشرف التهامي

على بعد نحو 50 كيلومتراً إلى الجنوب من العاصمة العراقية بغداد، تقع رقعة جغرافية مغلقة ومحاطة بهالة كثيفة من السرية والغموض تعرف بـ “جرف الصخر“ (أو “جرف النصر” رسمياً).

ورغم أن هذه المنطقة لا تطل على بحر ولا تقع على حدود دولية مباشرة، إلا أن اسمها تصدر التقارير الدولية والاستخباراتية بوصفها المعقل الأبرز لكتائب حزب الله العراقي، ومحور التقاء استراتيجي غير مسبوق يربط الساحات القتالية الحوثية في اليمن بالعمق العراقي والإيراني، لترسم ملامح شبكة حرب هجينة عابرة للقارات تهدد أمن الخليج والملاحة الدولية برمتها.

أولاً: جرف الصخر ومعسكر “بهايمان”

1- الارتباط بالحوثيين والتقارير الأممية:

كشفت تقارير رسمية لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن أن نحو 80 مقاتلاً وقائداً حوثياً ينتمون لوحدات منتشرة في محافظتي حجة والحديدة اليمنيتين تلقوا دورات تدريبية متقدمة داخل “مركز بهايمان” التكتيكي في منطقة جرف الصخر. وكان الهدف المباشر لهذه الدورات رفع القدرات الدقيقة للجماعة الحوثية في استهداف السفن والملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن.

2- شخصيات التنسيق والغطاء السياسي:

أكدت التقارير الأممية والاستخباراتية عدم سرية الربط بالكامل؛ حيث برز اسم “أبو إدريس الشرفي” (أحمد الشرفي) بوصفه الممثل الرسمي المعتمد للجماعة الحوثية في العراق، والذي أدار شبكة الاتصالات والعلاقات اللوجستية والسياسية المباشرة مع القيادات العراقية والإيرانية لتأهيل وتسليم تلك الكوادر.

3- العزلة الميدانية والاستهدافات الجوية:

تخضع المنطقة لسيادة ميدانية صارمة من كتائب حزب الله العراقي وفصائل حليفة (مثل حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء). ومع خلوها الكامل من سكانها الأصليين (نحو 39 ألف نازح منذ عام 2014) وتحولها إلى منطقة أمنية مغلقة، أصبحت جرف الصخر مركزاً أمثل لإنشاء غرف العمليات المشتركة، وتخزين المعدات، وتطوير الطائرات المسيرة والعبوات النافسة ، وهو ما جعلها هدفاً لضربات أمريكية مركزة ومباشرة، كان أبرزها تدمير مركز عمليات قيادي للكتائب في نوفمبر 2023.

ثانياً: البعد الاستراتيجية لتعدد مسارات التهديد (اليمن والعراق).

إن استخدام الأراضي العراقية يمنح المحور مكسباً تكتيكياً هائلاً على خريطة الردع؛ فبدلاً من وصول التهديدات الحوثية التقليدية للمملكة العربية السعودية من الجنوب (اليمن)، أصبحت المنصات المنطلقة من العراق تخلق محور تهديد معقد من الشمال والشمال الشرقي، مما يربك منظومات الرادار والاعتراض الدفاعي لتعدد زوايا الهجوم وتقصير مسافات الوصول.

تؤكد التحليلات الاستخباراتية أن العلاقة تجاوزت مفهوم “التدريب الأبوي الإيراني” لتتحول إلى منظومة تبادل خبرات وتجارب متكاملة بين يمنيين وعراقيين ولبنانيين؛ حيث نُقلت التكتيكات البحرية واختراق السفن من الساحة اليمنية، مقابل الاستفادة من الخبرات اللوجستية والمسيرات بعيدة المدى والفضاء البري المفتوح للفصائل العراقية.

ثالثاً: مأزق الدولة العراقية وانسحاب القوات الأمريكية .

1- التحول الاستراتيجي بانسحاب القوات الأمريكية (21 سبتمبر 2026) :

أحدث إنهاء القوات الأمريكية لمهمتها العسكرية رسميًا في العراق زلزالاً في موازين القوى؛ إذ اعتبرت الفصائل العسكرية هذا الخروج فرصة تاريخية لتثبيت النفوذ، بينما وجدت الحكومة العراقية نفسها أمام تحدٍ وجودي لفرض مبدأ “حصر السلاح بيد الدولة”.

2- معركة السيطرة على قرار الحرب والسلم:

تضم فصائل المقاومة الإسلامية في العراق قرابة 50 ألف مقاتل وترسانة صاروخية ومسيّرة ضخمة. وتتجسد أزمة بغداد السيادية في عجزها عن السيطرة على المناطق المغلقة كجرف الصخر، مما يفتح المجال لجهات خارجية وفصائل نافذة باستخدام جغرافيتها لشن أو إدارة صراعات إقليمية عابرة للحدود تضع البلاد في مرمى الردود المباشرة.

السؤال الاستراتيجي

هل تنجح الدولة العراقية في استعادة سيادتها وتفكيك شبكات النفوذ المغلقة داخل جرف الصخر وحصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الرسمية، أم ستظل هذه البقعة المعسكر السري الأبرز الذي تُدار منه حروب الوكالة العابرة للحدود من الخليج إلى البحر الأحمر؟

الإجابة التحليلية والعمق الاستراتيجي:

تُظهر المعطيات الميدانية أن شبكة حلفاء طهران باتت تعتمد العراق بوصفه حجر الزاوية وعقدة الوصل الرئيسية في الشرق الأوسط؛ إذ إن:

أمام تراجع أدوار بعض الجبهات وتعرض جبهات أخرى لضربات قاسية، تبرز أهمية العراق كـ “رئة لوجستية واستخباراتية” تربط قوة الحوثيين العسكرية المتبقية في اليمن بالغطاء الإيراني.

غياب التواجد الحكومي المستقل في جرف الصخر يثبت أن حصر السلاح ومنع استخدام البلاد كمنصة لا يمكن تحقيقه بالقرارات السياسية، بل يتطلب تفكيك البنية التحتية التكتيكية التي سمحت لـ “مركز بهايمان” وغيره من المعسكرات بأن تصبح نقاط إدارة للصراعات الإقليمية.

القصة وما فيها

إن قصة “جرف الصخر” ليست مجرد ملف جغرافي محلي في أحشاء العراق، بل هي البؤرة الاستراتيجية الأهم في إدارة حرب الردع الهجينة بالمنطقة. وعندما تُدار تدريبات صواريخ البحر الأحمر ومسيرات العمق من المعسكرات المغلقة جنوب بغداد وبإشراف قيادات تنسيقية كـ “أبو إدريس الشرفي”، فإن الرسالة باتت جليّة:

إن أي بحث عن أمن إقليمي أو استقرار للخليج والملاحة الدولية يمر حتماً عبر تجفيف منابع هذه العقدة المعتمة، وإلا فإن شرارة المواجهات المقبلة ستنطلق دائماً من قلب الخاصرة الرخوة للعراق!

طالع المزيد: تقرير استخباراتي: كيف اخترق الحوثيون أعتى الدفاعات الجوية السعودية؟

↑
Exit mobile version