مصادر – وكالات – موقع بيان الإخبارى
انضمت الناشطة السويدية غريتا تونبرغ إلى طلاب المدارس الثانوية المحتجين في فرنسا، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، معلنة تضامنها مع مطالبهم بتحسين ظروف التعليم وزيادة الاستثمارات في المدارس، في خطوة أعادت تسليط الضوء على موجة احتجاجات طلابية مستمرة منذ أسابيع، وتوسعت من ضواحي باريس إلى مدن فرنسية أخرى.
وظهرت تونبرغ، البالغة من العمر 23 عامًا، أمام مدرسة بول إيلوار الثانوية في مدينة سان دوني، شمال باريس، حيث تجمع مئات الطلاب للاحتجاج على نقص الموارد التعليمية وتدهور المباني واكتظاظ الفصول الدراسية. وأشادت بالمحتجين، معتبرة أنهم يقدمون مثالًا على تمسك الشباب بحقوقهم ودفاعهم عن مستقبلهم.
وقالت تونبرغ، وفقًا لوكالة رويترز، إن الشباب الذين يطالبون بحقوقهم الأساسية مصدر إلهام، مضيفة أن الوقت قد حان لكي يتحرك الشباب لاستعادة مستقبلهم، سواء تعلق الأمر بنقص تمويل المدارس أو أزمة المناخ أو أوجه الظلم الاجتماعي.
ويأتي انضمام الناشطة المعروفة بحملاتها المناخية إلى الاحتجاجات في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة الفرنسية لمعالجة مشكلات التعليم العام، وسط مطالب طلابية بتوفير المدرسين وتحسين البنية التحتية للمدارس وضمان فرص تعليم أكثر عدالة.
أكثر من 161 ألف مشارك في احتجاجات الثلاثاء
شهدت فرنسا، أمس الثلاثاء، يومًا من التحركات الطلابية والمسيرات التي امتدت إلى عدد من المدن الكبرى، وسط استمرار إغلاق مداخل بعض المدارس وتعطيل الدراسة جزئيًا في مؤسسات تعليمية أخرى.
والرسالة التي يرفعها الطلاب، ومن بينها شعار «جيل زد سينتصر» (Gen Z will win)، لا تقتصر على المطالبة بفصول أفضل أو مدرسين أكثر، بل تعكس رغبة في أن يكون للشباب صوت مؤثر في القرارات التي تحدد شكل تعليمهم ومستقبلهم.
وذكرت وكالة رويترز، نقلًا عن وزارة الداخلية الفرنسية، أن أكثر من 161 ألف شخص شاركوا في الاحتجاجات على مستوى البلاد، مقارنة بنحو 266 ألف مشارك في يوم التحرك المماثل خلال الأسبوع السابق، وهو ما يشير إلى تراجع أعداد المشاركين، من دون أن يعني بالضرورة انتهاء الحركة الاحتجاجية.
وفي المقابل، أفادت وزارة التعليم بإغلاق 214 مدرسة، مقارنة بنحو 800 مدرسة في يوم الاحتجاجات السابق، بينما ظلت 94.2% من المدارس الثانوية مفتوحة، وفق الأرقام الرسمية التي أوردتها رويترز.
وتنوعت التحركات بين تجمعات أمام المدارس ومسيرات في الشوارع، فيما شهدت بعض المواقع مواجهات مع الشرطة، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع في عدد من المدن، من بينها باريس وليون وستراسبورغ ونانت. كما سُجلت أعمال تخريب وإحراق سيارة في باريس، بحسب الوكالة.
وتؤكد هذه الأرقام اتساع نطاق الأزمة، مع استمرار التفاوت بين المشاركة في الاحتجاجات ومستوى تعطيل الدراسة، في وقت تحاول فيه السلطات احتواء التحركات دون التخلي عن الإجراءات الأمنية.
لماذا يحتج الطلاب الفرنسيون؟
تتمحور مطالب المحتجين حول مشكلات يرون أنها تؤثر مباشرة في جودة التعليم وفرصهم المستقبلية، وفي مقدمتها نقص المدرسين، وعدم شغل الوظائف التعليمية الشاغرة، واكتظاظ الفصول، وتدهور حالة المباني والمرافق المدرسية.
وانطلقت الحركة الاحتجاجية من مدرسة سان إكزوبيري الثانوية في مدينة كريتاي، جنوب شرقي باريس، حيث تجمع طلاب ومدرسون وأولياء أمور في 21 سبتمبر الماضي للاعتراض على نقص الكوادر التعليمية والموارد المتاحة.
ثم امتدت التحركات إلى مناطق أخرى، بينها مرسيليا وليون وليل ونانت ومونبلييه وبوردو وتولوز ورين، مع انضمام طلاب جامعيين ونقابات ومنظمات معنية بالتعليم إلى بعض الفعاليات.
ولا تقتصر الشكاوى على نقص المعلمين، إذ تحدث طلاب وأولياء أمور عن فصول غير مجهزة بصورة كافية، ومبانٍ تحتاج إلى الصيانة، ومشكلات في المرافق الأساسية، فضلًا عن ارتفاع أعباء الدراسة وصعوبة الوصول إلى فرص تعليمية متكافئة.
كما أثار نظام القبول في التعليم العالي، المعروف باسم «باركورسوپ» (Parcoursup)، انتقادات من بعض الطلاب، الذين يرون أن الاعتماد على السجلات الدراسية قد يكرس الفوارق بين الطلاب القادمين من مدارس متفاوتة الإمكانات.
وبذلك، تحولت المطالب من معالجة مشكلات يومية داخل المدارس إلى نقاش أوسع بشأن توزيع الموارد التعليمية، والعدالة في فرص الالتحاق بالجامعات، ومسؤولية الدولة عن توفير تعليم جيد في مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
غريتا تونبرغ تربط التعليم بالمناخ والعدالة الاجتماعية
يحمل حضور تونبرغ دلالة تتجاوز التضامن مع الطلاب الفرنسيين، بالنظر إلى ارتباط اسمها منذ عام 2018 بحركة الإضراب المدرسي من أجل المناخ، التي بدأت احتجاجًا على ما اعتبرته تقاعسًا سياسيًا عن مواجهة التغير المناخي.
وتتقاطع رسالتها الحالية مع مطالب المحتجين من زاوية أوسع، إذ تربط بين الاستثمار في التعليم والاهتمام بمستقبل الأجيال الجديدة، معتبرة أن عدم إشراك الشباب في القرارات التي تمس حياتهم، أو حرمان المدارس من الموارد اللازمة، يضعف قدرتهم على التأثير في مستقبلهم.
وقالت تونبرغ، خلال مشاركتها في التحرك أمام مدرسة بول إيلوار، إن الشباب لا يُمنحون مساحة كافية للمشاركة في النقاشات المتعلقة بمستقبلهم، وإن مستقبلهم يُنتزع منهم، بحسب تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس وأوردتها «يورونيوز».
ويمنح حضورها الاحتجاجات صدى دوليًا إضافيًا، لكنه لا يعني أن الحركة الطلابية الفرنسية تتبنى بالضرورة جميع مواقفها أو أن مطالب التعليم أصبحت امتدادًا مباشرًا لحركة المناخ. فالدافع الأساسي للاحتجاجات الحالية يرتبط بمشكلات المدارس والتمويل والكوادر التعليمية، بينما يأتي التضامن مع تونبرغ في إطار تقاطع هذه المطالب مع قضايا أوسع تتعلق بحقوق الشباب والعدالة الاجتماعية.
الحكومة الفرنسية بين التعهدات وضغوط الموازنة
تواجه الحكومة الفرنسية معضلة تتمثل في ضرورة الاستجابة لمطالب الطلاب، في ظل ضغوط مالية تحد من قدرتها على زيادة الإنفاق العام بالسرعة التي يطالب بها المحتجون.
وأشارت رويترز إلى أن الحكومة تعهدت بمعالجة شكاوى الطلاب، لكنها تواجه قيودًا مرتبطة بوضع المالية العامة وارتفاع تكاليف الاقتراض، ما يجعل توسيع الإنفاق على الخدمات العامة محل خلاف سياسي واقتصادي.
وفي خطوة لمعالجة نقص المدرسين، أعلنت السلطات خططًا لتوفير نحو 3 آلاف مدرس بديل للمدارس الأكثر تضررًا، بعد تحديد 114 مدرسة ثانوية تعاني بصورة ملحوظة من غياب الكوادر التعليمية. وذكرت «يورونيوز»، نقلًا عن بيانات رسمية، أن 35% من هؤلاء المدرسين كانوا قد عُيّنوا بالفعل بحلول الثلاثاء.
لكن الطلاب يطالبون بما يتجاوز سد العجز الفوري في المدرسين، ويضغطون من أجل استثمارات أوسع في تحديث المدارس وإصلاح المباني وتحسين التجهيزات وظروف التعلم.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المحتجين إلى التحرك بهدوء واحترام الأشخاص والممتلكات، بينما تعهدت الحكومة بمواصلة بحث مطالبهم واتخاذ خطوات لمعالجة المشكلات التعليمية.
ولا يزال الاختبار الأساسي أمام السلطات هو تحويل التعهدات إلى إجراءات ملموسة يشعر الطلاب والمدرسون بأثرها، بدلًا من الاكتفاء بتدابير مؤقتة قد لا تعالج المشكلات الهيكلية التي فجرت الاحتجاجات.
المواجهات مع الشرطة تفتح جبهة جديدة في الأزمة
رغم أن جانبًا كبيرًا من الاحتجاجات اتسم بالسلمية، شهدت بعض المدن مواجهات بين المتظاهرين والشرطة، شملت استخدام الغاز المسيل للدموع وتخريب ممتلكات وإشعال حرائق.
وتشير التقارير إلى توقيف آلاف الأشخاص خلال الأسابيع التي شهدت الاحتجاجات، فيما فُتحت تحقيقات داخلية في ادعاءات باستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين.
وأثارت هذه التطورات خلافًا سياسيًا بشأن كيفية التعامل مع الحركة الطلابية؛ إذ انتقدت أصوات معارضة ما وصفته بالعنف الشرطي، في حين شددت أصوات أخرى على ضرورة محاسبة المتورطين في تخريب الممتلكات وإلحاق الأضرار بالمدارس.
وتتزايد حساسية المشهد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في 2027، إذ أصبحت الاحتجاجات جزءًا من النقاش السياسي بشأن أداء الحكومة، ومستقبل الخدمات العامة، وكيفية التعامل مع المطالب الاجتماعية.
وفي الوقت الذي يركز فيه الطلاب على ظروف التعليم، تتباين مواقف القوى السياسية من الاحتجاجات وأساليب التعامل معها، ما يضيف بعدًا انتخابيًا إلى أزمة بدأت بمطالب تتعلق بالمدارس.
هل تتحول احتجاجات المدارس إلى حركة شبابية أوسع؟
تكشف الاحتجاجات الفرنسية عن اتساع الفجوة بين تطلعات قطاع من الشباب وما يلمسه داخل المؤسسات التعليمية، خصوصًا في المناطق التي تعاني نقصًا في الموارد والكوادر.
كما يوضح انضمام تونبرغ وشخصيات عامة أخرى إلى التحركات أن قضية التعليم باتت قادرة على جذب اهتمام يتجاوز الطلاب وأولياء الأمور، لتلامس قضايا العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية ومستقبل الخدمات العامة.
ومع ذلك، فإن استمرار الحركة أو توسعها سيظل مرتبطًا بمدى استجابة السلطات للمطالب الأساسية، وقدرة المنظمين على الحفاظ على المشاركة الشعبية، وتجنب انزلاق الاحتجاجات إلى مواجهات تعطل الدراسة وتضعف الدعم المجتمعي لها.
وبينما تواصل الحكومة التعهد بإصلاح الأوضاع، يبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت الإجراءات المعلنة ستؤدي إلى تحسن ملموس في المدارس، أم أن التباعد بين المطالب الطلابية والإمكانات المالية والسياسية المتاحة سيطيل أمد الأزمة.
معرض الصور:
