تقرير: كيف انتصرت إيران في الحرب

تقرير يكتبه: أحمد رفعت يوسف
ملاحظة أولية:
أعددت هذا التقرير ليلا لأنشره هذا الصباح وصباحاً فوجئت بقرار ترامب بالغاء قراءة الضربة على إيران وهذا يعزز تقريري.
التقرير:
في التحليل السياسي والاستراتيجي، يجب أن تنظر إلى الأمور دون عواطف، وحتى نستطيع قراءة الصورة بشكل صحيح، علينا النظر إلى عمقها، وليس إلى ظاهرها، ومعرفة مسارات الأحداث واتجاهاتها، وليس تفاصيلها. ولذلك، علينا أن نتوقف عن الاستماع إلى فوضى تصريحات ترامب، وأوهام نتنياهو، وأن نستمع إلى ما يقوله الجنرالات والمفكرون الاستراتيجيون، وإلى قوانين الصراعات والحروب.
الحقيقة التي لا يجرؤ ترامب وإدارته، والكونغرس، والأوساط السياسية، وحكومة نتنياهو، على الاعتراف بها، هي أن إيران انتصرت بالفعل.
النصر الإيراني لم يكن وفق المعايير العسكرية التقليدية، وإنما وفق المقاييس الاستراتيجية التي تحدد معايير الانتصار النهائي.
هناك نقطة مهمة لا بد من معرفتها حتى نفهم ما يحدث في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي أن قوانين الصراع تعطي المبادر إلى الضربة الأولى فرصة كاملة لتحقيق أهدافه، والتي تكون عادة محاولة سحق العدو، وجعله ينهار ويستسلم تحت وطأة تداعيات هذه الضربة. وهو ما حاول الأمريكيون والإسرائيليون تحقيقه مع إيران عندما قتلوا المرشد، وحوالي نصف الصف الأول من القادة السياسيين والعسكريين، ودمروا العديد من المنشآت ومقرات القيادة.
لكن هذا القانون يقول أيضًا: إذا تمكن الطرف الثاني من استيعاب هذه الضربة، وتحملها، وتلافي تأثيراتها وتداعياتها، فإن ذلك يعني أنه يمتلك من القوة والحيوية العسكرية والسياسية ما يمكنه من أخذ زمام المبادرة، ويصبح لديه الخيار الأكبر والأوسع في كيفية الرد وقيادة المعركة، وهذا ما حدث مع إيران.
على مدى أربعة عقود، درست إيران حروب فيتنام وأفغانستان والعراق وغيرها، وكانت أهم نتيجة استخلصتها هي أن الولايات المتحدة كانت تتفوق على خصومها تكتيكيًا، لكنها تفشل استراتيجيًا. لذلك بنت عقيدتها العسكرية على هذا الأساس، وأنشأت قوة عسكرية وبنية تحتية مخصصة لهذه اللحظة، مكونة من أنفاق، وطرق، ومستودعات، وبنية تحتية للطائرات المسيّرة، وصواريخ باليستية وفرط صوتية، لا تمتلكها الولايات المتحدة، ولا تملك القدرة على التصدي لها، إضافة إلى شبكات استخباراتية وحلفاء إقليميين.
أما الخطأ القاتل الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل، فهو أن عقيدتهما العسكرية بقيت مبنية على أسلوب الجيوش التقليدية، التي تمتلك تقنيات عالية وقدرة كبيرة على التدمير، مثل حاملات الطائرات، والطائرات الشبح، ومنصات الذخائر الموجهة، ومنصات المراقبة والتحكم، وسلاسل الإمداد اللوجستي، لكنها لا تستطيع حسم المعركة.
وبنتيجة هذه المعادلة، أصبحت الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان القدرة على ربح معركة، فيما تمتلك إيران القدرة على ربح الحرب، خاصة إذا أثبتت أنها تمتلك سلاح “الجنرال الزمن”، أي القدرة على الصمود لفترة طويلة.
ويضاف إلى كل ذلك عامل العقيدة؛ إذ تعمل إيران بدافع البقاء ومنع انهيار الدولة، وبشعب يقبل التضحية، بينما تعمل الولايات المتحدة بدافع الحفاظ على مكانتها واستمرار هيمنتها على الاقتصاد والسياسات العالمية.
وتواجه الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، اليوم معضلة حقيقية؛ فالانتصار على إيران يتطلب غزوًا بريًا، وهو أمر غير متوافر لديهما، كما يتطلب خسائر لا تستطيعان تحملها، وهو ما يجعل من شبه المستحيل عليهما ربح الحرب وتحقيق الأهداف التي شنتا الحرب من أجلها، مهما بلغت إمكاناتهما في إحداث الدمار وإلحاق الخسائر بالإيرانيين.
وفي المقابل، فإن كل ما تحتاج إليه إيران اليوم هو البقاء متماسكة لفترة طويلة، مع قدرتها على إغلاق مضيق هرمز، وإغلاق مضيق باب المندب عند الحاجة، بما يجعل الخيارات الأمريكية والإسرائيلية أكثر تكلفة، وأكثر حساسية وصعوبة مع كل يوم يمر.
وقد انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يصرح في لحظة بأنه سيشن هجومًا ساحقًا على إيران، ثم يخرج قبل الموعد الذي حدده للهجوم بقليل ليعلن أنه قرر وقف الهجوم بناءً على طلب من دول صديقة. لكن الحقيقة، بحسب الكاتب، أن الولايات المتحدة لا تمتلك القدرة على شن هجوم وحسمه عسكريًا، وأن إيران تمتلك القدرة على توجيه ضربات مؤلمة للأمريكيين، وأن جنرالات البنتاغون يحذرون من صعوبة الموقف.
ويؤكد ذلك، بحسب النص، نتائج اجتماع سري عقده الرئيس ترامب على متن طائرته الرئاسية «إير فورس وان»، وضم كبار القادة العسكريين، لبحث خيارات توسيع الحملة العسكرية ضد إيران. وطرحت خلال الاجتماع خطة لتنفيذ ضربات جوية مكثفة تستمر من 10 إلى 14 يومًا، تستهدف منظومة الصواريخ الإيرانية، إلا أن تحفظات عسكرية برزت خشية استنزاف ما تبقى من مخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية.
وقال تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، نقل نتائج الاجتماع، إن التقديرات الاستخباراتية الأمريكية تفيد بأن ما بين 21% و22% من منظومة الصواريخ الإيرانية لا تزال سليمة، وهو ما يعزز حجج الداعين إلى توسيع الحملة العسكرية.
ويقول الوضع الآن إن ترامب يواصل التهديد، بينما تتخذ الاستعدادات لشن عملية عسكرية، ويبدو أن رأي الجنرالات، الذين يرون إمكانية ضرب ما تبقى من الصواريخ الإيرانية، كان الأقرب إلى قناعة ترامب.
ولكن السؤال: ماذا لو أظهرت إيران أنها تمتلك أكثر من ذلك، كما صرحت عدة مرات؟ وماذا لو تمكنت من تدمير ما تبقى من الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي الأمريكية؟ وماذا عن الصين وروسيا، الموجودتين في ساحة المعركة، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر، خاصة من خلال تزويد إيران بالمعلومات والصور المتعلقة بالمواقع والقواعد الأمريكية؟
أم أننا سنشهد تراجعًا آخر للرئيس ترامب، يفقده هذه المرة ما تبقى من مصداقيته في إطلاق التهديدات؟ ولا يغير هذا المسار إلا عاملان: الأول استخدام أسلحة غير تقليدية، والثاني حدوث تطور غير محسوب داخل إيران.
طالع المزيد: أحمد رفعت يوسف يكتب: من سايكس بيكو إلى باراك





