تقرير أمريكي يرصد استمرار انتشار «نظام الطيبات» بعد وفاة العوضى
كيف يستمر انتشار «نظام الطيبات» رغم التحذيرات الرسمية؟
كتب: على طه
كشف تقرير نشره موقع «الحرة» الأمريكي عن استمرار انتشار ما يعرف بـ«نظام الطيبات»، الذي وضعه الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي، رغم الإجراءات الرسمية التي اتخذت بحقه والتحذيرات من مخاطره الصحية، مشيرا إلى أن الظاهرة لم تنته بوفاة صاحبها، بل شهدت انتشارا لافتا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار التقرير إلى واقعة تعكس حجم انتشار النظام، إذ كانت إحدى السيدات تنتظر دورها داخل مكتبة في القاهرة لطباعة نحو 50 نسخة ملونة تتناول تفاصيل «نظام الطيبات»، بهدف توزيعها على سكان البناية التي تقطن بها، وفي المسجد، وعلى أصدقائها في النادي.
وبحسب التقرير، فإن أسامة الديب، العامل في مجال الإعلام الرقمي، لم يجد في الواقعة أمرا مفاجئا، في ظل استمرار اقتناع عدد من الأشخاص بالنظام، رغم التأكيدات الرسمية بشأن مخاطره.
و«الطيبات» هو نظام غذائي-طبي وضعه العوضي قبل سنوات، ويقوم على تصنيف الأطعمة إلى «طيبة» و«خبيثة»، وهو ما أثار جدلا واسعا بسبب مخالفته لإرشادات التغذية الطبية المعروفة، إلى جانب دعوات مرتبطة بالنظام إلى التوقف عن تناول أدوية لعلاج بعض الأمراض المزمنة.
وذكر التقرير أن العوضي، الحاصل على بكالوريوس في الطب، توفي في أبريل الماضي إثر أزمة قلبية داهمته داخل غرفته بأحد فنادق دبي، وذلك بعد أسابيع من قرارات اتخذتها السلطات بإغلاق منشآته الطبية وسحب ترخيص مزاولة المهنة، عقب تحقيقات خلصت إلى ترويجه معلومات طبية مضللة.
وفاة العوضي لم توقف انتشار «الطيبات»
ولفت تقرير «الحرة» إلى أن وفاة الطبيب لم تؤد إلى إغلاق صفحة «الطيبات»، بل شهدت الفترة التي أعقبت رحيله ظهور عشرات الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحمل اسمه أو اسم النظام الذي وضعه.
ونقل التقرير عن تحقيق استقصائي أجرته منصة Arab Facts Hub أنه تم رصد نحو 11 ألفا و600 منشور مرتبط بنظام «الطيبات» خلال الفترة من مايو وحتى بداية يونيو 2026، فيما حققت هذه المنشورات، وفقا لتقديرات أدوات الرصد، نحو 3.1 مليار مشاهدة وأكثر من 51.3 مليون تفاعل.
ولم يقتصر انتشار المحتوى على مصر، إذ رصد التحليل تفاعلات في دول أخرى أيضا.
وقال الديب، وفقا لما نقله «الحرة»، إن استمرار عمليات البحث عن اسم العوضي يدفع منصات التواصل إلى إعادة تقديم محتوى قديم مرتبط بالنظام، دون أن تأخذ خوارزميات المنصات بالضرورة في الاعتبار المخاطر التي قد تترتب على هذا المحتوى.
وفي مواجهة هذا الانتشار، دعا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر إلى حذف حلقات ومقاطع تتناول نظام «الطيبات».
كما نقل التقرير عن مسؤول في نقابة الأطباء، في تصريحات لصحيفة «المصري اليوم»، أن النقابة تعمل على تطوير نظام رقمي يتيح الاستعلام عن الأطباء المسجلين والتأكد من حقيقة تخصصاتهم والخدمات التي يقدمونها، معتبرا أن تطوير هذا النظام أصبح ضروريا بعد تداعيات أزمة العوضي ونظام «الطيبات».
«بعض ما قاله صحيح».. لماذا صدق البعض العوضي؟
ويرى التقرير أن اختزال ظاهرة العوضي في صورة طبيب يروج معلومات خاطئة وجمهور يصدقها لا يعكس كامل تعقيدها، إذ أكد عدد من الأطباء الذين تحدثوا إلى «الحرة» أن بعض المعلومات التي طرحها العوضي كانت صحيحة بالفعل، لكن المشكلة تمثلت في توظيف تلك المعلومات داخل منظومة أوسع من الادعاءات الطبية غير الدقيقة.
وأوضحت ندى مزروع، طبيبة التغذية، أن مقاطع العوضي بدأت تظهر بكثافة على حساباتها بعد وفاته، سواء تلك التي تنتقد أفكاره أو المقاطع التي يظهر فيها مرضى يؤكدون تحسن حالتهم بعد اتباع نظامه.
وأشارت إلى أن بعض المرضى، خاصة المصابين بالقولون العصبي، قد يشعرون بالفعل بانخفاض الغازات والانتفاخ عند التوقف عن بعض الأطعمة، ومنها منتجات الألبان أو البقوليات، إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول تجربة فردية أو تحسن مؤقت في أحد الأعراض إلى قاعدة عامة يتم تعميمها على جميع المرضى.
وهنا، بحسب التقرير، تكمن إحدى النقاط الأساسية في فهم الظاهرة؛ إذ إن تحسن عرض معين لا يعني بالضرورة اختفاء المرض الأساسي.
ويتفق محمود مرابع، طبيب الباطنة والجهاز الهضمي، مع هذا الطرح، موضحا أن الخطر يبدأ عندما يتحول شعور المريض بالتحسن إلى اعتقاد بإمكانية الاستغناء عن الأدوية المخصصة لعلاج الأمراض المزمنة.
أما عمر الغراب، المدرس المساعد بجامعة طنطا، فيرى أن المشكلة الرئيسية في منهج العوضي تمثلت في خلط بعض الحقائق العلمية بادعاءات غير صحيحة.
وأشار إلى أن الغذاء وتغيير نمط الحياة يمثلان بالفعل جزءا أساسيا من علاج عدد من الأمراض، وقد يكونان الخطوة الأولى في التعامل مع بعض حالات السكري وارتفاع ضغط الدم.
كما أن إيقاف بعض الأدوية ليس محظورا بصورة مطلقة، إذ يمكن لبعض المرضى الذين يفقدون أوزانا كبيرة بعد جراحات السمنة الاستغناء عن أدوية معينة، ولكن تحت إشراف طبي.
وينطبق الأمر كذلك على منع بعض أنواع الطعام في حالات مثل القولون العصبي وارتجاع المريء، غير أن الغراب شدد، في تصريحاته لـ«الحرة»، على أن تعديل جرعات الأدوية أو إيقافها لا يتم إلا وفقا لتقييم طبي دقيق لكل حالة.
«طوق نجاة» للمرضى
وبحسب التقرير، فإن قدرة «نظام الطيبات» على إقناع بعض المرضى ترتبط أيضا بمعاناتهم اليومية مع الأمراض المزمنة، إذ يشعر بعضهم بالملل من تناول الأدوية بصورة مستمرة، فضلا عن الأعباء الاقتصادية المرتبطة بتكاليف العلاج.
وأشار الغراب إلى أن ارتفاع أسعار الأدوية في مصر خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تغيرات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج، زاد من الضغوط التي يواجهها المرضى.
وفي هذه الظروف، قد يبدو ظهور شخص يعد المريض بأنه لم يعد بحاجة إلى الأدوية بمثابة «طوق نجاة»، بما يحمله من وعد بالخلاص من المرض ومن تكاليف العلاج في الوقت نفسه.
وتزداد خطورة هذه الممارسات، وفقا للتقرير، في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة.
وقال الغراب إن أول احتكاك له بنظام «الطيبات» كان من خلال منشور لأم أوقفت الإنسولين عن طفلها المصاب بالسكري، قبل أن ينتهي الأمر بدخول الطفل إلى العناية المركزة إثر إصابته بغيبوبة.
وترى مريم مشالي، المدرس المساعد في علم الأدوية، أن جانبا من المشكلة يبدأ في عيادات الرعاية الأولية، حيث لا يحصل المريض أحيانا على الوقت الكافي لفهم مرضه أو طبيعة الأدوية التي يتناولها، قبل أن يغادر حاملا وصفة علاجية طويلة ومكلفة.
وتقول مشالي إن العوضي استطاع ملء هذه الفجوة من خلال خطاب يتسم بالثقة ويقدم تفسيرات تبدو بسيطة ومتماسكة، فيما يمكن أن يعزز شعور المريض بالتحسن السريع قناعته بأن النظام فعال، حتى في الوقت الذي قد يكون فيه مرض مزمن يتفاقم دون ظهور أعراض واضحة.
من الغذاء إلى الدين ونظريات المؤامرة
ولم يتوقف خطاب العوضي، بحسب تقرير «الحرة»، عند الجانب الطبي، بل تطور من ظهوره في برامج طبية إلى تبني خطاب أكثر حدة تجاه المؤسسات الطبية خلال مقاطع البث المباشر.
كما استند خطابه إلى غطاء ديني، بداية من اختيار اسم «الطيبات»، ووصولا إلى تبني نظريات مؤامرة تتهم شركات الأدوية بالسعي إلى تحقيق أرباح من استمرار مرضى الأمراض المزمنة في العلاج.
ونقل التقرير عن خالد أمين، عضو نقابة الأطباء، تفاصيل من التحقيق الذي جرى مع الطبيب الراحل، مشيرا إلى أن العوضي دافع عن أفكاره من خلال الاستشهاد بشخصيات تاريخية قوبلت نظرياتها بالرفض في البداية قبل الاعتراف بها لاحقا.
وذكر أمين أن العوضي قال له خلال آخر لقاء جمعهما: «أتمنى أن تستمع لي لتتغير صحتك تماما».
وحذر طبيب نفسي مصري، فضل عدم الكشف عن هويته، من اختزال الظاهرة في المجتمع المصري، مؤكدا أن الأنظمة الغذائية غير القائمة على أدلة علمية تنتشر في دول مختلفة حول العالم، مستشهدا بأنظمة مثل Carnivore Diet التي تحظى بمتابعين في دول غربية.
كما شبّه عبدالله وهيبة، طبيب مصري يعمل في المملكة المتحدة، الظاهرة بعمليات الاحتيال الكبرى، معتبرا أن الاختلاف يكمن في أن «العملة» هنا هي الصحة بدلا من المال.
وأكد وهيبة أن البحث عن بدائل للعلاج ليس ظاهرة مقتصرة على الثقافة المصرية، وإنما يرتبط أيضا بمستوى التنظيم المؤسسي ومدى الثقة في النظام الصحي.
وبذلك، يخلص تقرير «الحرة» إلى أن استمرار انتشار «الطيبات» لا يرتبط فقط بأفكار الطبيب الراحل، وإنما بتداخل عوامل طبية واجتماعية واقتصادية ودينية وإعلامية، فضلا عن قدرة المحتوى الرقمي على إعادة تدوير المعلومات القديمة والوصول بها إلى جمهور جديد، حتى بعد اتخاذ إجراءات رسمية بحق صاحب النظام.





