مشروع قانون حكومى لمواجهة جرائم الانفلات الرقمى والذكاء الاصطناعى.. ماذا عن الحرية؟

كتب: على طه

تتجه الحكومة إلى إجراء تعديلات تشريعية لتنظيم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل تصاعد المخاوف من تنامي الشائعات والمحتوى المضلل والممارسات التي قد تضر بالمجتمع والاقتصاد، بالتزامن مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إنتاج صور ومقاطع فيديو يصعب التحقق من حقيقتها، ويشار إليها بوصف: “جرائم الذكاء الاصطناعى (AI Crimes).

ويأتي التحرك الحكومي في وقت كشفت فيه بيانات رسمية عن ارتفاع معدل الشائعات التي جرى رصدها خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 113% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما تصدرت قطاعات الاقتصاد وخدمات الطاقة والتموين قائمة المجالات الأكثر ارتباطًا بالشائعات.

تعديلات تشريعية لمواجهة المحتوى المضلل

وتعمل الحكومة على إعداد مسودة قانون جديدة، إلى جانب مراجعة القوانين القائمة، بهدف تمكين الدولة من التعامل مع الفيديوهات والممارسات التي تراها مسيئة للمجتمع أو تمثل خروجًا على القوانين المنظمة لاستخدام مواقع التواصل.

وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن مواجهة هذه الممارسات لا تعني المساس بحرية التعبير، مشيرًا إلى أن الحكومة اطلعت على تجارب دولية في هذا المجال، تمهيدًا لطرح مشروع القانون على مجلس النواب مع بدء دور الانعقاد التشريعي الجديد في أكتوبر المقبل.

وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الدولة للإعلام دعوتها المواطنين وصناع المحتوى والمؤثرين إلى تحري الدقة قبل النشر، واحترام الخصوصية، والابتعاد عن التشهير والتنمر وإثارة الشائعات، مع التأكيد على اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفات.

كما بدأت وزارتا الاتصالات والإعلام تعاونًا لرصد ما وصفته بالمخالفات التي تهدد أمن المجتمع أو تمس حقوق أفراده وقيمه، بالتزامن مع استحداث وحدة بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لرصد عمليات التلاعب بالصور ومقاطع الفيديو.

الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات جديدة

ولا تقتصر المخاوف على الشائعات التقليدية، إذ بات الذكاء الاصطناعي يضيف تحديات جديدة، خاصة مع انتشار تقنيات التزييف العميق التي تتيح إنتاج محتوى مصور أو صوتي يبدو حقيقيًا رغم كونه مفبركًا.

وحذرت دراسة أعدها نائب رئيس محكمة النقض المستشار عادل ماجد، ونشرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء، من مخاطر استغلال الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التأثير في المشاعر لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، داعية إلى تشريع يتضمن ضوابط واضحة بشأن أنظمة التلاعب السلوكي والإدراكي، مع توفير حماية خاصة للأطفال والشباب.

ويستند التحرك الحكومي إلى أن القانون الحالي لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، الصادر عام 2018، يتضمن بالفعل عقوبات على عدد من الجرائم الرقمية، من بينها الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، إلا أن التطورات التكنولوجية المتلاحقة دفعت إلى طرح فكرة تحديث الإطار التشريعي.

خبراء: تنظيم صناعة المحتوى أصبح ضرورة

ويرى خبير الإعلام الرقمي رامي المليجي أن تنظيم سوق مواقع التواصل في مصر أصبح ضرورة، في ظل الانتشار الواسع لصناعة المحتوى والبث المباشر، مطالبًا بوضع ضوابط قانونية ومهنية تنظم نشاط صناع المحتوى، إلى جانب تنظيم الجوانب المالية والإعلانية المرتبطة بهذه الصناعة.

ويؤكد المليجي أن التنظيم يجب أن يشمل منح تراخيص أو تصاريح لمزاولة النشاط، أو إنشاء كيان مهني مستقل لصناع المحتوى، بما يساعد على ضبط السوق وتحقيق قدر أكبر من الشفافية في الإيرادات والإعلانات.

كما دعا إلى إلزام شركات التواصل الاجتماعي الكبرى بالامتثال للقوانين المصرية فيما يتعلق بعملها داخل البلاد، وإنشاء آليات اتصال مباشرة وسريعة بين الجهات الحكومية وإدارات المنصات للتعامل مع المحتوى المخالف.

ويرى أن الاحتكام إلى القانون المصري والأحكام القضائية الوطنية عند اتخاذ إجراءات ضد المحتوى المخالف يمكن أن يوفر توازنًا بين حماية المجتمع والحفاظ على حرية التعبير، بدلاً من ترك قرارات الحذف أو الحظر لتقديرات إدارات المنصات وحدها.

مخاوف من تحول التنظيم إلى تقييد للحريات

وفي المقابل، أثار الإعلان عن التشريعات الجديدة مخاوف حقوقية وإعلامية من إمكانية استخدام عبارات فضفاضة مثل «القيم المجتمعية» و«العادات والتقاليد» في صياغة نصوص قانونية قد تؤدي إلى توسيع نطاق التجريم.

كما عبّر رجل الأعمال نجيب ساويرس عن أمله في ألا يتحول تنظيم مواقع التواصل إلى تدخل أو منع، معتبرًا أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل إحدى النوافذ المهمة للتعبير والتواصل.

وأبدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مخاوفها من أن تؤدي التعديلات المرتقبة إلى استحداث جرائم جديدة أو تشديد العقوبات على جرائم مرتبطة بالتعبير، فضلًا عن احتمالات التوسع في مراقبة المحتوى والحسابات من دون ضوابط واضحة أو رقابة مستقلة.

وفي السياق نفسه، شددت وكيلة لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب مها عبدالناصر على ضرورة أن يتضمن أي تشريع جديد ضوابط محددة للمحتوى المخالف، مع الحفاظ على الحقوق الدستورية للمستخدمين، وعدم التوسع في العقوبات السالبة للحرية إلا في المخالفات الجسيمة أو حالات التكرار.

هل تحتاج مصر إلى قانون جديد؟

في المقابل، ترى أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة سهير عثمان أن التشريعات الحالية كافية من حيث المبدأ للتعامل مع معظم التجاوزات الرقمية، مشيرة إلى أن القوانين المصرية تجرّم بالفعل التنمر والسب والقذف والتحريض وخطاب الكراهية والمحتوى الخادش للحياء.

وتعتقد عثمان أن التركيز يجب أن ينصب على التوعية، خصوصًا بين الشباب، بدلًا من إصدار تشريعات جديدة قد لا تمنع التجاوزات، إذ يستطيع المستخدمون دائمًا البحث عن طرق جديدة للالتفاف على القواعد.

وترى أن أحد أهم أسباب انتشار الشائعات يتمثل في تأخر الجهات الرسمية في تقديم المعلومات والرد على الأخبار غير الصحيحة، معتبرة أن إصدار قانون لحرية تداول المعلومات يمكن أن يكون أكثر فاعلية في مواجهة الشائعات، من خلال توفير المعلومات الرسمية الدقيقة للإعلام والجمهور.

مشروع جديد لمواجهة «التزييف العميق»

وتزامن التحرك الحكومي مع إعلان حزب الشعب الجمهوري إعداد مشروع قانون يستهدف التعامل مع الجرائم الرقمية المستحدثة، ومن بينها التزييف العميق والابتزاز الإلكتروني، إلى جانب تنظيم عمل المنصات وصناع المحتوى، مع التأكيد على الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والحقوق الدستورية.

كما سبق أن تقدم أكثر من 60 نائبًا بمشروع قانون لتنظيم عمل منصات التواصل الدولية في مصر، تضمن مقترحات بشأن إنشاء منصة وطنية للتواصل الاجتماعي، وفرض عقوبات على المنصات المخالفة، قد تصل إلى الحجب والغرامات المالية.

التكنولوجيا وحدها لا تكفي

ومن الناحية التقنية، يرى استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني محمد عسكر أن السيطرة الكاملة على المحتوى المنشور عبر مواقع التواصل أمر شديد الصعوبة، نظرًا إلى مليارات المنشورات التي تنتجها هذه المنصات يوميًا، واعتمادها على بنية تحتية موزعة في دول مختلفة.

ويقترح عسكر الجمع بين التشريع والتكنولوجيا والتعاون المباشر مع الشركات المالكة للمنصات، مشيرًا إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الحسابات الوهمية وحملات التضليل المنظمة واكتشاف الأنماط غير الطبيعية في عمليات النشر.

ويؤكد أن التعاون مع شركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«تيك توك» و«إكس» قد يكون أكثر فاعلية في التعامل السريع مع المحتوى المخالف، نظرًا إلى امتلاك هذه الشركات الأدوات التقنية اللازمة لإزالة المحتوى أو الحد من انتشاره.

لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تكون أي تشريعات جديدة دقيقة في تعريفاتها، خصوصًا فيما يتعلق بمصطلحات مثل «المحتوى الضار» و«مخالفة القيم»، حتى لا تتحول النصوص القانونية إلى أدوات واسعة يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة.

معادلة صعبة

وبينما تبدو الحكومة عازمة على تطوير الإطار القانوني لمواجهة الشائعات والتزييف الرقمي والجرائم المستحدثة، يبقى التحدي الأساسي هو الوصول إلى معادلة تضمن حماية المجتمع والاقتصاد والأمن القومي من الاستخدامات الضارة لمواقع التواصل، من دون أن تتحول عملية التنظيم إلى قيود واسعة على حرية الرأي والتعبير.

وتشير آراء الخبراء والحقوقيين إلى أن نجاح أي تشريع جديد لن يتوقف على تشديد العقوبات فقط، وإنما على وضوح التعريفات، وسرعة إتاحة المعلومات الرسمية، والرقابة القضائية، والتوعية الرقمية، والتعاون مع شركات التكنولوجيا.

وفي ظل الارتفاع الكبير في معدلات الشائعات والتطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن مصر أمام اختبار حقيقي: هل تنجح في تنظيم الفضاء الرقمي وحماية المجتمع، أم يتحول التنظيم إلى معركة جديدة حول حدود حرية التعبير؟.

طالع المزيد: انهيار ترامب فى ملعب جولف مهجور: إيران تنتقم من رجل الصفقات بالذكاء الاصطناعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى