كشف أثري جديد يدعم تحديد مدينة «مسن» المفقودة

كتب: ياسين عبد العزيز

كشفت البعثة الأثرية المصرية العاملة في موقع تل أبو صيفي بمدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، نتائج جديدة خلال موسم الحفائر الحالي، تضمنت عناصر معمارية ولقى أثرية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، وتساعد النتائج في دراسة تطور الموقع وعلاقته بطريق حورس الحربي، كما تدعم فرضية ارتباطه بمدينة «مسن» المصرية القديمة.

كشف أثري جديد بمارينا العلمين يضم 18 مقبرة تاريخية

وواصلت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في المجلس الأعلى للآثار، أعمال التنقيب والتوثيق بالمواقع الأثرية الواقعة على الحدود الشرقية لمصر، ضمن برنامج يستهدف دراسة محطات طريق حورس الحربي، وربط المكتشفات الجديدة بما سبق العثور عليه في المواسم السابقة، للوصول إلى صورة أكثر دقة عن تخطيط الموقع واستخداماته عبر العصور.

وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن نتائج الموسم الحالي تضيف إلى أعمال الكشف عن تاريخ المواقع الأثرية في شمال سيناء ومنطقة القنطرة، مشيرًا إلى أن استمرار الحفائر في المواقع المرتبطة بطريق حورس يساهم في دراسة محطاته ومراحل تطوره، إلى جانب توثيق العناصر الأثرية التي تكشف طبيعة المنطقة خلال الفترات التاريخية المختلفة.

وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال الموسم الحالي استكملت ما نفذته البعثات الأثرية بالموقع خلال العقود الماضية، وأسهمت في إعادة دراسة عدد من العناصر المعمارية التي عثر عليها سابقًا، حيث كشفت الدراسات الجديدة أن السور الضخم المشيد من الطوب اللبن يمثل السور الخارجي للحرم المحيط بالمعبد، وليس جزءًا من المعبد كما كان يعتقد في وقت سابق.

وأظهرت أعمال الحفائر أن السور المكتشف يضم بوابات وغرفًا داخلية وطبقات إنشائية متعددة، وهو ما أتاح للباحثين إعادة قراءة التخطيط المعماري للموقع، وربط العناصر المكتشفة بمراحل الإنشاء والاستخدام التي مر بها المكان، كما قدمت النتائج الجديدة أدلة تدعم دراسة صلة الموقع بمدينة «مسن» القديمة.

ورصدت البعثة بقايا طريقين حجريين متعاقبين يصلان من خارج منطقة التحصين إلى داخل المعبد، ويعود الطريق الأول إلى العصر البطلمي، بينما أقيم فوقه طريق روماني أقل اتساعًا، وهو ما يكشف استمرار استخدام هذا الجزء من الموقع خلال فترات تاريخية متعاقبة.

وكشفت الحفائر كذلك عن أجزاء من المعبد، تضمنت غرفًا تخزينية متتابعة في الناحية الشمالية، وغرفًا خدمية في الناحية الجنوبية، وصولًا إلى منطقة قدس الأقداس، التي تعرضت للهدم نتيجة أعمال التحجير التي شهدها الموقع في أواخر العصر الروماني.

وعثرت البعثة على نصف عتب علوي ضخم مصنوع من الحجر الرملي، انقسم إلى جزأين، وحمل نقوشًا على 3 جهات تتضمن ألقاب الملك رمسيس الثاني، إلى جانب نص يشير إلى أعمال ترميم نفذت لتمثال المعبود «حورس سيد مدينة مسن»، وهو ما يمثل إحدى القطع التي ترتبط بشكل مباشر بفرضية تحديد هوية الموقع.

وأشار الدكتور هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لوجه بحري وسيناء ورئيس البعثة، إلى أن العتب المكتشف يحمل معلومات مرتبطة بالملك رمسيس الثاني وبأعمال الترميم التي أجريت لتمثال «حورس سيد مدينة مسن»، بينما تواصل البعثة دراسة النقوش والعناصر المرتبطة بها لتحديد دلالاتها ضمن التسلسل التاريخي للموقع.

وعثرت البعثة أيضًا على مجموعة من اللقى ذات الطابع الإداري والعسكري، من بينها جزء من تمثال مصنوع من حجر الشست يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، ويخص كاتبًا في الجيش ويحمل ناووسًا مكسورًا، كما جرى العثور على تمثال فاقد الرأس والقدمين يرجع إلى العصر المتأخر.

وضمت المكتشفات جذع تمثال ملكي مصنوع من البازلت، إلى جانب أجزاء من تماثيل صقور مصنوعة من البازلت والحجر الجيري، وتساعد هذه القطع في دراسة طبيعة النشاط الديني والعسكري داخل الموقع، إلى جانب تحديد الفترات التي شهد خلالها المكان عمليات بناء وإعادة استخدام.

وكشفت نتائج الحفائر أن موقع تل أبو صيفي مر بمراحل متعددة من البناء وإعادة الاستخدام، وبلغ المعبد مرحلة من الازدهار المعماري خلال العصر البطلمي، قبل أن يعاد استخدام أجزاء من الموقع لإقامة ثكنات عسكرية عرفت باسم «Castrum» خلال القرن الثالث الميلادي.

وتحول الموقع في أواخر العصر الروماني إلى محجر لإنتاج الجير، وعثرت البعثة على فرنين دائريين كبيرين أقِيما فوق ركني منطقة قدس الأقداس، واحتوى الفرنان على بقايا أحجار جيرية تعرضت للحرق، بما يشير إلى استخدام أجزاء من المنشآت الدينية في نشاط صناعي خلال تلك الفترة.

وتدعم نتائج الموسم الحالي، إلى جانب المكتشفات التي سجلتها المواسم السابقة، فرضية ارتباط تل أبو صيفي بمدينة «مسن» الفرعونية التي ورد ذكرها في النصوص والمصادر المصرية القديمة خلال عصر الدولة الحديثة، إلا أن تحديد موقع المدينة بصورة نهائية يحتاج إلى استكمال الحفائر وفحص الأدلة المعمارية والنقوش واللقى المكتشفة بالموقع.

وتستعد البعثة لمواصلة أعمال التنقيب والدراسة خلال المواسم المقبلة، بهدف استكمال الكشف عن باقي العناصر المعمارية للموقع، وفحص الأدلة التي يمكن أن تساعد في حسم العلاقة بين تل أبو صيفي ومدينة «مسن»، إلى جانب استكمال دراسة المراحل التي مر بها الموقع منذ العصور الفرعونية وحتى الفترة الرومانية.

زر الذهاب إلى الأعلى