د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: وزير مثير للجدل
موقع بيان الإخبارى
الدكتور يوسف بطرس غالي من أكثر الشخصيات الاقتصادية إثارةً للجدل في تاريخ مصر الحديث، لكنه أيضًا من أكثرها تأثيرًا.
تولى غالى وزارة المالية بين عامي 2004 و2011 ضمن حكومة الدكتور أحمد نظيف، في فترة شهدت تحولًا واضحًا في السياسات الاقتصادية نحو الإصلاح المالي وتحرير الأسواق.
ويجمع معظم الاقتصاديين، سواء المؤيدين أو المعارضين، على أن تلك الفترة شهدت أسرع وتيرة إصلاحات اقتصادية منذ التسعينيات، وإن اختلفوا حول آثارها الاجتماعية وتوزيع ثمارها.
خلال سنوات توليه الوزارة، أُقر قانون الضرائب الجديد عام 2005 الذي خفّض الحد الأقصى لضريبة الدخل والشركات إلى 20% بعد أن كانت تصل إلى أكثر من 40%، مع تبسيط الإجراءات وتوسيع القاعدة الضريبية.
ورغم تخفيض أسعار الضرائب، ارتفعت الحصيلة الضريبية نتيجة زيادة الامتثال وتقليل التهرب، وهو ما اعتبره صندوق النقد الدولي نموذجًا ناجحًا للإصلاح الضريبي.
كما أُنشئ مركز كبار الممولين، وطُبق نظام الإقرار الضريبي الذاتي، وتحسنت شفافية الموازنة العامة للدولة.
اقتصاديًا، ارتفع معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي من نحو 3% قبل الإصلاحات إلى أكثر من 7% في عامي 2007 و2008، وقفزت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مستويات غير مسبوقة آنذاك، كما ارتفعت الصادرات وتحسن أداء البورصة والسياحة.
واعتبر صندوق النقد الدولي أن الحكومة المصرية غيرت اتجاه السياسات الاقتصادية بصورة واضحة نحو الإصلاح، مع تحسين مناخ الاستثمار والإدارة المالية.
لكن هذه الصورة لم تكن كاملة، فقد ظل عجز الموازنة والدين العام مرتفعين، واستمر التضخم عند مستويات مرتفعة، كما لم تنعكس معدلات النمو الكبيرة على جميع فئات المجتمع بالقدر نفسه، وهو ما جعل كثيرين يصفون تلك المرحلة بأنها حققت نموًا اقتصاديًا قويًا دون عدالة اجتماعية كافية.
كما أوصى صندوق النقد آنذاك بضرورة الإسراع في إصلاح دعم الطاقة وخفض الدين العام حتى لا تتحول هذه الملفات إلى عبء أكبر في المستقبل.
أما القضية الأكثر إثارة للجدل، وهي أموال التأمينات الاجتماعية، فمن المهم عرضها بدقة.
لم يصدر يوسف بطرس غالي قرارًا بالاستيلاء على أموال المعاشات لحسابه أو نقلها خارج الدولة، وإنما كانت الحكومات المصرية منذ عقود تستخدم فوائض صناديق التأمينات في تمويل احتياجات الخزانة العامة مقابل سندات ومديونيات على الدولة.
وقد استمر هذا النظام قبل توليه الوزارة وبعد مغادرته لها. وفي عام 2019 اعترفت الدولة رسميًا بهذه المديونية، وأقرت قانونًا لتنظيم سدادها لصناديق التأمينات على أقساط سنوية، وهو ما يؤكد أن القضية كانت التزامًا ماليًا بين جهتين تابعتين للدولة، لا اختلاسًا للأموال بالمعنى الجنائي.
ومع ذلك، يرى منتقدوه أنه كان يتحمل مسؤولية سياسية عن استمرار هذا النظام بصفته وزيرًا للمالية، بينما يرى مؤيدوه أنه لم يكن صاحب هذه السياسة وإنما أدارها ضمن الإطار القانوني القائم آنذاك.
سياسيًا، أصبح يوسف بطرس غالي بعد ثورة يناير 2011 أحد أبرز رموز حكومة الرئيس حسني مبارك الذين تعرضوا للمحاكمة، وصدر بحقه عدد من الأحكام في قضايا مختلفة، بينما بقي تقييم أدائه الاقتصادي محل انقسام.
فهناك من يراه مهندسًا لأهم إصلاحات مالية شهدتها مصر الحديثة، وهناك من يعتبر أن تلك الإصلاحات ركزت على المؤشرات الكلية وأغفلت البعد الاجتماعي.
لكن ما يصعب إنكاره هو أن كثيرًا من السياسات التي دافع عنها، مثل إصلاح الدعم، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين الإدارة المالية، أصبحت لاحقًا جزءًا من برامج الإصلاح الاقتصادي التي تبنتها الدولة المصرية نفسها في السنوات التالية.





