تقرير: إسرائيل تصعّد في جنوب لبنان.. هل اقتربت المواجهة من الانفجار الإقليمي؟

مصادر – موقع بيان الإخبارى

دخلت جبهة جنوب لبنان مرحلة جديدة من التصعيد، بعد الغارات الإسرائيلية الدامية التي شهدتها المنطقة أمس السبت، وأسفرت، وفق أحدث المعطيات، عن مقتل 11 شخصًا بينهم أطفال، في واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ بدء سريان الهدنة بين إسرائيل وحزب الله في 20 يونيو الماضي.

وجاء التصعيد في وقت حساس للغاية، تتقاطع فيه المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي ترعاها الولايات المتحدة مع مساعي تثبيت وقف إطلاق النار، بينما لا تزال إسرائيل تحتفظ بمواقع داخل جنوب لبنان، وتصر على ربط انسحابها بنزع سلاح حزب الله.

غارات وتهديد بمزيد من التصعيد

وقالت إسرائيل إن غاراتها جاءت ردًا على هجوم بطائرة مسيرة نفذه حزب الله داخل المنطقة التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، وأسفر، بحسب الرواية الإسرائيلية، عن إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين، بينهم ضابط.

وأعلنت إسرائيل أن عملياتها استهدفت مواقع تابعة لحزب الله، كما تحدث الجيش الإسرائيلي عن مقتل قيادي في قوة الرضوان التابعة للحزب.

لكن الضربات أوقعت أيضًا خسائر كبيرة بين المدنيين؛ إذ أفادت السلطات اللبنانية بمقتل 11 شخصًا، بينهم ثلاثة أطفال، في بلدتي أنصار ودير الزهراني ومناطق أخرى في جنوب لبنان.

ووصف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الهجمات بأنها تهديد للاستقرار، بينما اعتبر الرئيس جوزاف عون أن التصعيد الإسرائيلي يقوض المسار التفاوضي الجاري. في المقابل، توعد حزب الله بالرد، محذرًا من أن استمرار الهجمات لن يمر دون رد، في إشارة إلى أن قواعد الاشتباك التي فرضتها الهدنة باتت معرضة لاختبار خطير.

إيران.. «الخطوط الحمراء» تمتد إلى لبنان

اللافت أن التصعيد الحالي يأتي في ظل موقف إيراني سابق شديد الوضوح بشأن أي توسع إسرائيلي في لبنان.

ففي الأول من يونيو الماضي، نقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن جهاز استخبارات الحرس الثوري أن طهران تعتبر تجاوز ما وصفته بـ«الخطوط الحمراء» في لبنان وغزة بمثابة حرب مباشرة، مع التلويح بفتح جبهات جديدة والقيام بعمليات دفاعية.

كما سبق أن حذر الجيش الإيراني من تداعيات استهداف بيروت، بينما أكد مستشار المرشد الإيراني أن «صبر» القوات المسلحة الإيرانية له حدود، في وقت كانت فيه واشنطن تحاول منع اتساع رقعة الحرب بين إيران وإسرائيل.

وتكشف هذه المواقف أن أي تصعيد إسرائيلي كبير في الجنوب اللبناني لا يُنظر إليه في طهران باعتباره ملفًا لبنانيًا منفصلًا، وإنما باعتباره جزءًا من معادلة أوسع مرتبطة بالصراع الإيراني الإسرائيلي.

لكن لا تتوافر حتى الآن، في المصادر الموثوقة التي أمكن التحقق منها، أدلة مستقلة تؤكد صدور تهديد إيراني جديد أمس تحديدًا بفتح حرب مباشرة مع إسرائيل بسبب غارات 15 أغسطس. ومن ثم، فإن ربط التصعيد الحالي بتهديد إيراني جديد يجب التعامل معه باعتباره معلومة تحتاج إلى تأكيد، لا حقيقة مكتملة.

واشنطن أمام اختبار صعب

التصعيد يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة شديدة التعقيد.

فواشنطن ترعى إطارًا للتفاوض بين لبنان وإسرائيل، وتضغط في اتجاه تنفيذ ترتيبات تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا من الجنوب اللبناني، بالتوازي مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني والتحقق من مسار نزع سلاح حزب الله.

وكانت الولايات المتحدة قد دفعت خلال الأيام الماضية باتجاه إنشاء آلية دولية للتحقق من نزع سلاح حزب الله، مع بحث مشاركة بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا في هذه الآلية.

لكن المشكلة أن إسرائيل تربط الانسحاب من الجنوب بنزع سلاح حزب الله، في حين يرى الحزب أن الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يسبق أي نقاش حول السلاح.

وهكذا نشأ مثلث ضغط شديد الحساسية: إسرائيل تريد ضمانات أمنية قبل الانسحاب، وحزب الله يرفض نزع سلاحه في ظل استمرار الاحتلال والضربات، بينما تحاول الحكومة اللبنانية تنفيذ التزاماتها دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.

نتنياهو يبحث عن مكاسب سياسية؟

وتأتي التطورات في توقيت سياسي حساس بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في الخريف.

وتشير تحليلات وتقارير دولية إلى أن الاعتبارات السياسية الداخلية تمثل أحد العوامل التي تجعل أي تنازل إسرائيلي في الملف اللبناني شديد الصعوبة، خصوصًا أن قاعدة نتنياهو اليمينية تضغط باتجاه استمرار النهج الأمني المتشدد.

وفي المقابل، يرى الجانب الإسرائيلي أن استمرار العمليات العسكرية ضروري لمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته قرب الحدود.

لكن تحويل الجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية يحمل مخاطرة مختلفة: أن يتحول الضغط المحدود إلى مواجهة أوسع، ثم إلى صراع إقليمي لا تستطيع الأطراف التحكم في مساره.

ماذا عن زيارة الجنرال جوزيف كليرفيلد؟

وتكتسب الإشارة إلى تحركات الجنرال الأمريكي جوزيف كليرفيلد أهمية في قراءة المشهد، لكنه من الضروري الفصل بين التزامن وبين إثبات وجود علاقة سببية.

كليرفيلد هو رئيس آلية الإشراف على وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، وقد عقد لقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين في إطار مهمته المتعلقة بمتابعة تنفيذ الاتفاق.

وتشير مصادر لبنانية إلى أن كليرفيلد التقى الرئيس جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، وبحث معهم ملف وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وتعزيز دور الجيش اللبناني.

كما سبق أن أكد الجيش اللبناني رسميًا أن كليرفيلد التقى قائد الجيش رودولف هيكل، وبحث معه الوضع الأمني والتطورات الإقليمية وسبل تطوير عمل آلية مراقبة وقف الأعمال العدائية.

لكن لا يوجد في المصادر التي تم التحقق منها ما يثبت أن زيارة كليرفيلد الأخيرة وقعت مباشرة في اليوم السابق لغارات 15 أغسطس، ولذلك لا يمكن الجزم بوجود صلة عملياتية بين الزيارة والتصعيد الإسرائيلي.

لبنان أمام معادلة «الخروج أصعب من البقاء»

الحكومة اللبنانية تبدو أمام مأزق شديد الحساسية.

فهي من جهة مطالبة بإثبات قدرتها على بسط سلطة الدولة وتعزيز انتشار الجيش جنوبًا، ومن جهة أخرى تواجه استمرار الاحتلال الإسرائيلي والضربات العسكرية، بينما لا يشارك حزب الله بصورة مباشرة في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن.

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد أكد التزام لبنان باستكمال عملية نزع السلاح جنوب نهر الليطاني، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها.

وهنا تكمن المعضلة: إذا شددت الدولة اللبنانية موقفها تجاه حزب الله، فإنها تخاطر بتوتر داخلي؛ وإذا تراجعت، فإنها تواجه ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية متزايدة. وفي الحالتين، يبقى استمرار الضربات الإسرائيلية عاملًا يقوض قدرة الحكومة على تثبيت معادلة مستقرة.

هل تتكرر أزمة الأمس؟

المؤشرات الميدانية والسياسية لا تسمح باستبعاد تكرار التصعيد.

فإسرائيل أعلنت أنها تريد استخدام الضربات للضغط على حزب الله، بينما يرفض الحزب التعامل مع استمرار الهجمات والاحتلال باعتباره أمرًا واقعًا. وفي الوقت نفسه، تحاول واشنطن إبقاء المفاوضات قائمة ومنع انهيار إطار التهدئة.

وكانت رويترز قد أشارت قبل التصعيد الأخير إلى أن الاتفاق الأمريكي الذي يجري العمل عليه يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بنزع سلاح حزب الله، بينما لا تزال تفاصيل آلية التنفيذ والتحقق موضع خلاف.

وبالتالي، فإن ما جرى أمس لا يبدو مجرد حادث أمني منفصل، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاتفاق الأمريكي على الصمود أمام الحسابات العسكرية الإسرائيلية ومواقف حزب الله والضغوط الإيرانية.

والخطر الأكبر أن تتحول كل ضربة ورد عليها إلى حلقة جديدة في سلسلة التصعيد، خصوصًا إذا اعتبرت إيران أن العمليات الإسرائيلية تجاوزت الخطوط التي سبق أن أعلنتها.

واليوم يقف جنوب لبنان – مجددًا – على حافة التصعيد، لكن الحرب الشاملة ليست نتيجة حتمية حتى الآن، فهناك قنوات أمريكية للتفاوض، وآلية مراقبة قائمة، واتصالات لبنانية إسرائيلية مستمرة.

غير أن استمرار الضربات وسقوط المدنيين وغياب اتفاق واضح حول الانسحاب ونزع السلاح يجعل الهدنة هشة، ويترك الباب مفتوحًا أمام جولة جديدة قد تكون أخطر من سابقتها.

طالع المزيد: هجوم إسرائيلي واسع يستهدف تلال علي الطاهر جنوب لبنان

زر الذهاب إلى الأعلى