مواجهة الصين.. هل تحتاج أمريكا إلى سباق تسلح جديد؟
تقرير يستعرض مراجعة بحثية لسياسة الدفاع الأمريكية في عصر التنافس بين القوى الكبرى
موقع بيان الإخبارى
تقديم:
تتصاعد داخل الولايات المتحدة النقاشات بشأن كيفية التعامل مع الصعود الصيني، في ظل انتقال العلاقة بين واشنطن وبكين خلال السنوات الأخيرة من المنافسة الاقتصادية والسياسية إلى مواجهة متعددة المجالات تشمل التكنولوجيا والتجارة والتحالفات والأمن والقدرات العسكرية.

وفي هذا السياق، يناقش الباحث تيموثي آر. هيث في مراجعة نشرها موقع E-International Relations في 22 أغسطس 2026، كتاب صدر بعنوان: “Confronting China: US Defense Policy in an Era of Great Power Competition”، الذي يقدم رؤية لسياسة الدفاع الأمريكية في مواجهة الصين.
لكن هيث ينتقد تركيز الكتاب المفرط على البعد العسكري، معتبرًا أن الدعوة إلى زيادة ضخمة في الإنفاق الدفاعي الأمريكي لا تستند إلى تفسير مقنع لطبيعة التهديد الصيني.
وفى التالى نقدم ترجمة لنص تقرير الباحث تيموثي آر. هيث، كما ورد فى مصدره الأصلى:
التقرير:
صعود الصين يغير قواعد المنافسة
ينطلق الكتاب، بحسب هيث، من فكرة تبدو محل اتفاق نسبي، وهي أن صعود الصين بوصفها منافسًا قريبًا من مستوى الولايات المتحدة يمثل تحديًا غير مسبوق للنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
ويشير الكاتب إلى أن الصين أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتمتلك نفوذًا دبلوماسيًا يمتد إلى مناطق مختلفة من العالم، كما أنها لا تخفي عدم رضاها عن بعض عناصر النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
لكن هيث يرى أن توصيف الصين باعتبارها منافسًا للقوة الأمريكية لا يعني بالضرورة أن الصراع بين البلدين سيُحسم عسكريًا، إذ إن المنافسة تشمل مجالات الدبلوماسية والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والتحالفات الدولية.
ويشير إلى أن بعض فصول الكتاب تتناول بالفعل هذه الجوانب، خصوصًا محاولات بكين التأثير في التحالفات الأمريكية وتوسيع نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
الجيش الصيني.. صعود هائل خلال عقدين
مع ذلك، يظل البعد العسكري هو المحور الأساسي للكتاب، وفق المراجعة.
ويشير هيث إلى أن جيش التحرير الشعبي الصيني شهد عملية تحديث واسعة خلال العقود الماضية، حيث ارتفعت الميزانية العسكرية الصينية بمعدل يقارب 10% سنويًا بين عامي 2000 و2016، قبل أن يتباطأ النمو إلى نحو 5% إلى 7% سنويًا.
وأصبحت الصين تمتلك أعدادًا كبيرة من الطائرات المتقدمة والصواريخ والسفن الحربية والدبابات، بما يجعل قدراتها العسكرية تقترب في بعض المجالات من القدرات الأمريكية أو تتجاوزها من حيث العدد.
لكن السؤال الذي يطرحه الباحث هو: ما الهدف الحقيقي من هذا التحديث العسكري؟
هل التوسع العسكري الصيني يعني السعي للهيمنة العالمية؟
ينتقد هيث افتراض الكتاب أن الدافع وراء بناء القدرات العسكرية الصينية هو بالضرورة توجه عدواني يستهدف الهيمنة العالمية.
ويرى أن هناك دوافع سياسية واقتصادية داخلية يمكن أن تفسر جانبًا من الإنفاق العسكري الصيني، من بينها تعزيز دعم الجيش للقيادة السياسية، وتوفير شبكات للمصالح والرعاية، وتعزيز النزعة الوطنية، إلى جانب توظيف المؤسسة العسكرية في بعض جوانب التنمية الاقتصادية.
ويعتبر أن هذه العوامل يمكن أن تفسر، جزئيًا، استمرار مشكلات الفساد وضعف الجاهزية القتالية داخل الجيش الصيني رغم ضخامة عملية التحديث.
فجوة واسعة في الانتشار العسكري العالمي
ويرى الباحث أن القول بأن التوسع العسكري الصيني يستهدف الوصول إلى «الهيمنة العالمية» يواجه عقبة أساسية، تتمثل في محدودية قدرة الصين الحالية على إسقاط قوتها العسكرية عالميًا.
فالصين، وفق المراجعة، لا تمتلك شبكة تحالفات عسكرية واسعة كتلك التي تتمتع بها الولايات المتحدة، كما أن وجودها العسكري الخارجي محدود للغاية، إذ تمتلك قاعدة عسكرية خارجية واحدة في جيبوتي، بينما تمتلك الولايات المتحدة عشرات الحلفاء وشبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية في دول عديدة حول العالم.
ومن ثم، يرى هيث أن المقارنة بين الوجود العسكري الأمريكي والصيني لا تزال تصب بصورة واضحة في مصلحة واشنطن من حيث الانتشار والتحالفات والقدرة على العمل في مسارح عمليات متعددة.
هل تتجه الصين والولايات المتحدة إلى حرب انتقال القوة؟
يتناول الكتاب احتمال نشوب حرب بين القوتين باعتبارها إحدى نتائج التنافس على قيادة النظام الدولي.
لكن هيث يشكك في هذا السيناريو، موضحًا أن حروب انتقال القوة تحدث عادة عندما تقترب قوة صاعدة من تجاوز القوة المسيطرة على النظام الدولي.
ويرى أن المسار الاقتصادي الحالي لا يؤكد بالضرورة هذا الاتجاه، إذ إن الاقتصاد الصيني، بحسب المراجعة، لم يواصل الصعود بالمعدل الذي كان متوقعًا، بينما واصلت الولايات المتحدة تحقيق أداء اقتصادي أفضل نسبيًا.
وبالتالي، فإن فرضية أن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة قريبًا وتدخل معها حربًا لإعادة توزيع قيادة النظام الدولي أصبحت، من وجهة نظر الباحث، أقل إقناعًا.
تايوان.. السيناريو الأكثر خطورة
ويشير هيث إلى أن السيناريو الأكثر تداولًا بشأن اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الصين والولايات المتحدة يرتبط بتايوان.
فقد تبدأ الحرب بين الصين وتايوان، ثم تتوسع لتشمل الولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن الباحث يرى أن حتى هذا السيناريو لا يقدم إجابة واضحة عن السؤال الأساسي: كيف يمكن لانتصار صيني على تايوان أن يؤدي إلى تحقيق الهيمنة الدولية على الولايات المتحدة؟
ويضيف أن السيطرة على تايوان لا تعني بالضرورة انهيار القيادة الأمريكية عالميًا، مستشهدًا بأن عدم التدخل العسكري الأمريكي المباشر في الحرب الروسية الأوكرانية لم يؤدِ إلى إنهاء الدور القيادي لواشنطن.
كما يحذر من أن أي حرب مباشرة بين الولايات المتحدة والصين تحمل خطرًا بالغًا يتمثل في احتمال التصعيد إلى مواجهة نووية، بما يجعل الحديث عن «الهيمنة الدولية» عديم المعنى إذا وصلت الحرب إلى مرحلة الدمار النووي.
دعوات أمريكية لزيادة ضخمة في الإنفاق الدفاعي
المشكلة الثانية التي يثيرها هيث تتعلق بالحل الذي يطرحه الكتاب لمواجهة الصين، والمتمثل في توسيع هائل للقدرات العسكرية الأمريكية.
ومن بين المقترحات الواردة في الكتاب تخصيص نحو 300 مليار دولار سنويًا من خلال إصدار سندات لتمويل زيادة الإنتاج الدفاعي بهدف ردع الصين عن تهديد السلام.
كما يدعو أحد المؤلفين إلى العودة إلى مفهوم التخطيط العسكري القائم على الاستعداد لخوض حربين في الوقت نفسه، وهو ما يتطلب زيادة كمية ونوعية في القوات الأمريكية، وتعزيز انتشارها، ورفع قدرتها على نقل القوات بين مسارح العمليات المختلفة.
ويرى هيث أن التكلفة الاقتصادية والسياسية لمثل هذه الاستراتيجية ستكون هائلة.
ديون أمريكا والاستقطاب السياسي.. عقبات أمام سباق التسلح
ويشير الباحث إلى أن الولايات المتحدة تواجه بالفعل تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة، في مقدمتها ارتفاع حجم الدين العام، وهو ما يجعل الرأي العام والكونجرس أقل استعدادًا لتقبل زيادات ضخمة جديدة في الإنفاق العسكري.
كما أن الاستقطاب السياسي الحاد وضعف الثقة في المؤسسات الحكومية يجعلان أي استراتيجية طويلة الأمد لزيادة الإنفاق الدفاعي أكثر صعوبة.
ويضيف أن الإدارات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة أظهرت ترددًا في إرسال قوات أمريكية مباشرة إلى مناطق الحرب في أوروبا والشرق الأوسط، كما أثبتت المساعدات العسكرية غير المباشرة، رغم أهميتها، أنها محل خلاف سياسي وتواجه صعوبات في الاستمرار.
المنافسة مع الصين.. ليست عسكرية فقط
وينتهي هيث إلى أن التحدي الصيني للقيادة الأمريكية حقيقي وكبير، لكنه يرى أن المجال العسكري ليس بالضرورة الساحة الأكثر إلحاحًا في المنافسة.
فالمواجهة بين البلدين تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والدبلوماسية والتحالفات والنفوذ الدولي، وهو ما يجعل التعامل معها من خلال زيادة الإنفاق العسكري وحده استراتيجية غير مكتملة.
ويخلص الباحث إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى رؤية أكثر شمولًا للمنافسة مع الصين، تأخذ في الاعتبار القيود الاقتصادية المتزايدة والتحديات السياسية الداخلية، بدلًا من افتراض أن سباق التسلح هو الحل الرئيسي.
ما تكشفه المراجعة
تكشف مراجعة «Confronting China» عن جدل أوسع داخل دوائر السياسة الأمريكية حول طبيعة الصعود الصيني وكيفية مواجهته.
فبينما يرى أنصار التشدد العسكري أن توسع الجيش الصيني يستدعي ردًا أمريكيًا ضخمًا، يطرح هيث سؤالًا أكثر جوهرية: هل تكمن المنافسة الحقيقية مع الصين في حجم الجيوش والأساطيل، أم في الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات والنفوذ السياسي؟
وبحسب رؤيته، فإن صياغة سياسة أمريكية ناجحة تجاه بكين تتطلب التعامل مع الصين باعتبارها منافسًا متعدد الأبعاد، وليس مجرد تهديد عسكري، خصوصًا في ظل القيود الاقتصادية والاستقطاب السياسي اللذين يحدان من قدرة واشنطن على تحمل سباق تسلح مفتوح وطويل الأمد.





